اجتماعيات

الصين تبدأ بتطبيق «نظام الرصيد الاجتماعي» المرعب، والمستوحى من روايات الديستوبيا والخيال العلمي

صورة: Kevin Hong/Wired

يتعلق الأمر هنا بمخطط أقل ما قد يوصف به أنه ”قاتم“ ظلت الحكومة الصينية تخطط له منذ عقد كامل من الزمن، وهو نظام مراقبة واسع جدا ومبني على أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا لم يسبق للعالم أن شهد له مثيلاً، وهو ما دخل حيّز التنفيذ الجزئي بالفعل منذ مدة الآن.

تُعرف شبكة المراقبة الاجتياحية هذه باسم «نظام الرصيد الاجتماعي» في الصين، والذي من المتوقع أن يدخل حيز التنفيذ بشكل كامل بحلول سنة 2020، وهو لا يقتصر فقط على إدارة ومراقبة سكان هذه الأمة البالغ تعدادها الـ1.4 مليار نسمة فقط، بل أنه صمم كذلك للتحكم فيهم وكذا حملهم على الطاعة قسراً، وذلك في تجربة اجتماعية عملاقة أطلق عليها الكثيرون اسم «تلعيب الثقة» The Gamification of Trust.

وذلك لأن هذا المشروع الهائل، الذي أخذ ينمو ويتجمع ببطء منذ عقد من الزمن، يتعلق بجعل رصيد ”ثقة“ لكل فرد ومواطن وشركة في الدولة، ووفقا للحزب الشيوعي الصيني فإن هذا النظام سوف: ”يخول الأشخاص الجديرين بالثقة من التجوال والترحال بحرية تحت سماء البلد، بينما سيصعب على كل من لا يحوز على رصيد كافٍ على سلّم الثقة في أن يخطو خطوة واحدة“.

من أجل تحقيق هذه الغايات، سيتعين على هذا المخطط غير المسبوق أن يسخّر البنى القاعدية التكنولوجية الهائلة التي تحوز عليها الصين، وهي التي تتضمن حوالي مائتي مليون كاميرا مراقبة مثبتة في الشوارع في جميع أنحاء البلد، وهذا وفقاً لتقرير أعده البرنامج الوثائقي الأسترالي Foreign Correspondent.

تتمحور الفكرة الرئيسية في ربط هذه الكاميرات، التي تعد بمثابة أعين رقيبة لا يغمض لها جفن، بأنظمة التعرف على الوجوه، والتي تتداخل في رقابتها مع السجلات المالية والطبية والقضائية للمواطنين، ثم قيام شبكات ذكاء اصطناعي عملاقة بمعالجة وترجمة هذا الكم الهائل من المعلومات المتداخلة.

نظام الرصيد الاجتماعي الصيني

نظام الرصيد الاجتماعي الصيني

تذكرنا هذه الديستوبيا الاجتياحية الخارقة للعادة بالبرنامج التلفزيوني «المرآة السوداء» Black Mirror وبشكل أخص بتلك الحلقة المثيرة للقشعريرة بعنوان Nosedive.

بينما اتضح للكثيرين التشابه بين هذا المخطط الحكومي الصيني ومسلسل الخيال العلمي السابق، فإنه على ما يبدو للحكومة الصينية أهداف أبعد من تلك التي تجرأت مخيلة كاتب السيناريو على الإتيان بها: قال الخبير الاقتصادي (مارتين كورزيمبا) من معهد (بيترسون) للاقتصاد الدولي في تصريح له لصحيفة الـ(نيويورك تايمز) في شهر يوليو الفارط: ”إن هذا على الأرجح هو طريقة جديدة كليا تنتهجها الحكومة من أجل إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية“، وأضاف: ”إن الهدف من ورائها هو تحقيق حكومة خوارزمية“.

