علوم

هل سينقلب القطبان المغناطيسيان للأرض؟

هل سينقلب القطبان المغناطيسيان للأرض

الحقل المغناطيسي الأرضي أشبه بدرع خفي يحيط بكوكبنا الأزرق، فخطوط الحقل التي لا نستطيع رؤيتها تحجب عنا الكثير من الجسيمات المشحونة (مثل أشعة ألفا وبيتا) الآتية من الفضاء الخارجي وبالأخص من نجمنا الشمس.

لكن الحقل المغناطيسي الأرضي أبعد ما يكون عن أن يوصف بالمستقر، فهو عرضة للتغير بشكل دائم، حيث كثيراً ما تنزاح الأقطاب المغناطيسية عن موقعها أو حتى تتبادل الأماكن، كما أن شدة هذا الحقل متغيرة كثيراً وغير منتظمة، فانقلاب القطبين المغناطيسيين قد يجري بضعة مرات خلال مليون سنة ومن ثم يغيب لبضعة عشرات من ملايين السنين.

الحقل المغناطيسي الأرضي أبعد ما يكون عن أن يوصف بالمستقر، فهو عرضة للتغير بشكل دائم

الحقل المغناطيسي الأرضي أبعد ما يكون عن أن يوصف بالمستقر، فهو عرضة للتغير بشكل دائم

لماذا نعتقد أن القطبين سينقلبان؟

عندما يحدث انزياح أو انقلاب للقطبين المغناطيسيين فالحقل المغناطيسي للأرض لن ينعدم تماماً، لكنه سينخفض بشكل كبير حتى 10% من قوته الحالية، ومع كونه في تناقص مستمر يقدر بحوالي 5% كل قرن فانزياح القطبين المغناطيسيين أو انقلابهما أمر ممكن للغاية خلال الـ2000 عام اللاحقة، مع عدم قدرتنا على تحديد وقت لهذا الانقلاب أو الانزياح الممكن.

آخر انقلاب معروف للقطبين المغناطيسيين كان قبل حوالي 780,000 سنة، بينما آخر انقلاب مؤقت للقطبين كان قبل نحو 41,000 سنة واستمر لحواي 250 سنة. وعدم الانتظام الملاحظ في التواريخ بالإضافة لأسباب أخرى يجعل معرفة موعد هكذا حدث غير ممكن (حالياً على الأقل).

لماذا ينقلب القطبان المغناطيسيان؟

ينتج الحقل المغناطيسي الأرضي عن حركة الشحنات (المكونة بشكل أساسي من شوارد الحديد) داخل الطبقات السائلة من جوف الأرض، حيث أن حركة الشحنات عموماً تعني مرور تيار كهربائي يرافقه حقل مغناطيسي بطبيعة الحال.

الطبقات السائلة من جوف الأرض

الطبقات السائلة من جوف الأرض

لكن مع كون حركة الشحنات غير منتظمة تماماً ومن الممكن أن تتغير بأي وقت بكل سريع أو تدريجي، فالحقل المغناطيسي يتغير كذلك ويتأثر بذلك القطبان المغناطيسيان للأرض اللذان يغيران مكانيهما أو ينقلبان تبعاً لتغيرات حركة الشحنات في جوف الكوكب.

قد يتبادر لأذهان للبعض أن هكذا أمر سيكون بسيطاً لتوقعه مع كون الشحنات المقصودة في وسط مائع، فنحن نستطيع توقع حالة الطقس دوماً (حيث الغلاف الجوي وسط مائع أيضاً). لكن مع كون الغلاف الجوي يحيط بنا ومع وجود ألاف الحساسات والأقمار الصناعية ومناطيد الطقس وغيرها فنحن لا نستطيع التخمين بدقة لمدة تتجاوز بضعة أيام على الأكثر، فأي تغيير صغير في الحالة الأولية قد ينتج تغيرات هائلة في النتائج (ما يعرف بتأثير الفراشة في نظرية الشواش).

الحال في جوف الأرض مماثل من ناحية عدم قدرتنا على التنبؤ به، بالإضافة إلى كوننا عاجزين عن مراقبته بشكل حقيقي وفعال ولو بمقدار 1% من مراقبتنا للغلاف الجوي.

ماذا سيفعل انقلاب الأقطاب؟

في الواقع، نحن لا نمتلك جواباً لهذا السؤال، فالتخمينات تتراوح بين انقطاع كهربائي وإلكتروني كامل، وانقراض جماعي للعديد من أجناس الكائنات الحية وبينها البشر! سيناريو الانقراض الجماعي يأتي من كون انقلاب الأقطاب سيجعل الأرض معرضة للخطر بشكل كبير مع تراجع درعها (الحقل المغناطيسي للأرض) مما سيسمح بدخول نسب متزايدة من الإشعاع بداية من الضوء فوق البنفسجي (Ultra Violet Light) وصولاً لأشعة غاما (Gamma Radiation) وهو ما قد يسبب تسمماً بالإشعاع يقضي على العديد من الكائنات.

على مر السنين الأخيرة حاول العديد من العلماء إجراء ربط بين أحداث انقلاب الأقطاب المغناطيسية للأرض والانقراضات الجماعية على مر العصور، لكن ذلك دائما ما كان يأتي بنتائج غير مؤكدة. كما أن كون آخر انقلابات القطبين المغناطيسيين كان قبل وقت طويل جداً وقبل الحضارة البشرية الحديثة، فنحن لا نعرف حقاً ماذا قد يسبب هكذا حدث لأكثر من سبعة بلايين إنسان يعيشون على سطح الكوكب اليوم.

التأثيرات على الطاقة الكهربائية (وبالتالي التكنولوجيا الحديثة بأكملها) معروفة بشكل أكبر، فالعاصفة الشمسية التي أصابت الأرض عام 2003 تسبب بقطع الطاقة الكهربائية عن أجزاء كبيرة من السويد مع تعطيل كبير لحركة الطيران خوفاً من انقطاع الاتصالات والتواصل مع أبراج المراقبة، لكن هذه العاصفة تعد صغيرة أمام ما حدث عام 1859 حيث كان تأثيرها كبيراً لدرجة ظهور الشفق القطبي في مناطق تصل حتى البحر الكاريبي (علماً أن الشفق القطبي ينتج عن تفاعل الإشعاع الكوني مع الحقل المغناطيسي الأرضي بشكل يشحن الجزيئات الغازية في أعلى طبقات الغلاف الجوي).

يعتمد البشر اليوم بشكل متزايد على التكنولوجيا والكهرباء، فكل شيء من وسائل التواصل حتى معظم حاجاتنا الأساسية (ومع الوقت حتى وسائل التنقل) يعتمد بشكل كبير على الكهرباء، وانقطاع الطاقة الكهربائية اليوم سيكون مدمراً للحضارة البشرية الحديثة وقد يتسبب بفوضى عظمى، ولو أنه على الأقل لن يؤدي إلى انقراضنا كجنس بشري.

في النهاية، مع عجزنا عن تحديد موعد محدد لانقلاب القطبين المغناطيسيين للأرض، وعدم وجود معرفة كافية تسمح بدراسة التأثيرات لهكذا حدث على البشرية، فلا شيء أمامنا سوى انتظار التقدم العلمي المتسارع في هذا المجال والذي قد يقود خلال السنوات أو حتى العقود التالية إلى معرفة أكبر حول هذا الحدث، وربما حتى إجراءات ممكنة لتجنيبنا التأثيرات السلبية له.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن