أقصوصة

ذِكرى

تصادف أن سمع عبارة أتت إليه من جهاز الراديو، في نفس الوقت الذي كان يقرأ فيه نفس العبارة، في كتاب قديم أمسكه بكلتا يديه وانغمس في أمره منذ أكثر من ساعة. لم تكن المرة الأولى، فتلك المصادفات الغريبة كانت من شئونٍ أشعلت حماسه منذ الصغر في البحث عن معناها، مصدرها ومآبها.

عرف كنتيجة لكبر سنة وفضوله، أنه ليس وحيداً في ذلك، ليس بمصطفىً وليس ممن مَنَّتْ عليهم الطبيعة بقدراتٍ خارقة. إلا أنه كان قد توقف تماما عن القراءة؛ محدقا مشدوها بالعبارة لدقائق عدة، قبل أن يعيدها على سمعه صوتٌ مخملي من المذياع، لأنها كانت آخر ما يذكره من حلم ليلته الفائتة.

تلك هي المرة الأولى على الإطلاق التي يحلم فيها بحديث ثم يجده في سطور كتابه، ويسمعه ملفوظاً منطوقاً، ربما بنفس اللهجة والانفعال، من ذلك الصوت المجهول المنبعث من مذياعه.

ألقى بكتابه جانبا، وانتفض قائما يحتضن رأسه بكفيه، ليبدأ في التجول جيئة وذهابا بطول وعرض حجرته المزدحمة بأثاثِ كهلٍ وحيد. أَفِلَ صوتُ المذياع في خلده، وبدأت صور حلمه تتراءى لمخيلته مهرولة مهترئة. لا يبدو منها خيالٌ حتى تطويه غشاوة، ولا يسمع منه حواراً حتى تخرسه إرادةٌ عُليا، غير قادر على لَمِّ شمل أطراف ذاكرته أو استنباط معنى.

هرول إلى دفترٍ وانتشل قَلَمًا ثم عاد لأريكته يرسم خطوطاً ووجوهاً، يكتب أسماءً وكلماتٍ، يمر بقلمه في حلقات تتسع ثم تضيق، يتسارع نبضه وترتجف ساقه، تمر على مجلسه الساعات دون أن يَكِلَّ أو ينقطع عما خاض فيه.

رنين الهاتف لا يتوقف، وكذلك جرس مسكنه، ولا يبدو أن في نيته أن يخرج مما هو فيه أو أن يمنح لشيء اهتمامه. امتلأت صفحة دفتره بالرموز والكلمات والخطوط والدوائر والارقام بحيث لا تتسع لمزيد، فألقى بقلمه أرضا بيده اليمنى، وبدفتره بيده اليسرى، هاتفا:

يا الله، من تكون تلك المرأة ذات القميص الرمادي؟ أين كنا؟ كيف أنني أجزم أنني أحببتها ولم أرها في حياتي؟ ولمَ تلك العبارة الغريبة التي أحاطتني من جهات ثلاث: ”ظلال في كهوف“؟

ألقى برأسه على مسند اريكته، أغمض عينيه واستسلم لنوم كأنه مرغم عليه، ليبدأ من جديد، حلمٌ جديد، تتوالى فيه أحداث متناثرة، لا منطق فيها ولا رباط، إلا أن عقله يتقبلها دون اعتراض.

يمر بأخت ليست أخته، ذات عين بيضاء من زجاج تود اللحاق بزوجها الميت، وهناك ابنته الصغرى تحتسي خمرا بشراهة، تنظر إليه بابتسامة ظافرة. وفتاة الاستعراض تناوله قميصه الرمادي ترجوه أن ينصرف قبل هطول المطر، وهو ينظر الى طريق العودة الذي تحول الى أطلال طرق قديمة وتحت قدميه درجات سلم أبيض منهار، يحدث نفسه كأنه ينشد بأسى كلمات حفظها في شبابه: ”كظلٍ أعيشُ، وتبتعد عني ظلالٌ في كهوف.“

عدد القراءات: 1٬111