in

أسوأ الأفكار والمعتقدات التي خلقها ورسخها الدين في العالم عبر الزمن

”الله فضلنا على العالمين“، هذا المفهوم وغيره لطالما عزز الصراع والقسوة والمعاناة بين الناس بدلاً من الحب والسلام.

بعض الابتكارات التكنولوجية التي أنتجتها البشرية هي أشياء كان من الأفضل لو أننا لم نخترعها، كأدوات التعذيب والقنبلة الذرية وغيرها عدة. تميل الأديان إلى ابتكار أفكار أو مفاهيم بدلاً من التقنيات، ولكن مثل أي مؤسسة إبداعية أخرى، فإنها تنتج بعض الأفكار السيئة حقًا، ولو كانت في ظاهرها عادية.

قد يجادل البعض بوجود مفاهيم إنسانية وأخلاقية وروحية وجوهر مشترك في الأديان، لكن هذا موضوع منفصل بحاجة لتدقيق عميق ومناقشة موسعة، على النقيض من ذلك هنالك بعض من أسوأ الأفكار والمعتقدات التي عرفتها البشرية ورافقت الأديان على اختلافاتها، حيث إن هذه المفاهيم الاثني عشر الجدلية تعزز الخلاف والكراهية والنزاع والفهم الخاطئ للحياة والآخر، بدلا من التقبل والحب والتعايش والشعور بروعة الحياة، ولحسن الحظ بات قسم كبير من البشر مدركًا لخطر وفداحة هذه الأفكار التي أثرت وما زالت على البشرية جمعاء:

المختارون

يفتخر اليهود دائماً بأنهم شعب الله المختار. لكنهم ليسوا الوحيدين. صورة: Wikimedia Commons
يفتخر اليهود دائماً بأنهم شعب الله المختار. لكنهم ليسوا الوحيدين. صورة: Wikimedia Commons

يعود مصطلح «الشعب المختار» إلى الكتاب المقدس العبري، والفكرة الشنيعة التي مفادها أن الله قد أعطى بعض القبائل المعينة أرضًا محددة موعودة (على الرغم من احتلالها من قِبل أشخاص آخرين)، واختارهم المفضلين له عن بقية البشر. ولكن بالطبع وفي الواقع معظم إن لم يكن كل الطوائف والأديان تتبنى نسخة مشابهة بشكل أو بآخر من هذا المفهوم.

أما العهد الجديد يحدد المسيحيين بأنهم هم المختارون، ويقول الكالفينيون (مذهب مسيحي بروتستانتي) أن ”الله اصطفاهم“، معتقدين أنهم القلة القليلة التي جرى اختيارهم قبل بداية الزمان، وهي تقريبًا ذات النظرة لمعظم الطوائف الإسلامية خاصة الباطنية منها، كما يدلل الإسلام كدين على أحقيته على باقي الأديان بالقول: ”إن الدين عند الله الإسلام“.

يعتقد شهود يهوه أن 144000 هم فقط لهم مكان خاص في الحياة الآخرة، ربما يعود أصل الفكرة للعديد من الثقافات والديانات السابقة، عندما كان يُعتقد أن سلالات دموية مميزة وقوية تنحدر مباشرة من الآلهة على عكس كل باقي الناس.

الطوائف الدينية بطبيعتها قبلية عشائرية قائمة على القسمة والاختلاف، تتنافس فيما بينها من خلال تقديم ادعاءات امتلاك الحقيقة الحقّة والحصرية ومن خلال الوعود بالنعم أو الثواب أو المكافآت في الآخرة، والتي لا تستطيع الطائفة المتنافسة تقديمها. كما يتبع بعض منها ”رموز الطوائف“ الخاصة مثل حلاقة الشعر بطريقة معينة أو ارتداء ملابس وإشارات يد خاصة، أو اتباع مصطلحات وعبارات متفق عليها تميزهم عن الغرباء، يؤدي اتباع هذه الرموز بمهارة (أو عدم مهارة) إلى إظهار بأن العارفين بها متفوقون بطبيعتهم عن باقي الناس، وبهذا تكون جميع الطوائف متفوقة على جميع الطوائف.

