اجتماعيات

العلمانية في أوسع معانيها

ما يهم حقاً في موضوع العلمانية ليس جذر الكلمة العربية إن كانت مشتقةً من علم أو عالم، وما يهم حقاً في الميدان التجريبي والواقعي ليس إن كانت العلمانية لا تعترف بالمعرفة الميتافيزيقية أم إن كانت وضعية! [إن لفظ علمانية في اللغة اللاتينية Laicism مشتق من Laity، التي تعني المدني المنفصل عن إكليروس.]

إنّ ما يهم في الميدان السياسي والتطبيقي هو تجليات العلمانية كحالةٍ قانونية أو اجتماعية بغض النظر عن مفهومها، الذي هو بالطبع كحالةٍ مجردة لا يصنع نفسه أو المجتمع، بل إن كل مجتمع ينتج علمانيته الخاصة، أي أن الأفكار لا تصنع الواقع ويكون مفهومها محكوماً بالظروف الاقتصادية والاجتماعية و الضرورات التي أدت إلى نشوء الحالة.

إن العلمانية في أوسع معانيها هي فصل الزمني عن الروحي، وتحقيق استقلاليةٍ للتشريعات والقوانين الناظمة لمجتمعٍ ما عن التشريعات الدينية ”الروحية“، ولربما الخوض في التعريف من أوسع أبوابه يودي بنا إلى هشاشةٍ في بنيان المفهوم.

إن العلمانية كما يحبذ البعض أن يقدمها على أنها معنية بدور الإنسان في العالم، هي معنيةٌ أيضاً بجعل المجتمع (في كليته وليس في حالة الأفراد) زمنياً يلبي الحاجات الموضوعية والمتطلبات الزمنية في قوانينه وتشريعاته الناظمة للعلاقات في المجتمع المعني، إضافة إلى ذلك فإن العلمانية كما يصفها البعض من المفكرين العرب والقوميين وذلك بعد إدراكهم للضرورة الحتمية لها ”هي الضرورة التاريخية من أجل تحقيق الوحدة الاجتماعية ودفع عجلة التنمية الاقتصادية“. وهنا ارتبط تفسيرهم للعلمانية بسيرورة تحديث المجتمعات.

ولكن شعبياً أو حتى بين أوساط المثقفين والسياسيين ارتبط مفهوم العلمانية بالتجربة الأتاتوركية وعلمانية شاه إيران الحديثتين نسبياً، اللتين كانتا علمانيتين دكتاتوريتين قاسيتين، وتلك الحالة تُعرف بالمفهوم السياسي Secularism الذي لا يعني إقصاء الدين فحسب عن التشريعات والقوانين بل إبعاد الدين عن أي دورٍ مؤسساتي من الممكن أن يقوم به [على سبيل المثال منع المدارس الدينية ومنع أي ظهور علني للدين والطقوس الدينية وهنا اقتصر الدين على الشعور الداخلي الجواني للفرد.]

وهاتان الدكتاتوريتان العنيفتان قد أساءتا إلى العلمانية كحالة نظامٍ اجتماعي بالنسبة لمجتمعات الشرق أوسطية المتدينة نسبياً [هنا أصبحت العلمانية وللأسف تعني وجه نقيضاً للدين، أي إلحادية] لأنها ربطت على نحوٍ عضوي تلك التجارب؛ والعلمانية عموماً، بالسمات التي اكتسبتها العلمانية خلال نشوئها في البلدان الغربية، وقد أفقد هذا الربط غير المفهوم الخصوصية للمجتمعات في كل حالة من حالات أو نماذج العلمانية، وحتى بين أواسط العلمانيين أنفسهم نرى من يتكلم عن علمانيةٍ شبيهة بالنموذج الفرنسي أو التركي Secularism ويعممونها على كل نماذج العلمانية، وبذلك يعرّفون العلمانية بالأغراض التي أرادت الحركات العلمانية تحقيقها في الغرب؛ أي محاربة سلطة الإكليروس وإبعاد النزعة الدينية عن الأمور العلمية، وإن أمر رفض العلمانية بات سهلاً بعد ذلك الربط غير المعقول!

وانطلاقاً من هذا الربط والفهم يجد المناهضون للعلمانية أن أمر دحض أو رفض العلمانية بات سهلاً للغاية، لأنه يتعارض مع خصوصية المجتمعات الشرق أوسطية [على حد زعم بعض المنظرين للإسلام السياسي الذين يرون أن في الإسلام لا وجود لسلطة مشابهة لسلطة الإكليروس، ولا وجود لمؤسسةٍ مشابهة للكنيسة تلعب دور الوسيط بين المؤمن والإله، ولا تتحكم في شؤون الدولة ومقدراتها، ولذلك لا حاجة للعلمانية التي تكون في نظرهم فقط لمحاربة سلطة الإكليروس أو ما شابه.]

ويكونون بذلك قد أهملوا أهم العوامل التاريخية والاقتصادية وينظرون نظرة كليةً وشمولية على كل المجتمعات وكل العلمانيات، وقد أهملوا أيضاً الطابع الكلياني الذي تصنعه الدولة الدينية حتى لو لم يوجد فيها سلطة مشابهة لسلطة الإكليروس [على سبيل المثال، تصبح الانتخابات والواجبات الوطنية ملزمة شرعياً، ولا يعود هناك حيز شعور وطني.]

هذا المقال عبارة عن مقال رأي، ويعبر عن الكاتب.

عدد القراءات: 3٬077