أقصوصة

حبيبتي ستأتي غدا الأحد

طيران لبنان
mm

كان جالساً على حافة الرصيف، يقوم بحركات غريبة كمن يحاكي الخيال. راقبته لبضع ثوان لأستنتج أنه يعاني من إضطراب عقلي. ملابسه رثة بعض الشيء، حالته مزرية، اقتربت منه أكثر، كان يرتدي قميصاً أبيض اللون، جيب القميص منتفخ كأنه مملوء بشيء داخله!

اقتربت أكثر لأنظر إلى الجيب فاتضح لي أنه كان قد ملأ الجيب بالتراب وغرس بالتراب غصن شجرة صغير أخضر! قلت في نفسي غريب أمر هذا الرجل!

أحس بوجودي، نظر إلي، ثم صرخ بصوتٍ عالٍ: ”شو بدك إنت؟“

لم أعرف ماذا أجيب، فقد أخافني صراخه، قلت: ”بدي سلامتك!“ وبدأت أتمنى أن ينسى أني موجود…

جوابي زاده غضباً، صرخ ثانيةً: ”شو بدك؟ مجنون إنت؟ روح جبلي مي“…

كنت على وشك أن أكمل طريقي، لكن طلبه للماء هو ما استوقفني، قلت لنفسي مسكين هذا المجنون، أكيد هو عطش، سآته بالماء، ونظرت حولي فرأيت دكاناً صغيراً، قلت له: ”رايح جبلك مي وراجع“، فصرخ بي مرةً أخرى: ”روح جبلي مي.“

قلت لنفسي: آه على الجنون، من أين أتاني هذا الرجل! سأشتري له الماء واذهب في سبيلي.

دخلت الدكان، اشتريت قنينة ماء وعدت إليه. قلت له: ”تفضل، جبتلك مي.“ أخد قنينة الماء من يدي بعصبية وغضب، فتح القنينة وسكب الماء في جيب قميصه المملوء بالتراب! لم يشرب!

لم اتوقع ما قام به، صدمني، قلت له: ”شو عملت! ما بدك تشرب مي؟!“

أجاب: ”ما خصك“…

قلت له: ”شو عملت؟! كل ثيابك صارو مي ووحل؟ ليش عملت هيك؟“

أجاب: ”ما خصك“

قلت لنفسي، هو مجنون… وجنونه هو ما يملي عليه، وبدأت أذهب بسبيلي وإذ بيده تمسك يدي ليستوقفني ويقول لي بصوتٍ خافت: ”هيدي أرزة لبنان، عم اسقيها مي!“

قلت لنفسي، هذا ما كان ينقصني، مجنون ووطني مع نفحة شاعرية… أجبته: ”هيدي مش أرزة لبنان، هيدا غصن شجرة صغير وجيبتك كلها تراب ووسخت حالك. أحلالك لو تشرب المي، شو بدك بالأرزة؟“

أجابني: ”إنت مجنون وأعمى، مفكر حالك نضيف؟ هه؟ ليكو هل نضيف ليكو! شو جاييك من أرزة لبنان غير الوسخ! كل عمرها أرزة لبنان بتشرب من إيدينا وبتزيدنا وسخ، صرلي ٤٠ سنة عم اسقيها وبتعطيني وسخ، وبرجع بسقيها“

لم أجد ما أقول! بدأت أفكر، هل كان يعي ما يقول؟ هل هو شاعر أو كاتب فقد عقله! من هو هذا الرجل؟

سألته: ”عندك حدا يهتم فيك؟“

أجاب: ”حبيبتي، هي من سوف تأتي وتخلصني من هذا العذاب.“

حبيبتي!!! غريب أمره! سألته: ”متى سوف تأتي حبيبتك؟“

قال: ”غداً الأحد.“

قلت: ”لكن اليوم هو نهار الأحد، رح تجي اليوم؟“

قال: ”لا، اليوم مش الأحد.“

قلت: ”اليوم شو؟“

قال: ”اليوم سبت“

قلت: ”والبارحة شو كان؟“

قال: ”كمان سبت“

قلت: ”مبارح سبت واليوم سبت كمان؟“

قال: ”نعم.“

قلت: ”كيف هيك، مبارح سبت واليوم سبت؟“

قال: ”يا نظيف ، بعدنا ما تقدمنا ولا دقيقة يا حبيبي، ما منستاهل يوم جديد ، بعدنا محلنا وعم نسقي الأرزه“… صمت قليلاً وقال: ”روح فل“

قلت: ”حبيبتك ساكني قريب؟“

قال: ”قلتلك روح فل، ما خصك بحبيبتي، حبيبتي إسما بيروت… إسما بيروت، رح تجي الأحد بيروت، رح تنضفني بيروت، بس يصير الأحد، بيروت بتجي وبتشيل كل الوسخ“

ذهبت في سبيلي أفكر في حالي… هل سأنتهي مثل هذا الرجل، انتظر بيروت وانتظر أن نستحق اليوم الجديد؟

هو حمل ثقيل، إسمه لبنان… سوف يودي بي إلى الجنون.

هل ارحل بما بقي من قدرة على التحمل؟ أو أبقى انتظر بيروت وانتظر نهار الأحد؟

الجزء الأخير من القصة (نهار السبت والأحد) مقتبس من مسرحية ”المهزلة الأرضية“ ليوسف زيدان.

عدد القراءات: 4٬431