اجتماعيات

معا نحو إقرار الزواج المدني الاختياري في مجتماعاتنا

الزواج المدني

في خضم العديد من الحملات المدنية الليبرالية التي تقام مؤخراً في سوريا دعماً للمساواة والحريات الشخصية، أطلق ناشطون على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك حملة بعنوان ”سوريون مع الزواج المدني الاختياري“، ضمت عدداً من الناشطين من مختلف الخلفيات الدينية والمذهبية والعقائدية التي تخطت كل الاختلافات الاجتماعية لتطالب بحق زواجٍ يحترم الاختلاف ويكفل الحقوق بتكافؤ ومساواة.

وقد نجحت الحملة في الوصول إلى المنابر الإعلامية العديدة، لاسيما الإذاعية منها، بعد أن لاقت اهتماماً شعبياً نظراً لأهميتها الكبيرة في المجتمعات التي تمنع زواج الأديان والطوائف المختلفة، وتخضع للمراجع الدينية حتى في أمور الحريات الشخصية لأفراد ناضجة.

الزواج المدني

وقد طُرح الموضوع في الشارع السوري مؤخراً من فترة ليست بالبعيدة، بعد أن اقترح القاضي الشرعي الأول بدمشق خيار الزواج الثاني ”كحل لمشكلة العنوسة“ بحسب قوله، رافضاً فكرة الزواج المدني على اعتبارها ”زنى“ و”تشريع الشذوذ أي الزواج بالحيوانات“، ما أثار موجة غضب عارمة لدى المجتمع السوري لاسيما بعد التصريحات الجاهلية من قاضٍ أول يعد مرجعاً أساسياً في التشريع، رغم عدم قدرته على التمييز بين مفهوم الزواج المدني الذي يحقق المساواة بين الجنسين ويتيح فرصة تكوين الأسر بين فردين ناضجين بعيداً عن الاختلافات الدينية والطائفية، وبين سفاح القربى والزواج بالحيوانات.

وهذا ما دفع الناشطين إلى إطلاق حملة تدعم حرية الزواج المدني – إلى جانب حرية الزواج التقليدي لمن يشاء – وتنشر الوعي حول مفهومه وإيجابياته بشكل قانوني علمي، بعيداً عن الخرافات الجاهلية المنتشرة.

ما هو الزواج المدني؟

يعتبر الزواج المدني بفهمومه القانوني، عقد زواج ثنائي بين ذكر وأنثى برضى الطرفين – كما في جميع العقود القانونية المدنية – يقوم على قبول تشاركية الحياة الاجتماعية والرعاية والمساواة وحق تكوين أسرة في المجتمع، أياً كان دين أو طائفة أو مذهب الزوجين، سواءً كانا من خلفية دينية أو طائفية أو مذهبية واحدة أو مختلفة.

يوثق عقد الزواج من قبل موظف حكومي تابع للمديرية العامة للأحوال الشخصية في مقر حكومي، أمام شاهدين بناءً على القواعد التي يحددها المشرع، ولا يعتمد بعقده على التشريعات الدينية أو الطائفية، ولا يشترط أن يقوم داخل كنيسة أو مسجد أو بوجود رجل دين قائم على إتمام الزواج، بل يكفي أن يكون محققاً لكل الإجراءات المدنية المشترطة – ويمكن إعداد مراسم روحية معينة كمراسم كنسية أو في المساجد في حال اختار الزوجان ذلك.

الزواج المدني

ويقتصر مفهوم الزواج المدني المبسط على التعريف السابق ذكره، حيث لا يرتبط الزواج المدني أي ارتباط بتشريع زواج الأقارب من الدرجة الأولى (سفاح القربى) أو زواج الإنسان مع الحيوان، أو بتشريع زواج المثليين، حيث أن الأخير يتطلب التصويت والموافقة من قبل المجالس التشريعية كالبرلمان أو مجلس الشعب.

ويعد الزواج المدني واحداً من المفاهيم التي تعتمد على أساس مجتمع علماني، يفصل الدين؛ الذي يعد حرية شخصية فقط، عن الدولة وقوانينها ودستورها وتشريعاتها المدنية. وفيه تتولى الدولة تنظيم الزواج من منطلق قانوني وليس من منطلق ديني، وتعد المرجع الأساسي في فصل النزاعات القائمة بين الزوجين دون خضوعها لأي تعليمات وتوجيهات دينية تتبع جهة دينية أو طائفية معينة.

