أقصوصة

ليلة مع ابن حرام

الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، ولا أستطيع النوم. أفكر بكل شيء، وأحاول أن أعد الأغنام البيضاء من الواحد إلى المائة ثم أعاود العد تنازلياً؛ أحاول أن أغير نهج نومي فأتقلب من ناحية إلى أخرى، أفكر بكل أنواع الأفكار الإيجابية لكن بلا فائدة.

جلست على سريري يائساً وأصبحت أفكر بأصدقائي وقصصهم، تذكرت رائد وقصته مع الفتاة الهاربة التي وجدها في أحد شوارع القاهرة، كان لطيفاً جداً معها وقال ”لتأتي وتقضي الليلة في منزلي“، نظرت إليه متفاجئة ورفضت؛ لكنّه أصّر: ”كيف لكِ أن تبقي هنا وحدكِ في شارع مخيف؟ قد يأتي أولاد الحرام ويقومون بأشياء حرام“. فكرّت تلك المسكينة قليلاً، ثم قررت الذهاب معه إلى المنزل خوفاً من أولاد الحرام.

لا أعرف لماذا أفكر بتلك الفكرة كثيراً، ولماذا باغتتني الآن في هذا الوقت من الليل الذي أحاول فيه جاهداً أن أنام، لماذا كان رائد بهذا الكرم؟ لعلّه تغير!؟ أو لعلّها جميلة؟! أو لعلّ ذلك كله محض قدر؟

عندما وصلا إلى البيت، جلسا ليشاهدا التلفاز. تحدّثا قليلاً عن الطقس الحار في القاهرة، وفكّر رائد قليلاً ثم طلب منها أن تتخلص من ملابسها، قائلاً: ”الدنيا حر!“ كانت الفتاة الهاربة مرتبكة، ومتفاجئة، ومحتارة أيضاً. وترددّت قليلاً إلى أن قام بإقناعها وقال لها بأن الطقس الحار قد يقتلها. المسكينة تخلصت من ثيابها وجلست بما تبقى من عُري على الكرسي.

ذاك الشاب، كان ذكياً فعلاً؛ لكن عفواً، أي ذكاء هذا؟ كل ما قام به هو أنه طلب وصاحَبَ طلبه بحجة غبية، فإن صدقته فهي أغبى منه بقليل. متى سيأتي النوم؟ أشعر بأنني سأكمل قصة رائد البلهاء وأنا فوق سريري أجلس القرفصاء ولا أعرف متى سيأتي النوم.

أقترب منها قليلاً، وبدأ يلمس جسدها؛ ترددت المسكينة ولم تعرف بماذا ترد على مضيفها الذي أنقذها من أولاد الحرام. لكن تلك كانت ليلة وصفها رائد بأنها أمريكية، نعم فهي أمريكية بامتياز. فلماذا كل هذه الضجة التي يثيرها المجتمع بسبب ما حدث بينه وبين الفتاة التي أنقذها؟ كانت ليلة حُب تحدث دائماً في شوارع نيويورك ”ون نايت ستاند“.

لكن الظروف مختلفة بعض الشيء، فتلك هاربة بينما الفتاة الأمريكية لا تهرب، وممن تهرب؟ أشعر أحياناً بأن الفتيات والشباب في وطننا هاربون دائماً، من حضن العائلة ومن حضن الدولة، الكل يمارس ضدهم العصا لمن عصى.

ما فائدة هذه القصة الآن؟ فهي لن تجعلني أنام، وهو هدفي الأسمى الآن، أريد أن أنام لأستيقظ في الصباح وأمارس روتيني اليومي. كأننا ننام لنستيقظ ونستيقظ لننام.

ذهبت لأشرب كوباً من الماء وأعاود مهمتي في النوم، لكنني تعثرت في الطريق بقطعة حلوى كانت منسية فوق الطاولة، لا أعرف من نسيها، ربما أنا من نسيتها ونسيت. أكلتها طبعاً رغم خوفي من السمنة، والسكر، والأرق ايضاً.

عدت إلى سريري ولم تتحرك الساعة، إنها الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، رغم أنني قضيت وقتاً طويلاً في التفكير والتقلب من ناحية لأخرى. تذكرت الفواتير التي يجب عليّ دفعها، والديون التي عليّ ولم يسقطها أهلها. هل تلك حياة؟ أتساءل وأنا فوق سريري في ساعة من الوقت لا تتحرك، لماذا أعيش حياتي بذلك الكم من اللا شيء واللا جدوى؟

أنا مجرد شاب يحاول أن يبقى على قيد الحياة وعلى قيد الكرامة، لكن ابتلاني الله بكل أنواع العجز المادي، لدرجة إنني أرى أن الحياة لن تصبح حياة سوى بالمال. ولأنني أعيش في مدينة ابتلاها الله بكثرة السكان، أعتبر نفسي عدداً لا غير، أضافوني لتعداد النسمة السكانية، ولربما أسقط سهوا في أي لحظة.

فعلاً، فلو قررت أن أجد عملاً أفضل من وظيفتي في مكتب قديم بلا تكييف، فمن أين لي هذا العمل؟ وكيف لي أن أطلب عملاً؟ أحاول نسيان هذا الهم الثانوي الآن، لأن همي الكبير هو أن أنام. فبدلاً من أن أسأل من أين لي عمل، من الأفضل أن أسأل من أين لي نوم!

عدد القراءات: 15٬608