أقصوصة

الإنسلاخ من الذاكرة

mm
إعداد: يوسف جراح

وقف، وبدأ ينفض ثيابه، ويراقبها بدهشة، فما ينبعث منها ليس غُباراً، بل ذكرياتٌ، ذكريات طفولته المقموعة وأحلامه الميِّتة وأول قبلة التي تساقطت قبل كلِّ شيءٍ،

استمر بالنفض، ليرى كمَّ الذكريات التي يكنّها، فهو منذ مدةٍ لم يسترجع أيا منها، تسارعت حركة يديهِ، وبدأ بضرب تلك الثنايا المسكينة بشكلٍ هستيريٍّ، آه كم آلمته ذكرى أمِّه التي طارت بعيداً، راقبها وهي تنسلُّ بعيداً عنه، في خيط الضوء الذي يتسرب من النافذة، أدرك كم هو شخصٌ مقرفٌ، كم هو مليءٌ بالألم وقروح الذكريات.

راح المسكين يبكي، كم هو متألمٌ، استلقى على تلك الأريكة الرثَّة، وفكر، ”ماذا أفعل بنفسي، أأغادر هذا المكان، لربما كانت تلك الذكريات عالقة داخلي لأنني هنا، لربما كانت هذه الجدران هي من تآمرت عليّ لتنتج كماً هائلاً من الألم خرج على شكل الذكرياتٍ، هل لضجيجِ الكونِ أن يتوقفَ، كيف لي أن أقتل ما بداخلي، وكيف لي أن أقتل من قتل ما بداخلي، هل أغتال جميع رؤساء الحكومات في العالم! أم أعود بالزمن لأقتل كلاً من كارل ماركس وآدم سميث!؟ أم أقتل من تملك قطعة الأرض الأولى؟ أم أغتال جميع الآلهة التي مثلت بجثة البشر وانتشت من بعدها راقصةً على أشلائهم!؟“

هذه الأفكار جميعاً لم تكن تعبِّر إلا عن ضعف حيلته، فهو لا يمتلك القدرة على قتل نفسه، أو حتى قتل نملةٍ صغيرةٍ، المشكلة أنه لا يعي ماذا يفعل على وجه الدّقة، فهو منذ الأزل، أزله هو، ما كان ليكون شيئاً.

نهضَ مجدداً عن أريكته وصاحبته الوحيدة، التي لطالما تكلَّما سويةً، ولعنا الوجود، لقد أستمع لها مرة، وهي تتحدث له عن كم معاناتها ومعاناة صديقاتها؛ الأرائك، عندما تملؤهنَّ مؤخرة أحدهم وتضيق عليهنَّ، وكم هنّ محكومات بذوق صاحبهنّ، أو صانعهنَّ، أو حتى كم هنّ ضعيفاتُ الحيلة، حيال طفلٍ صغيرٍ يتغوط عليهنّ، وبعدما فكَّر بحديثها، أدرك تماماً كم أن البشر يتشابهون والأرائك، وعندها سقط على الأرض عمداً، كي لا يضيف مؤخرةً جديدة إلى تاريخ تلك الأريكة.

مقال من إعداد

mm

يوسف جراح

من سوريا، يدرس الفلسفة، مهتم بالفلسفة وعلم النفس والفيزياء الفلكية والتاريخ والمثلوجيا.

عدد القراءات: 1٬366