أقصوصة

رسائل أنّا إلى جين 1957

رسائل أنّا إلى جين

عزيزتي جي..

في الوقت الذي نجلسُ نحن نساء هذه البلاد الغبية، يوجد بلادٌ أخرى أيضاً تعجّ بالحياة، توجد الأسواق التي تعجّ بالناس والأصوات، بائعو التين والزبيب والتفاح والفاكهة، خياطو الملابس والاسكافيون والسرّاجون للأحصنة والتجّار والنحّاسون وبائعات الهوى، النساء اللاتي يركبنَ الحمير والأحصنة ليبعن ما وفّرت لهنّ دجاجاتهنّ في الخم هذا الفجر، والعروس التي وقفت تنتظرُ بائعَ الأقمشة أن يناولها شالاً حريرياً أوصَت أن يتمّ صنعه في الهند خصّيصاً لليلتها المُقمرة، والأطفالُ الذين يركضون في الأزقّة يحملون عصيّ الخشب ليتصارعوا بها على أنّهم فرسان هذا الزمن المسحوق الخائب البارد..

إنّنا نشربُ الشاي وننتظر ساعي البريد صباحاً ليطلقَ جرسَ درّاجته البائسة، علّها تستطيع أن تشمّ إحدانا رائحةَ الأخرى في ورقة..!

هل تسمعين يا جين؟

هل وصلك ما أتكلّم عنه الآن من أشياء؟ هل تسمعين صهيلَ الأحصنة في أذنك الآن أم بعد؟ هل تشمّين رائحةَ البهارات التي تُباع في هذه الأزقّة؟ هل تستطيعين أن ترَي الفتيات يجلسن على جوانب الطرق يدعون الرجالَ إلى مشاطرتهنّ كمّ الجمال الكامن في أجسادهنّ؟ أم ما زال البردُ الذي يسجنُ أرواحَ كلتينا يعششُ داخلك؟ إننا—أنا وأنت—بحاجة لقناديل جديدة تزيّن أعناقنا يا جين، إننا بحاجة لنضيء شغفاً جديداً يحملنا خارجَ هذا الفراغ المحدّق بنا من كل صوب.. إننا بحاجة لألف قنديل جديد يضيء عتمَ صدورنا..

إنني أطمحُ لأن أرى العالمَ الذي يحملني إليه الورقُ كل فترة على الحقيقة، أنا أنسى فضلَ الكتب المكدّسة لديّ بأنها تجعلُني أسافر كل العصور والأزمنة وأتركها كثيراً، وكلّما عدتُ لها أعود بشوق ونهَم كمَن انقطعَ عنه الكلأ والماء أياماً.. علينا أن نعودَ للكتب يا جي، ربما—وبكل صدق أقولها لك—كان تركُنا كتبِنا الورقيّة هو أسوأ ما اقترفنا منذ زمن طويل بحق أنفسنا..

وإنني لأندمُ أنّي أحرم نفسي هذه المتعة والأسفار الدائمة والطيران..

إنني أحسّ يا جي أنني قادرةٌ على أن أدور هذا العالم بلا كلل، قادرة على تحمّل الثقافات على اختلافها، قادرة على أن أكتب لك رسالة من كل بلد يحمل طابعاً بريدياً ملوّناً بألوان زهيّة، لديّ ما يكفي من الجهد أن أحمل من كل مدينة تذكاراً يجعلني أعود إليها يوماً ما، وأكره أن أفكر لمجرد التفكير أنّي سأبقى في مكان واحد طول عمري!

إننا بائسات لدرجة أننا نجمع ما نملك من المال عند مطلع كل أسبوع لشراء كتب تتحدث عن هذه الأماكن، إنّ أرواحنا يسكنها البؤس ويعششُ بها حتى أننا على استعداد أن نبتسم ونلعن أنفسنا في داخلنا بسبب هذه الابتسامة، مع أنّي على يقين أنّ كل شيء بامكانه أن يكون أسوأ لو كنتِ تسكنين مع أمك مثلاً وأنا أسكن وحدي في بلد مثل هذه البلد!

إنّ جذورنا متعفّنة ولن نكون فرحين إلّا إن غيّرناها كلّها، إنني يا جي أكتب عن الوحدة وهذا الحزن العظيم كما لو أنني أتجسّس عليها، أتجنّب أن أقرأ أمامها بصوت عالٍ كي لا تعود وتتفتّق..

وحزني لا يفارقني، يربّت على كتفي بحنوّ كلّما أوشكتُ على الموت، إنه متمسّكٌ بي كما طفلي الصغير الذي لم أنجب بعد..

إنني لا أنوي أن يكون هذا العمر طويلاً، أنا أعلمُ أنّ العمر كلّما طال زاد همُّه وآخر ما أرغبُ به هو أن ينتشر الشيبُ في رأسي كالهشيم.. قرأتُ منذ فترة قصيرة عن طقوس بعض الشعوب، حيث تأخذُ كلُّ فتاة من فتيات البلدة كمّاً عظيماً من الزهور التي تحبّ لتنثره في ماء البحيرة القريبة وتستحمّ به بعد أن تكون الماءُ قد تشبّعت برائحة هذه الزهور، إنّ هذه الطّقوس تتمّ في ظلال الأغاني والمياه يا جين، يوماً ما سأكون من هؤلاء الفتيات أشاركهنّ طقوسهن مرة أولى وأخيرة لو اضطّرني الأمر أن أسافر للناحية الأخرى من العالم..

لكن بعد كل هذا الكلام يوقفني عقلي قائلاً: ما بكِ؟ أنسيتِ أينكِ؟ لمَ كل هذه الكلمات التي على وشك أن تخرجَ الإبتسامةُ من بينها..؟

إنّ عقلي يؤنّبني إن ابتسمتُ أو كنتُ على وشك أن أفرح يا جي.. لهذا يجب أن أتوقّف.

إلى اللقاء

عدد القراءات: 1٬721