بالنسبة لمخطط معقّد بهذا القدر، فإن النقطة الأساسية في فكرة الرصيد الاجتماعي تبقى بسيطة: في برامج تجريبية جرى تفعيلها مسبقا في العديد من المدن الصينية؛ تم منح رصيد رقمي لكل مواطن يقطن فيها، فيرتفع رصيد المواطن ويزدهر عن كل عمل فردي أو اجتماعي إيجابي يقوم به، على شاكلة دفع الفواتير في وقتها المحدد والانخراط في الأعمال والنشاطات الخيرية، والتعامل مع المواد القابلة للتدوير والرسكلة بشكل لائق، والفائدة المرجوة من امتلاكك لرصيد اجتماعي جيد هي أنه يصبح لديك الحق في العديد من المزايا دون غيرك، مثل استخدام وسائل النقل بسعر أرخص، وحتى الانتظار لوقت أقل في طوابير الرعاية الصحية والمستشفيات.

أما في حالة خرقك للقواعد فعليك أن تحذر، حيث يتعرض كل من تأخر في سداد ديونه وما عليه من نفقات، أو قبض عليه وهو يدخن في أماكن غير مسموح التدخين فيها، أو لم يحترم إشارات المرور وقوانينه للعديد من العقوبات التي تضر كثيرا برصيده الاجتماعي، حيث يتعرض رصيد هؤلاء المخالفين للخصم في كل مرة يقومون فيها بالإخلال بقاعدة ما، وهو ما وصفه الكثيرون على أنه «ديكتاتورية رقمية»، مما يعني أنهم قد يعاقبون بالغرامات المالية وحتى يتعرضون لحظر السفر والتجوال.

ذلك ما كان قد حدث بالضبط للصحفي المحقق (ليو هو) الذي قال بأن نظام الرصيد الاجتماعي دمر حياته المهنية بعد أن أدرج اسمه في اللائحة السوداء بسبب اتهامه للحكومة بالفساد، فوصفه النظام الاجتماعي على أنه «غير نزيه» وتم تعليق حقه في استخدام القطارات كوسيلة للنقل، وكذا تم غلق جميع حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي التي يتابعه عليها أكثر من مليوني شخص، مما يجعل من قيامه بعمله ضربا من ضروب المستحيل.

ومثلما أدلى به لدى البرنامج الوثائقي الأسترالي Foreign Correspondent، فإن (هيو) لا يعتقد أن معظم المواطنين الصينيين يعون بشكل جيد الطريقة التي قد تؤثر بها عليهم هذه الأنواع العقابية، حيث يقول: ”بإمكانك أن ترى من خلال الحالة الذهنية للمواطنين الصينيين أن أعينهم مغمضة وآذانهم مسدودة، فهم لا يعلمون عن العالم إلا القليل، ويعيشون في وهم“.

غير أن نظام الرصيد الاجتماعي يهدف إلى أبعد من مجرد ما سبق أيضا…

ليس الأفراد والأشخاص الطبيعيون هم الخاضعون الوحيدون لهذا التلعيب، حيث يستهدف نظام الرصيد الاجتماعي أيضا الشركات التي مقرها الصين، وكذلك كل مجال عمل خارجها، مع كون شركات الخطوط الجوية الدولية قد بدأت فعلا تشعر بالجوانب القمعية لهذا النظام المثير للجدل، الذي يخشى البعض أنه قد ”يؤثر بشكل مباشر في سيادة باقي الأمم“.

أما في الصين، فقد بينت العديد من الاستطلاعات أن بعض المواطنين ”من ذوي الامتياز“ قد بدأوا يعتادون على هذا النظام ويستمتعون بالمزايا التي يمنحهم إياها في برنامجه التجريبي، بكلمات أخرى: ”لقد بدأت اللعبة بالفعل“.

قالت (جويس هو) وكيلة مبيعات تقطن في (شانغهاي) في العام الفارط في تصريح للإذاعة الوطنية الأمريكية العامة: ”يبدو لي أن هذا البرنامج سيساعد على تحسين نوعية المواطنين على المدى البعيد“، واستطردت: ”طالما لا ينتهك هذا النظام خصوصيتي، فأنا لا أعترض عليه“.

المصادر

عدد القراءات: 15٬119