in

هل يجب علينا حقا أن نبقى مهووسين حيال وتيرة علاقاتنا الحميمية ومدى ركودها

لا يجب علينا أن ننظر إلى التغيرات في الحياة الحميمية على أنها ظاهرة واحدة منفصلة مع مسبب وحيد كذلك.

زوجان يتصفحان هواتفهما النقالة جالسين على الأريكة

قامت (كايت جوليان)، رئيسة التحرير لدى مجلة (ذي أتلانتيك)، في مقالة لها في شهر ديسمبر الفارط بدق ناقوس الخطر، من كون جيل الألفية في أمريكا بشكل أخص أصبح يمارس العلاقات الحميمية بشكل أقل من الجيلين اللذين سبقاه، وأطلقت على هذا الانخفاض بين معشر هؤلاء مصطلح ”الركود“. حيث تبرز مقالة (جوليان)، التي اقتبست فيها من دراسة أجراها (جون توينج) بروفيسور علم النفس في جامعة (سان دييغو) الحكومية في سنة 2017، أدلة من «استبيان اجتماعي عام» في سنة 2016، الذي أجري من طرف جامعة (شيكاغو).

كما أن جيل الألفية ليس الفئة الوحيدة التي تواجه هذا الانخفاض، حيث أنه من أواخر تسعينات القرن الماضي إلى سنة 2014؛ اكتشف أن الممارسة الحميمية بالنسبة لجميع البالغين قد انخفضت من 62 مرة في السنة إلى 54 في المتوسط، وأظهر البحث أن الانخفاض في وتيرة المعاشرة يتركز بشكل أساسي بين معشر الأزواج البيض في متوسط العمر.

كانت نبرة (جوليان) في مقالها تنذر بأمر جلل —موردة ضمنه وفرة من النظريات لتشرح سبب الانخفاض، من الهواتف الذكية إلى انعدام الاستقرار الاقتصادي إلى موقع (تيندر)—، كما أن أخبار ”الركود“ كما سمته تسببت في ردود أفعال كبيرة عبر مختلف ثنايا الإنترنيت، ناهيك عن وفرة التعليقات التي حصدتها مقالتها.

لا عجب في كون الموضوع ذا شعبية كبيرة، حيث أن الجميع يرغب في معرفة ما إن كانت وتيرة ممارسته للمعاشرة طبيعية، يقول (دان كارلسون)، بروفيسور مساعد في قسم الدراسات العائلية والمستهلك في جامعة (يوتاه): ”يكون للناس ردود أفعال قوية تجاه هذا [الموضوع] لأنه شخصي جدا“، وأضاف: ”في الولايات المتحدة الأمريكية، نحن لا نتحدث حياله كثيراً“.

غير أن الخوف من ”الركود“ ليس في محله هنا، حيث أن مجرد انخفاض في وتيرة المعاشرة بين الأزواج من 62 إلى 54 مرة في السنة يعني أن متوسط الأشخاص البالغين مازالوا يحظون بمعاشرة لأكثر من مرة واحدة خلال الأسبوع. تقترح الأبحاث الحالية أن المعاشرة لأكثر من مرة أسبوعياً ليس لها أي تأثير إيجابي على العلاقة أو الرضا الذي يسود العلاقة، بينما في المقابل قد تعمل المعاشرة لأقل من مرة أسبوعياً على خفض الشعور بالرضا، فالكثير من المعاشرة لا تعني بالضرورة شعورا أكبر بالرضا ضمن العلاقة التي تربطهما.

وفقاً لـ(كارلسون) فإن: ”مقدار المعاشرة التي يحظى بها الزوجان في العلاقة يعتبر عامل توقع ضعيف لمدى رضاهما بالحياة الحميمية التي يحظيان بها“، بكلمات أخرى، ليس فقط مفهوم النوعية والكمية متمايزان هنا، بل أنه توجد هناك علاقة ضعيفة تربط بينهما.

تعترف (جوليان) بأن كناية ”الركود“ ليست مثالية في هذا الموضوع، فهي تقول: ”معظم الناس في حاجة لوظائف، وهذا بعيد كل البعد عن مشكلة العلاقات والحميمية“، غير أن الجنس يبقى عاملا جوهريا ومهما يؤشر بمدى صحية أية علاقة، وهو ما يؤيده البحث العلمي المجرى مؤخرا.

في سنة 2017 اكتشفت عالمة النفس (آنيك ديبروت) وزملاؤها بأن: ”النشاط الحميمي يعزز شعور المحبة، والذي يعزز بدوره صحة الفرد“،
والمشكلة الحقيقية فيما يتعلق بهذا الجدل هي أنه من الخاطئ أن نخلط بين وتيرة المعاشرة مع الرضا بالعلاقة.

إن وصف الانخفاض في وتيرة المعاشرة على أنه ”ركود جنسي“ يملي بأن الكثير من المعاشرة هو دائما أفضل، غير أن كل معاشرة ليست مثل التي قبلها، وليست بنفس قيمتها.