الزندقة – الهرطقة – الكفر

لوحة تصور جان دارك
تصوير للشهيدة (جان دارك) بعدما حُوكمت بالهرطقت وأعدمت حرقاً. صورة: Photos.com/Jupiterimages

أكثر ما استخدمت هذه المصطلحات استخدمت في الإسلام والمسيحية ليس للدلالة على الغرباء والمختلفين عنهم في الإيمان، بل للإشارة أنه هؤلاء مشتبه بهم أخلاقياً وغالبًا ما ينظر إليهم على أنهم أقل من إنسان كامل. في التوراة لا يستحق العبيد المأخوذون من «الغرباء» الحماية ذاتها التي يتمتع بها عبيد العبريون. فأولئك الذين لا يؤمنون بالله فاسدون في نظرهم ويقومون بأفعال شنيعة. يقول المزمور: ”لا أحد منهم يعمل خيرًا“. في حين أن كل مؤمن اليوم يمكنه أن يرى كيف أن هؤلاء ”الكفار“ سواء يدينون بديانة غير سماوية أو غير مؤمنين على الإطلاق لا سبب يمنعهم عن فعل الخير وتطوير بلادهم وتقبل البشر الأخرين على اختلافاتهم إضافة لعنايتهم بباقي الكائنات والبيئة أكثر من سواهم.

في الإسلام، مفهوم الكافر يشمل حتى ”أهل الكتاب“ (أي اليهود والمسيحيين) ويوفر قواعد خاصة للتعامل مع الأقليات كالجزية مثلًا، مع حصول الموحدين على معاملة أفضل من ”المشركين“، مع وجود أكثر من 20 آية قرآنية تحرض على إقامة الحد على غير المسلم أو اخضاعه، والمسيحية بدورها تدمج مفاهيم الكافر والشرير معًا دون تمييز.

في نهاية المطاف، وخاصة عند الأديان الإبراهيمية، يشكل الزنادقة تهديدًا يجب تحييده عن طريق تغيير دينهم أو غزوا بلادهم أو العزلة أو الهيمنة، أو سلب حياتهم في أسوأ الحالات، ويظهر ذلك جليًا حالما يتسلم الدين زمام السلطة ويصبح هو المسيطر على البلاد أو الشعوب.

الحروب المقدسة أو الجهاد

الحرب المقدسة أو الجهاد، بمسمياتها المختلفة، هي نتاج الفكر الديني.

إذا كانت الحرب مقدسةً فكل شيء مباح، سواء من الغزوات الإسلامية إلى الحروب الصليبية وحملات الإبادة التي قامت بها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في العصور الوسطى واستمرت عشرين عامًا ضد مسيحيي الكاثار التي اعتبرتهم مهرطقين في جنوب فرنسا، فوعدوا المسيحيين الحقيقيين بأرضهم وممتلكاتهم وبذلك حوّلوا لجنود صليبيين، ناهيك عن ذبح المسلمين السنة والشيعة لبعضهم البعض وللأخرين منذ قرون.

تحكي الكتب المقدسة اليهودية عن المعركة بعد معركة، حيث يساعدهم الرب وإله الحرب يهوه، ليس فقط في هزيمة أعدائهم، بل أيضاً في إبادة ثقافات الرعاة التي تحتل ”أرض الميعاد“، لينتهي المطاف مؤخرًا بإقامة دولة دينية في قلب دولة أخرى وتهجير وقتل الملايين.

شهدنا الحروب المقدسة المعاصرة مع الصعود الحديث لتنظيم الدولة الإسلامية وادعائهم حقهم الإلهي بإعادة الخلافة وقتال ”الكفار“ ولو وصل الأمر لانهاء حياة كبار السن والأطفال وحرق البساتين وسبي النساء، كل ذلك بوجود شعور بالتفوق الأخلاقي وحق ديني، كون الجهاد ضد ”هؤلاء الكفار“ واجب في الدين وهو على أربع مراتب: جهاد النفْس، والشيطان، والكفار والمنافقين، وأصحاب الظُّلْم والبِدَع والمنكَرات.

