اجتماعيات

لماذا لا يوجد مرادف ذكوري لكلمة ”عانس“؟

امراة محجبة
صورة: Katherine Killeffer

كفتاةٍ شرقية تفتّح وعيي منذ الطفولة على الشكل النمطيّ للفتاة؛ وإنّها مهما تعلّمت وتدرّجت في مناصب قيادية، ومهما اجتهدت لن يعني ذلك شيئاً إن لم تتزوج، وكأنّ الزواج هو مصير حتميّ يُنهي كل طموحاتها وأحلامها إلى غيرِ رجعة! أو ختمٌ يؤكّد صلاحيتها للحياة.

رأيتُ الكثير من الفتيات اللاتي كنّ نموذجاً للاجتهاد والمثابرة للوصول إلى أحلامهن والسعي الدائم نحو التقدم في حياتهن، ولكن بمجرّد ظهور عرض الزاوج ”المُغري“ يتنازلن عن كل ما سعين إليه ويقطعن المشوار في منتصفه قبل أن يرين ثمار ما زرعنه طيلة كل سنوات الدراسة والعمل.

أعتبر نفسي محظوظة لأنّ أسرتي كانت على النقيض من المجتمع المحيط بي، لم يشعرني والداي بأني عبءٌ عليهما أو بأني ”ضيفة“ في المنزل وأن مسكني الدائم هو مسكن زوجي المستقبليّ وأني هنا ”ترانزيت“، بل أنّ بيت أهلي هو حصني وأماني وإن وددتُ أن أتزوج سيكون بكامل اقتناعي ورغبتي وسيظل هذا بيتي أيضاً.

لم تقُل لي أمي طيلة سنيّ عمري أيّ كلمةٍ عن الزواج، ولم تقُم أمي بشراء حاجيات الزواج منذ الصغر لي كباقي الأمهات لأجلس بجانبها وانتظر حظّي! بل كانت دائماً تقول لي ”شهادتك أولاً وعملك ثم أيّ شيء، وإن لم تتزوجي لن تخرب الدنيا. رؤيتك سعيدة فقط تريح قلبي.“

بالنسبة لأبي البنت كالولد، وكوني مرتاحة البال وأحقّق ذاتي يُغني عن كُل شيء، هو لا يلقي بالاً للموضوع ككل من الأساس. ولكن هناك الكثيرات ممّن يعانين من داخل الأسرة وخارجها ولابد أن يكُنّ هنّ دعماً وحصناً لأنفسهِن.

أنا لا أهاجم الزواج بالطبع ولستُ ضده لأنّ الانجذاب للجنس الآخر طبيعة كأيّ طبيعة أخرى، ولكنّي أتعجّب دوماً من النموذج النمطيّ السائد؛ وهو أنّ الفتاة هي التي يجب عليها أن تضحّي بكلِّ شيءٍ والطرف الآخر لاشيء! لماذا لا نسير معاً؟ ونتنازل معاً؟ ونتكامل معاً؟ لماذا عليّ كفتاةٍ أن أتنازل عن كل طموحاتي وأحلامي فقط لأتزوّج.

تلعب الضغوطات المالية دوراً هاماً أيضاً فحين ينجب الوالدان الكثير من الأبناء يصبح الزواج بالنسبة لبناتهم تخفيفاً من العبء الذي يقع على كاهلهم، لمَ لا نقوم بحسابِ كُلِ شيء من البداية لنجنّب تلك الأرواح – التي نتسبّب في وجودها – الشعور بأنها عالة ومصيبة نتمنّى التخلّص منها!؟

تربّينا على أنّ كل هذه مُسلّمات غير قابلة للنقاش أصلاً، عليّ أن أظلّ أعطي حتى أنضب، ومُطالبة بتحمّل سخافات الأقرباء والمعارف الذين يتساءلون ”متى يأتي النصيب؟“ وحين يأتي النصيب أتحمّل أسئلة مثل ”متى نفرح بالمولود؟“، وحين يفرحون بالمولود ”متى تحملين بالثاني؟ حرام أن يظلَّ الطفل وحيداً…“، والعجيب أنّ أغلب من يطرحن هذه الأسئلة ”نساء“!