شخصان يتبادلان القبل في محطة القطار

إذا ما شعرنا حقا بالقلق تجاه انخفاض وتيرة ممارستنا للمعاشرة واعتقدنا أنه قد يكون لهذا تأثير سلبي على علاقاتنا، فبإمكاننا أن نرجع إلى معدلات الزواج والطلاق لنرى كيف أثر عليها الأمر، غير أننا بقيامنا لهذا سنكتشف بأن معدلات الطلاق كانت في انخفاض بوتيرة ثابتة، حيث يظهر بحث أجراه بروفيسور علم الاجتماع (فيليب كوهن) في جامعة (ماريلاند) بأن معدلات الطلاق انخفضت بـ18 بالمائة من سنة 2008 إلى سنة 2016.

باعتبار كل هذه المشكلات المحتملة مع البحث الجاري، وقلة الأبحاث المتعلقة بوتيرة المعاشرة الزوجية والرضا بصفة عامة، يجب علينا أن ننظر في أبحاث عدة باحثين وعلماء في علم النفس والمشاكل التي تتخلل الشؤون الأسرية.

يزيدنا فهما حول هذا الموضوع الرجوع إلى الوراء قليلا في التاريخ والدراسات السابقة حول الموضوع، وهنا يأتي دور (ستيفاني كونتز)، مديرة الأبحاث والتعليم العام في المجموعة غير الربحية «مجلس الأسر المعاصرة»، التي تقول بأنها تؤمن بأن: ”جوهر المشكلة هو في تضخيمها من الأساس“، ذلك أن الأمر لا يقف على المبالغة فقط، بل حتى أن الكثير المعاشرة قد تمثل مشكلة في بعض النواحي.

بناء على بيانات إحصاء السكان الديمغرافية، تقول (كونتز): ”كانت الزيجات التي عقدت في تسعينات القرن الماضي ولاحقاً أكثر احتمالا لأن تصل لعتبة الخمسة عشر سنة بدون طلاق، وهذا أبعد مما وصلته الزيجات التي عقدت في سبعينات وثمانينات ذات القرن، حيث كان الأزواج يحظون بالكثير من العلاقات الحميمية“، ويؤكد على هذه الاكتشافات باحثون من منظمة American Bar Association في سنة 2007.

يظهر بحث (توينج) أن المولودين في ثلاثينات القرن الماضي —الذين يطلق عليهم اسم ”الجيل الصامت“— كانوا يحظون بأكثر قدر من العلاقات الحميمية، أما مولودو التسعينات الماضية، فاتضح أن معاشرتهم كانت بوتيرة أقل من الأجيال التي سبقتهم، وعلى الرغم من ذلك فإن معدل وتيرة المعاشرة بين هؤلاء يبقى في المدى الصحي للعلاقات، ناهيك عن كونهم أفادوا بأن نوعية العلاقات الحميمية الذي يحظون بها كانت مرضية جدا، وهو ما يرجح الكفة لصالح النوعية بدلا عن الكمية.

تشرح (كونتز) هذا الأمر في قولها: ”من خلال القصص الشفوية التي سردتها علي النساء المتزوجات في الخمسينات والستينات الماضية؛ كان من الواضح حقا أنهن كن يمنحن الكثير من الحميمية، أكثر مما يتلقينه [كان يتم إرغامهن على المعاشرة]“. فضلا عن هذا، عندما ينخرط زوجان في علاقة عنيفة، فإن وتيرة العلاقات الحميمية بينهما ترتفع.

بينما ارتبط الكثير من ”الركود“ بالأشخاص اليافعين، فإن ما نقوم به فعلا لا يسرد القصة كلها. مرة أخرى، ما يظهره بحث (توينج) هو أن الانخفاض في وتيرة المعاشرة كان أكثر بين الأزواج البيض في متوسط العمر.

ما الذي يحدث هنا إذن؟

بما أن السن يعتبر عاملا أساسيا في وتيرة المعاشرة الذي يحظى بها الشخص، فإن ارتفاع سن الزواج يعتبر متغيرا على نفس القدر من الأهمية، وقد اكتشف الباحثون أن معدل الأزواج المتزوجين أصبحوا ينفقون المزيد من الوقت مع أبنائهم، مما قد يعني وقتا أقل مع بعضهم البعض، لكن إذا ما رغبنا حقا في فهم خبايا ”الركود“ يجب أن نكون على فهم مفصل وكامل عما يحدث بالفعل.

صحيح أن الأزواج اليافعين أصبحوا ينتظرون طويلا حتى يمارسوا العلاقات الجنسية ثم الزواج لاحقاً، غير أن هذا لا يعتبر كافيا لشرح سبب هذا الانخفاض في وتيرة المعاشرة، خاصة بما أن الانخفاض كان بشكل كبير بين الأزواج المتزوجين أو الأزواج الذين يعيشون مع بعضهم البعض.