التجديف

مظاهرات إسلامية للتنديد بامرأة مسيحية
مظاهرات في باكستان عام 2018 ضد امرأة مسيحية أُعدمت بتهمة التجديف. صورة: AAP

التجديف أو الكفر أو نقد المقدس والمسلمات هو ما يشير إلى كون بعض الأفكار مصونة لا تُنتهك حرمتها وليست موضع للنقد أو الهجاء أو النقاش أو حتى السؤال. وبذلك فإن التطرق لهذه الأفكار بأي شكل من الأشكال هو استفزاز للمشاعر الغاضبة التي تثيرها جريمة التجديف في المؤمنين. يصف الكتاب المقدس الموت كعلاج للتجديف، القرآن لا يفعل ذلك، لكن الموت كعقاب للتجديف أصبح جزءًا من الشريعة خلال العصور الوسطى.

إن فكرة وجوب منع التجديف أو الانتقام قد تسببت في هلاك ملايين الأشخاص على مر القرون، وأهوال أخرى لا حصر لها. مؤخرًا تعرض المدون رائف بدوي لعقوبة الجلد في المملكة العربية السعودية –1000 جلدة على دفعات– بينما تطالب زوجته وأطفاله من كندا بتدخل المجتمع الدولي.

رائف بدوي ليس الوحيد الذي تعرض للعقوبة سواء الجسدية أو النفسية، بل هنالك عشرات إن لم يكن مئات وآلاف الأفواه المكبوتة في كل مدينة خشية على النفس من الازدراء والنبذ، فالشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي مثلًا انتظر حتى وفاته لنشر كتابه التحليلي والموضوعي الشخصية المحمدية.

المعاناة المجيدة

ربما تكون الصورة التي تتبادر إلى الذهن عند ذكر المجتمعات السرية للرهبان الذين يجلدون ظهورهم أو يؤلمون أجسادهم قادمة من رواية (دان براون) بعنوان «شيفرة دافنشي»، لكنها ليست فكرة من نسج خيال الكاتب، فلبّ العقيدية المسيحية قائم على أنه لو كان الانضباط (نوع خفيف من جلد الذات) شديدًا وطويلًا بما فيه الكفاية يمكن أن يصلح بطريقة ما الضرر الذي يحدثه السلوك السيء والشرير ويكفّر عنه، ويمكننا أن نرى ملايين حالات الصلب الطوعي حول العالم كدليل على هذا الاعتقاد. كما يقوم المسلمون الشيعة بجلد أنفسهم بالسلاسل خلال يوم عاشوراء، وهو شكل من أشكال المعاناة المقدسة التي تحيي ذكرى وفاة الحسين.

حشد من الشيعة أثناء عاشوراء
المغالاة في عقاب النفس إحدى المظاهر التي نشهدها عن الشيعة، لكنها ليست محصورة في الإسلام. صورة: Excelsior/Rakesh

أحد أشكال تعذيب الذات الأقل عنفًا هي الزهد والصيام الذي يعد جزء من الديانات الشرقية والغربية على حد سواء، ليس فقط لأن الحرمان يحث ويختبر قدرتنا على تنفيذ أمر الإله ولكن أيضًا لأن الناس يعتقدون أن المعاناة تقربنا بطريقة أو بأخرى من الإله.

لقد عاش أسلافنا في عالم كان فيه الألم شبه يومي، ولم يكن لدى الناس سوى القليل من الحيلة للسيطرة عليه وتخفيفه، فالأسبرين أو وسائل تسكين الألم الأخرى كانت لتكون معجزة لو وردت في الكتب المقدسة، لكن في مواجهة المعاناة التي لا يمكن السيطرة عليها، فإن أفضل نصيحة يمكن أن يقدمها الدين كانت أن تتكئ عليه أو تجعل ألمك ذا معنى. المشكلة بالطبع هي أن تمجيد المعاناة وتحويلها إلى منفعة روحية جعل الناس أكثر استعدادًا لإلحاقها ليس فقط بأنفسهم وأعدائهم ولكن أيضًا بأولئك الذين لا حول لهم ولا قوة.

تشويه الأعضاء التناسلية

طفل حديث الولادة
ختان الأطفال عند اليهود والمسلمين، ممارسة تندرج تحت تشويه الأعضاء التناسلية.