ويشترط إتمام عقد الزواج ألّا يكون أحد الطرفين مرتبطا بعلاقة زوجية أخرى قائمة بينه وبين شخص آخر، وأن يكون كلا الطرفين مكملّين للسن القانوني المحدد بسن الثامنة عشر، وألّا تربط بين المتزوجين أي علاقة قرابة دون الدرجة الرابعة – تضم الأولى الوالدين والأبناء، والثانية الأجداد والأحفاد والأخوة والأخوات، والثالثة العموم والعمات والخالات والأخوال وأبناء وبنات الإخوة والأخوات، أما الرابعة فتضم أبناء العموم والعمات والخالات و الأخوال – وأن يتم الإبلاغ عن قرار عقد الزواج قبل خمسة عشر يوم ليتسنى للعموم الاعتراض في حال ورود سبب وجيه.

ويُلزم الطرفان بالتشارك على العمل والواجبات المنزلية والنفقة تبعاً لموارد كل منهما بما يحقق المساواة بين الطرفين، كما تبقى للمتزوجين حرية التصرف بالأموال الشخصية وحرية المعتقد وحرية العمل الذي لا يتعارض مع إتمام الواجبات الزوجية الأساسية لكلي الطرفين، ويتساوى الرجل والمرأة في حق طلب الطلاق.

لماذا نحتاج الزواج المدني في مجتمعاتنا؟

المادة 16 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان

1. يحقق الزواج المدني حرية ارتباط رجل وامرأة ناضجين متفقين على تكوين حياة اجتماعية أسرية مشتركة (وهي من أهم مبادئ حقوق الإنسان، المادة 16)، دون وقوع اختلافهما الديني أو الطائفي كعائق أمام زواجهما.

2. يكفل الزواج المدني حرية العقيدة، دون فرض تغيير الدين على أحدهما كشرط لإتمام الزواج.

3. يمنع الزواج المدني تعدد الزوجات، وبالتالي يكفل حق المرأة بالحصول على زواج منصف.

4. يكفل الزواج المدني حرية التصرف بالأموال الشخصية، ويلزم الطرفين بالتشارك بالنفقات المادية كلّ حسب موارده، ما يحد من تسليع المرأة ويخفف من نفقات الزواج والطلاق اللذين لا يعدّان عبئاً على طرف واحد فقط.

5. يكفل الزواج المدني حق الإرث بشكل كامل، على عكس الزواج التقليدي الذي يعتبر الإرث غير شرعي ويمنع الزوج أو الزوجة من حق الإرث في حال كان أحدهما يتبع لدين آخر.

6. يحقق الزواج المدني حداً من انتشار زواج القاصرات السائد في الزواج التقليدي، حيث يعد السن القانون للزواج لكل من الذكر والأنثى هو سن الثامنة عشر عاماً.

7. يتساوى الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، ويكفل الزواج المدني للمرأة حق طلب الطلاق بتساوٍ مع الرجل.

8. تحل الخلافات بين الزوجين بناءً على القواعد المنصوصة في التشريع المدني، ما يكفل حق الزوجين بشكل كامل، دون خضوعه لمراجع دينية معينة.

9. يحل الزواج المدني مشكلة المساكنة في المجتمعات المحافظة – أولئك الذين لم يستطيعوا الزواج بشكل قانون نظراً لاختلافات طوائفهم أو أديانهم – عبر تأمين حق تكوين الأسر بعيداً عن الاختلافات.

10. يحل الزواج المدني مشكلة عدم تسجيل الأطفال في الدوائر الرسمية كونهم أبناء لفردين من علاقة مساكنة أو زوجين بعلاقة زواج مدني متمم خارج الدولة في الدول التي تشرع الزواج المدني – حيث يمنع تسجيل الزواج في حال كان مدنياً ومعقوداً خارج الدولة وبالتالي يمنع تسجيل الأطفال في الدوائر الرسمية.

11. يحد الزواج المدني من مشكلة التمييز القائم على الاختلافات الدينية أو المذهبية أو الطائفية، إضافة إلى مشكلة التمييز بين الجنسين في الحقوق والواجبات، وهذا ما يحقق مجتمعاً علمانياً متكافئاً يتخطى الاختلافات ويضمن الحقوق.

مقال من إعداد

mm

ماري بيل حدّاد

كلية الهندسة المعمارية بجامعة حلب، سوريا.

عدد القراءات: 1٬718