امراة محجبة

صورة: Jenna Masoud

عندي أعتقاد راسخ أنّ المسؤول الأوّل عن وضع النساء الشرقيات الآن والتدهور الذي يعانين منه والتنازل والتخاذل عن بديهيات حقوقهن هن النساء قبل الأنظمة القمعية وقبل هذه الفئة من الرجال (الذين ينصّبون أنفسهم آلهة علينا) وقبل أيّ ظروف. من تشجّع على البقاءِ في هذه المنظومة التعيسة هي المرأة، من حوّلت نفسها إلى سلعة تتعرى مقابل المال أو سلعة تتغطّى بالسواد مقابل الزواج، هي من تتفاخر بكمّ الذهب الذي حصلت عليه عند زواجها لأنّ هذه قيمتها وهذا ثمنها، ومن تُثمّن نفسها بالأغلى هي الرابحة وهكذا…

إذا رفضت المرأة وأصرّت على الرفض وصدحت بأنها إنسان عليه واجباته وله حقوقه أيضاً سيرضخ لها المجتمع.

للأسف هناك نساء يتلذّذن بشعور العبوديّة وبأنهن فريسة سيختطفها الصياد، الاستقلالية والشعور بالذات والتفرّد بالنسبةِ لهنّ ضربٌ من الجنون، فهنّ يعشقن الخنوع ويحرصن دائماً على أن يكنّ ”المفعول به“.

وكأنها دائرة مغلقة مجبرات نحن على السيّر فيها إلى أن ينتهي العُمر، من تنعت إحداهن بـ”العانس“ هي المرأة، وكأنّ لنا تاريخ انتهاء للصلاحية لا بدّ أن نتزوج قبله! ”يجب أن تقبلي بالعريس الآن، سيأتي وقت لن تجدي فيه أحداً يرضى بك“، وكأنّي قنبلة موقوتة أو كارثة فلن يرضى بي أحد! لمَ ليس هناك عمراً محدداً لزواج الرجل؟ ولا أحد ينعته بـ”العانس“ ولم نسمع عن لفظة مذكرة لهذه الكلمة القاتلة، نعم قاتلة؛ فهي كالوحش الذي يظل يركض وراء الفتيات ما إن يبلغن العشرين! وإن تخطّينها دون زواج يظل يتلذذ بتعذيبهن وتذكيرهن بأنهن ناقصات مهما بلغن من علم ومهما حصلن على شهادات ومهما تقلّدن من مناصب.

هناك العديد من الرجال يتخطّون الأربعين ويأتون ليبحثوا عن فتيات دون العشرين أو فوق ذلك بقليل للزواج! فلا يبحث عمّن توافقه في الخبرة والعُمر والتجربة الحياتية ولكنه يبحث عن عجينة صلصال يشكّلها كما يريد و”يربّيها على يديه“ كما يُقال، وكأنه هو فقط من يملك حق الزواج وقتما يشاء وممّن يشاء.

ولا نستطيع أن نتغافل عن الانتكاسة التي أصابت مجتمعاتنا مع هيمنة شيوخ الخليج البترو دولار على شعوبنا وتسلّل مفردات البداوة والأفكار التي أصبحت كسرطانٍ يسري في عقولِ الكثيرين، في بلادٍ كانت فجراً للتاريخ ومنبعاً لقيمٍ أخلاقية راقية ونهجاً سارت عليه دول العالم المتحضّر الآن إلى أن وصلت إلى ما هي عليه، وواصلنا نحن السير على هذه الأفكار وجعلنا تقزيم المرأة شغلنا الشاغل وكبتَها هدفَنا الأول إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه.