استخدم البشر البدائيون تشطيب الجلد وتعديلات الجسم الأخرى لتحديد الهوية والعضوية القبلية منذ قديم الأزل، لكن تشويه الأعضاء التناسلية عنى لأسلافنا العديد من الامتيازات الإضافية إذا كنت تريد أن تسميها كذلك. فختان الأطفال في اليهودية هو دليل على العضوية القبلية، لكنه أيضًا اختبار التزام للمنضمين البالغين. في إحدى قصص الكتاب المقدس، يوافق أحد الزعماء على تغيير دينه إلى اليهودية وضم عشيرته وإقدامهم جميعًا على الختان كدليل على الالتزام بمعاهدة السلام، حينها وبينما كان الرجال يستلقون عاجزين، تم إبادة المدينة بأكملها على يد الإسرائيليين.

يعد ختان الذكور في الإسلام بمثابة طقوس العبور إلى الرجولة وضرورة لأن تكون مسلمًا وهو اتباع لتقاليد النبي إبراهيم ولا غنى عنه للطهارة. كما أنه وفي بعض الثقافات المسلمة، يتم قطع أو حرق البظر والشفرين في طقوس تؤسس لإخضاع المرأة عن طريق الحد من الإثارة الجنسية والرغبة. يخضع ما يقدر بنحو 2 مليون فتاة لهذا الإجراء سنويًا، مع عواقب كثيرة مثل النزيف والعدوى والتبول المؤلم والموت ناهيك عن الضرر النفسي الدائم.

الأضاحي

في قائمة أسوأ الأفكار الدينية هذه هي الوحيدة التي تبدو في مراحلها الأخيرة نوعًا ما، ففقط الهندوس (خلال مهرجان جاديماي) والمسلمين (خلال عيد الأضحى) يواصلون ذبح الحيوانات كقاربين، ابتغاء لرضى الاله ودفعًا للشر على نطاق واسع، حيث يُذبح أكثر من 10 ملايين حيوان كل عام أغلبها بطرق وحشية، كما يرمى جزء كبير منها دون أي فائدة سوى سفك الدماء.

النصوص المقدسة الهندوسية، بما في ذلك البهاغافاد غيتا، تمنع التضحية بالحيوانات في الطقوس الدينية، ومعظم الهندوس الآن يتجنبون هذه الممارسة لأنها تنتهك الأهيمسا التي تعني ”عدم الإصابة“ و”الرحمة“، أو عدم الإضرار. لكنها لا تزال قائمة في بعض المناطق كالنيبال باعتبارها بقايا من الدين الشعبي.

الجحيم

سواء كنا نتحدث عن المسيحية أو الإسلام أو اليهودية، فإن الحياة الآخرة المليئة بالشياطين والوحوش والتعذيب الأبدي كانت أسوأ معاناة يمكن أن تتخيلها عقول العصر الحديدي ويمكن لعقول القرون الوسطى تفصيلها وتبهيرها. فما اُخترع ربما كوسيلة لتلبية الرغبة الإنسانية في تحقيق العدالة التي لا يلقونها على الأرض، سرعان ما تحول إلى أداة للإكراه والحفاظ على السلوك والمعتقد، ذلك هو مفهوم الجحيم.

يرى معظم البوذيين أن الجحيم هو استعارة ورحلة إلى الشر في الذات الإنسانية، رغم وجود وصف للعذاب ومستويات الجحيم والتي يمكن أن تكون واضحة تمامًا أكثر من كونها استعارة. وبالمثل يؤكد معظم المسلمين والمسيحيين بما ليس فيه مجال للشك على أن الجحيم مكان حقيقي مليء بالنيران وأسباب عذاب غير المؤمنين. بل حتى أن بعض المسيحيين وصلوا حد الإصرار على أن صرخات الملعونين يمكن سماعها من وسط الأرض أو أن مراقبة آلامهم من بعيد ستكون واحدة من ملذات الجنة.

الكارما

مفهوم الكارما هو مفهوم أناني يدفع بصاحبه إلى فعل الخير خوفاً من العقاب، لا اقتناعاً به. صورة: TatianaTolstykh/iStock/Thinkstock

يقدم مفهوم الكارما، مثل فكرة الجحيم، دافعًا أنانيًا لاتباع سلوك جيد وفعل ”الخير“، فالقول إن ما تفعله سيعود إليك له تكاليف باهظة على الكائن والمحيطين به المعتقدين بالفكرة، أهمها الكم الهائل من السلبية الثقافية والاجتماعية والتسليم في مواجهة الأذى والمعاناة والتعامل معه. ثانياً، فكرة الكارما تشرعن الممارسة الإنسانية القائمة على إلقاء اللوم على الضحية.

