تقترن بعض الأحداث الدينية والعقائدية بتغيرات الطقس والمناخ، أو ترتبط بتواريخ معينة تحمل مدلولات تتوافق مع غاية ذلك الحدث، الذي لربما يكون عيداً أو احتفالاً أو ذكرى. يمكن احتساب ليلة يلدا أحد أهم الأحداث شرق أوسطية التي لها أبعاد عقائدية كثيرة مترابطة بفلسفات دينية مثرائية ومسيحية مشرقية، وحتى بالفلسفات القومية الهندوفارسية ومنها الكُردية والاذرية وغيرهما.

تتشارك ليلة يلدا في كل جانب من جوانبها مع احدى العقائد الدينية والاثنية، فمثلاً كلمة ”يلدا“ هي كلمة سريانية معناها الميلاد أو عيد الميلاد، وفي الكنائس المسيحية القومية المشرقية (كلدانية، سريانية، اشورية) فكلمة يلدا تدل بشكل مباشر على ميلاد السيد المسيح، حتى أن المسيحيين المشرقيين الناطقين بالسريانية يقولون ”يلدوخون بريخا“ أي ميلاد مبارك، أو ”ايذا دبيلدا بريخا“ اي عيد ميلاد سعيد، وهي تهنئة باعياد الميلاد مرادفة لكلمة (Merry Xmas).

ليلة يلدا

ليلة يلدا

كما ان اسم يلدا منتشر بين الذكور خصوصاً في منطقة سهل نينوى (مركز الكلدان/السريان/الاشوريون في العراق). وهناك ربط آخر بليلة يلدا وليلة ميلاد السيد المسيح وهي رؤية النجمة من قبل المنجمين المجوس، والمجوس هي التسمية العربية للزرادشتيين (وهي تسمية غير محببة للزرادشتيين)، فبحسب القصة الانجيلية هي انطلاق ثلاثة حكماء من المجوس لزيارة النجمة الظاهرة كعلامة مجيء المخلص الآتي من الرب، واحضروا الهدايا للمولود في بيت لحم، الذهب واللبان والمُر.

بالنسبة للديانات الميثرائية فهي الليلة الأطول في الشتاء والتي تقع في يوم 21 كانون الأول/ديسمبر، والديانات الحالية ذات الخلفية الميثرائية هي الزرادشتية والايزيدية واليارسانية، وهي ذات جذور عقائدية متقاربة وموقع جغرافي هندوفارسي، لكن الديانة الزرادشتية هي التي تتبنى هذا العيد رسمياً وتحاول الاحتفال به كل سنة بين اتباعها، بل تعتبره جزءاً أساسياً من تاريخها العقائدي الممتد من الميثرائية، ويعتقد أن أصل العيد هو الاحتفال بمولد الشمس والذي تحول ليوم ميلاد الإله ميثرا، وكل تلك الميثولوجيا الدينية مترابطة، حيث ترتبط الشمس بـ”ميثرا“ وميثرا يرتبط بـ”اهورامزدا“، والاخير مرتبط بزرادشت  النبي الموحد المؤسس للديانة الزرادشتية.

وتلك الليلة ترتبط أيضاً بالفلسفات الاثنية القومية للشعوب الهندوفارسية كالكُرد والفرس والاذريين و الطاجيك وغيرهم، فحتى المسلمون واتباع الديانات الاخرى منهم يستذكرون تلك الليلة التراثية الجميلة لانها تمثل أحد الاجزاء الاساسية من هويتهم، ويطلق عليها في ايران اسم ”شب چله“ أو ”شب يلدا“، ويتم خلالها نصب مائدة تحتوي على مأكولات محددة مثل المكسرات بأنواعها والفواكه المجففة بأنواعها والبطيخ الأحمر وفواكه أخرى، كما يعد الرمان جزءاً أساسياً ومكون رئيسي لمائدة ليلة يلدا، وقد تحتوي المائدة على أصناف أخرى حسب رغبة صاحبها أو حسب مكان الاحتفال، كذلك لا تخلو المائدة من الشموع.

مائدة ليلة يلدا

مائدة ليلة يلدا

في الاحتفال الزرادشتي بليلة يلدا، يقوم الزراشتيون بالغناء التراثي والأشعار الدينية، يرافقها قرع الدفوف الدائرية الاسطوانية مع نصب تلك المائدة في المنتصف، ويتم كذلك الاحتفاء بكل شخص اسمه زرادشت أو كاكي أو يلدا أو ماني أو يسنا، وأسامي أخرى لها العلاقة بتلك المناسبة، وتلك الليلة لها عبارة تهنئة خاصة حيث يقال يلدا مبارك أو Happy Yalda Night، والجدير ذكره أن أول احتفال رسمي بهذه الليلة من قبل الزرادشتيين كان في اربيل في مقر وزارة الثقافة في حكومة اقليم كُردستان – العراق بتاريخ 21/12/2015.

مقال من إعداد

ريميل صومو