تم دحض عدة نظريات ذات طابع اجتماعي محافظ، على شاكلة النظريات التي تربط الانخفاض في وتيرة المعاشرة بارتفاع عدد النساء العاملات، أو لأن الأزواج بصفة عامة صاروا يعملون لساعات كثيرة، في الواقع، إن العكس هنا صحيح تماماً، حيث اتضح أن الأزواج المشغولين جدا كانوا يحظون بمعاشرة أكثر.

زوجان يتصفحان هواتفهما النقالة جالسين على الأريكة

نظرية أخرى على علاقة بالإباحية، التي بينما قد تمثل أحيانا بعض المشاكل بالنسبة للعلاقات الحديثة من خلال جعل الأزواج يكونون توقعات غير واقعية، ومن خلال التأثير سلبا على الحميمية، وفي بعض الحالات الخطيرة، تقود حتى إلى الخيانة، فإن الباحثين لم يجدوا أي رابط بين الإباحية وانخفاض وتيرة المعاشرة بين الأزواج.

هنالك تفاسير محتملة أخرى، على غرار انعدام الأمان الاقتصادي، أو زيادة التقبل الاجتماعي لواقع أن للمرأة الحق في التحكم في حياتها الحميمية، غير أن الواقع يفيد بأن أيا من هذه الأسباب ليس كافيا لوحده لتفسير ما اكتشفته هذه الدراسات، مثلما تقوله (كونتز)، التي تعتقد بأن: ”مصطلح ’الركود‘ هنا مبالغ فيه ومضلل ولا ينطبق على مجموعة معقدة من عوامل مختلفة أخرى، قد ينظر إليها بسهولة على أنها إعادة توازن أكثر منها انسحاب وركود، لكن فوق كل شيء لا يجب التعامل معها على أنه ظاهرة منفردة مع سبب وحيد“.

كان (كارلسون) يجري الأبحاث على العوامل التي تتحكم بالرضا الجنسي، واكتشف أن العامل الأساسي من بينها هو المساواة الجندرية، حيث أن الأدوار الجندرية التقليدية —التي تمنح دور القيادة للرجل— قد تقود للمزيد من المعاشرة، غير أنها قد لا تؤدي إلى الرضا بالضرورة، بكلمات أخرى: يحظى الأزواج الذين يتمتعون بالمساواة الجندرية بالرضا في علاقاتهم الحميمية أكثر من غيرهم من الأزواج ذوي الأدوار الجندرية التقليدية. وأشار (كارلسون) كذلك إلى أن الأزواج المعاصرين الذين يتبنون مقاربة مساواة الأدوار الجندرية في المهام المنزلية ويتشاركونها كانوا يتمتعون برضا أفضل كذلك. فضلا عما سبق، يقول (كارلسون) بأن أبحاثه تظهر وجود استقرار نسبي فيما يتعلق بالرضا، وهذا يعني: ”أن الناس أصبحوا راضين بشكل جيد عن حياتهم الحميمية بصفة عامة“ على حد تعبيره.

عندما يتعلق الأمر بما دعي بـ”الركود“، فإن الكلمات تصبح بلا معنى، كما أنه من المحتمل حتى أن هذا قد يكون خبراً جيدا بالنسبة للزيجات والعلاقات، فما تم وسمه على أنه ”ركود“ قد يكون في الواقع أشبه بحمية حميمية صحية، التي يقوم فيها الأزواج بالتخلص من المكونات المضرة ويبقون سوى على المغذيات الجيدة منها.

وفقا لـ(كونتز): ”يعكس الانخفاض في الوتيرة الحميمية ربما قدرة النساء المتزايدة على الإجابة بالرفض، وزيادة اعتبار الرجال لهن“، دعونا لا ننسى حركة #MeToo وما علمتنا إياه: تقريبا تعيش النساء حول العالم كله علاقات لا يرغبن فيها، وحتى بعض الرجال كذلك.

في الأخير، يمكننا القول بأنه لا يوجد مقدار ”طبيعي“ من المعاشرة، كما أن القلق حول المقدار الذي تحظى به —مما يزيد من التوتر والقلق ويخفض الثقة في النفس ويؤثر سلبا على التواصل الصحي بين الأزواج— ليس جيدا بالنسبة للحياة الجنسية أيضاً.

فيما يتعلق بالنشاطات الجنسية، فإن كل فرد وكل زوجين يختلفان عن البقية، بما في ذلك الأشخاص الذين يحددون هويتهم على أنهم لاجنسيون، كما أن الجنس ليس قيمة واحدة قابلة للقياس يمكن التعامل معها مثلما نتعامل مع ضغط الدم، أو مستويات السكر في الدم على سبيل المثال، وهذا على حد تعبير (كونتز).

جاري التحميل…

0