إذا كنت لا تحصد إلا ما زرعته، فلا بد أن الطفل المعاق أو مريض السرطان أو الفقير الذي لن تساعده مساعدتك (أو الأرنب الجائع أو الكلب الأجرب أو حتى الحيوانات بشكل عام باعتبارها كانت بشراً سيئين سابقًا) قد فعل شيئًا في هذه الحياة أو في الماضي ليحدث معه ما حدث في هذه الحياة، وهي فكرة فظيعة ما لم يكن لها أساس من الصحة، ولا تقل لا منطقية عن فكرة الجحيم في تحقيق العدالة.

الحياة الأبدية

وجود الجنة لدى الإسلام والمسيحية يقتضي على المرء الامتناع عن ”الحياة الدنيا“ بشكل أو بآخر.

بالنسبة إلى أسلافنا البسطاء قبل عدة آلاف من السنين، كانت فكرة الجدران المغطاة بالجواهر أو شوارع الذهب أو ينبوع الشباب أو الخلود من جوقة ملائكية أو أنهار العسل أو ممارسة الجنس مع العذارى وكأنها النعيم بعينه. لكن الأمر لا يتطلب الكثير من التحليل لإدراك أن الجنة الأبدية سرعان ما ستستحيل جحيمًا بتكرار لا ينتهي لما تفعله بدون تغيير أبدًا في أي حال من الأحوال، فكيف يمكن أن تتغير إذا كانت مثالية، وكيف ستطيقها إن كان كل يوم كالذي سبقه.

على الرغم من ذلك، والسبب الحقيقي في أن مفهوم الحياة الأبدية هو فكرة سيئة، هي الدرجة التي يقلل بها ويحطّ الناس من قيمة الوجود في هذه الحياة الأرضية. فمع التركيز نحو السماء، لا يمكننا رؤية الجمال المتناهي أمامنا وتقديره كما يجب والاكتفاء به والتصالح معه. إذ يضع المؤمنون المخلصون طاقاتهم الروحية في الإعداد لعالمهم القادم بدلاً من الاعتزاز برعاية العالم الحالي والثمين الذي نملكه جميعًا، وكما يقال: جعلوا الأرض جحيما ليصلوا إلى الجنة.

ملكية الرجل لخصوبة المرأة

نساء منقبات
تعامل الكثير من الديانات، وليس الإسلام فحسب، المرأة على أنها أداة لإنجاب الأطفال.

من المحتمل إن فكرة كون المرأة أداة لإنجاب وحضانة الأطفال نشأت قبل الدين، لكن الفكرة القائلة بأن المرأة قد خُلقت لهذا الغرض هي من صلب المسيحية، فإذا ماتت المرأة خلال إنجابها ”فقد تُوجب عليها ذلك“. وتؤكد معظم الديانات التقليدية أن للرجل الحق من الله في منح المرأة للزواج ممن يختاره هو، وسبيها في الحرب واستبعادها من الجنة وقتلها إذا لم يكن من الممكن ضمان صفاء ذريتهن. ولهذا للكاثوليكية هوس بعذرية مريم والشهيدات الإناث.

مع اقترابنا تطور أسلوب حياتنا ونظام التأمينات والرعاية الصحية من مرحلة لم يسبق لها مثيل صار من الغباء النظر للنساء على أنهن مربيات وللأطفال كممتلكات وضمانات للمستقبل. ورغم أننا نعلم الآن يقيناً أن ندرة الموارد هي سبب رئيسي في صراعات الحالية واللاحقة، وأن الطلب على المياه والأراضي الصالحة للزراعة آخذ في الازدياد مع انخفاض توافر هذه الموارد أكثر وأكثر، فإنك ترى البابا الذي يدعي أنه يهتم بالفقراء اليائسين مثلًا، يحاضرهم ضد وسائل منع الحمل بينما يحظر الزعماء المسلمون عمليات التعقيم بل ويحضّون على الإنجاب وتعدد الزوجات في محاولة للتغلب على أعدائهم من خلال التكاثر.