كان العمل الدؤوب طيلة العقود الأخيرة على ترسيخ صورة ”المرأة المتذللة“ التي تستجدي رضى زوجها، والفتاة التي تخرج من سلطة الأب إلى سلطة الزوج وكأنها متاع تنتقل ملكيّته، أصبح الزواج مجرد مهرٍ ومؤخرٍ يسعون في غلائه لكي يرفعوا من قيمتها، وكأنها منحطّة القيمة التي لن ترتفع سوى بالمال! ومع عقد الزواج عقداً ضمنياً بالتملّك من قبَل الزوج الذي دفع ”ما تيّسر“ لشرائها.

ليس هناك شكلٌ مُحددٌ لعلاقة الزواج ولا قواعد راسخة للتعامل، فكلٌ بحسبِ تفاصيل حياته وما يركُن إليه، ولكن هناك أُسس للحقوق والواجبات، هناك عبثية لابد أن تتوقف وستتوقف بألّا نصغى إليها كفتيات حين تخبرك فلانة أو علانة بشيء عن عمرك والزواج وما إلى ذلك من الترهات، لا يجب أن تسمحي لها، عليكِ أن تُفهمي هؤلاء أنّ هذا شأنكِ الخاص وأمر لا يهمّ إلّا سواكِ. عليكِ التمسك بأحلامك حتى وإن كانت من وجهةِ نظرك مستحيلة، فالحلم كان بداية كل حقيقة.

ثورة المرأة العربية

مجتمعاتنا ضاغطة لنا جميعا – إناثاً وذكوراً – وكأنثى، العبء مضاعف عليك إن لم يكن أكثر، فرفقاً بنفسك وبمن هم مثلك ولا تشاركي في هذا الحديث إلّا حين تدفعينه بعيداً عن عقل إحداهن.

شرط الزواج الوحيد هو الحب والتشارك والتفاهم والتوحّد الروحي مع شريكك، الزواج ليس نزهة أو عطلة ستقضيها وبعدها تعودين لحياتك السابقة؛ أن تتزوجي يعني أن تقومي بتأسيس حياة ثانية مع شخصٍ آخر بحلوها ومُرّها، ترينه في كلِّ حالاته ويراكِ في كُلِّ حالاتك، يتقبلّك كما أنتِ وتتقبلينه كما هو. فلا أحد يتغيّر، هذا رابع المستحيلات إن لم تكوني تعلمين. هما نصفان يتكاملان لإسعاد بعضهما، ومحاولة تخفيف ضربات الدنيا المزعجة.

لا تتزوجي لترضي أحداً أو لأنك خائفة من ”العنوسة“ أو الوحدة أو لتتنافسي مع صديقاتك! لا تضحكي فأنتِ تعلمين أنّ هذا السبب موجود وبقوة وإلّا ما كنّا أعلى المجتمعات في العالم في نسب الطلاق. ويا للفخر!

الزواج محطة في حياتكِ وليس المحطة التي تنتهى عندها حياتك، إن لم يكن داعماً لكِ وبيتاً تشعرين فيه بالأمان والحب فلا تكلّفي نفسك عناء التفكير من الأساس.

الوحدة أهون بكثير من الزواج التعيس الذي سينتج عنه أطفالٌ تعساء، والناس الذين تحاولين إرضاءهم لا أحد يعبأ منهم بأرضائك. وكلمة ”عنوسة“ امحيها من قاموسك وانظري لنفسك بحب واهتمام واصغي لها وعلّميها وثقّفيها وجمّليها.

وبالطبع التنافس من أجل الزواج مُبكراً ضربٌ من العبثِ والجنون! فالزواج ليس مقصوراً على الإنسان، كل الكائنات متعددة الخلايا تتزوج وتنجب، أعتقد أنه ليس هناك أيّ بطولة في ذلك أو سِمة تميّز.

أحبّي ذاتك كما هي وطوّري أدواتك، أشغلي وقتك بما تحبّين وينفعك وحين تلتقي نصفك الآخر سيدلّك عليه قلبك وعقلك قبله، وإن لم يحدث ذلك فكونك أنتِ يكفيكِ.

عدد القراءات: 3٬705

تدقيق لغوي: عباس حاج حسن.