عبادة الكتاب

الكتاب المقدس
نسخة غوتنبرغ من الكتاب المقدس. صورة: Wikimedia Commons

تناقل أسلافنا معرفتهم وأفضل تصوراتهم عن الآلهة ومفهوم الخير عن طريق التقاليد الشفوية، وصنعوا أشياء من الحجر والخشب والأوثان لتجسيد إخلاصهم لما آمنوا به. فكانت أفكارهم حول ما هو جيد وما هو حقيقي وكيف يعيشون في مجتمع أخلاقي مع بعضهم البعض حرة التطور مع تغير الثقافة والزمان والمكان، لكن ظهور الكلمة المكتوبة غير ذلك إلى الأبد.

بما أن أسلافنا في العصر الحديدي قاموا بتسجيل وتجميع أفكارهم في نصوص مقدسة، فإن هذه النصوص جعلت من فهمهم للآلهة والخير والشر ثابتًا. ورغم أن النصوص المقدسة لليهودية والمسيحية والإسلام تحظر عبادة الأوثان، لكن ومع مرور الوقت أصبحت النصوص نفسها أصنام، والعديد من المؤمنين المعاصرين أصبحوا يقدسون كتبهم الدينية حد العبادة.

يقول أحد المؤمنين وهو يشرح عقيدته: ”لأن ديني مثالي، فلا مجال لأي ابتكارات جديدة في الدين“. هذا القول ينم عن نقص ساذج في المعلومات حول أصول عقائده. ولكن وبشكل عام يلخص قوله هذا التحدي الذي تواجهه جميع الأديان في مواكبة تغيرات الزمن والمجتمع. تخيل لو قال عالم فيزيائي: ”لأن فهمنا للفيزياء مثالي، فلا مجال لأي ابتكارات جديدة في هذا المجال“.

اعتقاد أتباع الدين أن إيمانهم هو الكمال، ليس سذاجة فقط أو جهل كبير، بل هو عائق واقع عليهم من الناحية التنموية، وفي حالة الديانات الكبرى في العالم التي تعود لحوالي ألفي عام، فإن اتباعها عالقون في زمن العنف والعبودية ورفض الاختلاف حتى بدون وعيهم الكامل لذلك.

ومن المفارقات أن العقلية القائلة بأن نصوصنا المقدسة مثالية، تخوّن المسعى الذي دفع أجدادنا إلى كتابة تلك النصوص في الأساس. فقد أخذ أولئك الذين دونوا كل من الإنجيل أو القرآن أو غيتا معرفتهم بشكل شفوي، وقاموا بتنقيحها ثم قدموا أفضل تعبير عنما هو جيد وحقيقي وقد تغيرت الكتب المقدسة مع تغير الزمن والحوادث التي مرت بها عند كل الديانات دون استثناء.

غالباً ما يحاول المدافعون عن الدين إخفاء أخطاء وهفوات الكتب المقدسة وشرور التاريخ الديني أو تقليله أو تبريره، وكثيرًا ما تسمع جملًا جاهزة كـ ”لم تكن هذه الحالة عبودية حقًا“ أو ”إنه العهد القديم“ أو ”لم يكن يعني ذلك بهذه الطريقة“ أو ”عليك أن تفهم إلى أي حد كان أعداؤهم سيئين“ و”هؤلاء الأشخاص الذين ألحقوا الأذى باسم الله لم يكونون مؤمنين حقيقيين“. تقدم مثل هذه التبريرات [سواء للمسيحيين، اليهود أو مسلمين] الراحة للناس البسطاء غير المطلعين أو الضليعين بدينهم، لكن إنكار المشكلات لا يحلها. بل على العكس تماما، في الواقع. التغيير يأتي مع البصيرة وسبر أغوار المُسلّمَات، والاستعداد للاعتراف بأخطائنا وعيوبنا مع زيادة قوتنا وإمكاناتنا في التطور والنمو.

في عالم مليء بالإنسانية، لكنه مسلح بالقنابل والأسلحة النووية والطائرات بدون طيار، فإننا لا نحتاج إلى مدافعين عن الوضع الديني الراهن، نحن بحاجة إلى إصلاح حقيقي وجذري مثلما حدث في القرن السادس عشر وعلى نطاق أوسع بكثير. فقط من خلال الاعتراف بأسوأ أفكار الدين لدينا أي أمل في الوصول إلى الأفضل والعيش معا جميعًا وبسلام.

جاري التحميل…

0