اجتماعيات

لماذا لا ينشر الأزواج السعداء تفاصيل علاقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي؟

زوجان يتبادلان القبل

كنا في سابق الزمان مراهقين نقوي أواصر علاقاتنا العاطفية من خلال التقاط صور تبرز عمق حبنا والتباهي بها أمام أصدقائنا وأفراد عائلاتنا، والآن بما أننا بتنا في زمن أصبح فيه موقع الفايسبوك ضروريا، والمنشورات وكذا صور السيلفي التي نلتقطها أكثر رسمية، من الواضح جدا قدر الشعور بالارتياح الذي نحس به بموجب كوننا قادرين على تخليد علاقاتنا بشكل أبدي، وهو الأمر الذي يعتبر كذلك مدعاة للشعور بالشك، قد يساء فهمه في غالب الأحيان.

الآن، أصبح الأمر شائعا أكثر أن تقوم بشكل مستمر بنشر تفاصيل علاقتك العاطفية (وحياتك بصفة عامة)، فإن لم تقم بنشرها على الإنترنيت، فأنت لا تملك أي دليل على أنها قد حدثت بالفعل.

لو أنك تفكر في وسائل التواصل الاجتماعي على أنها البديل الحديث ”للساحات العمومية“ في البلدات قديما، وهي تلك الأماكن التي يعلَن فيها عن مختلف الأحداث والإعلانات، وحيث يتم نشر المعلومات، وحيث تقوى أواصر المجتمع من خلال تشارك أفراده لخبراتهم الاجتماعية وحيواتهم، هنا فقط قد يكون من الطبيعي جدا أن تميل إلى نشر أجزاء وقطع من حياتك التي ترى بأنها تستحق النشر والتوثيق.

ومنه تتمحور الفكرة الطبيعية حول نشر أمور أهم وبارزة فقط، فالتصور هنا كذلك يتجلى في مشاركتنا لأجزاء من حياتنا التي لن يتمكن أولئك الذين ليسو مقربين منا جدا من رؤيتها ولا فهمها -كما لا يوجد أي خطب يشوب هذا الأمر.

لكن مواقع التواصل الاجتماعي كانت قد أضافت على ذلك طبقة من الفرق الطفيف، ذلك أنها أصبحت تغذي هوياتنا، ومن نكون، وتواصلنا والطريقة التي نربط بها علاقاتنا، كما شعورنا بقيمة أنفسنا في أعيننا ذاتها، فقد أصبحنا في زمننا هذا قادرين على تكوين صور عن أنفسنا، وكذا تقدير الحجم الدقيق للحب الذي يكنه لنا الآخرون، وكذا النظرة التي يٌنظر بها إلينا، ثم أصبحنا نجد أنفسنا نميل بشكل أكبر إلى الاهتمام بما يراه الآخرون فينا، وبمواقعنا الاجتماعية وقيمتنا بينهم.

لا يجب أن نتفاجأ على الإطلاق كذلك بكوننا أصبحنا مدمنين على الشعور الذي تمنحنا إياه الضغطات والانطباعات التي يخلفها الآخرون على منشوراتنا وصورنا التي نشاركها، بينما في واقع الأمر تعتبر تلك الأمور التي تمثلها وسائل التواصل الاجتماعي -الشخصية، والتواصل، والقيمة الذاتية- ما هي إلا صراعات تكمن في أماكن عميقة داخل الحالة النفسية البشرية.

إذا أردت مرة معرفة الطريقة التي يرغب فيها أحدهم بأن يراه عليها العالم، لا تنظر بعيدا عن أنماط منشوراته على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، إن هذا الأمر حقيقي جدا (ومثير للإهتمام كذلك) خاصة عندما يتعلق الأمر بعلاقاتنا الأكثر حميمية، فبينما قد يكون الأمر طبيعيا تماما، لا بل صحيا كذلك، أن نكون فخورين حيال الأشخاص الذين نواعدهم، إلا أنه يوجد في نفس الوقت رابط وثيق بين كوننا سعداء حقا في علاقاتنا، وعدد المرات التي نشارك فيها منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر ذلك.

إليك بعض الأسباب التي تفسر كون الأزواج السعداء لا يشاركون الكثير من المنشورات حول علاقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي:

1. بإمكانك ببساطة جعل نفسك تحس بشعور جيد حيال جزء ما من حياتك من خلال التفكير في كون الآخرين يرونه بشكل مغاير:

شابة وشابة يبتسمان

بكلمات أخرى، إذا لم نكن سعداء حيال بعض جوانب حياتنا التي نظن أنها يجب أن تضيف على شعورنا بالسعادة، فنجد أنفسنا نبحث عن ذلك الشعور في أماكن مغايرة، ويأتي هذا التفكير غالبا من خلال الطريقة التي نعتقد أن الآخرين ينظرون إلى الوضع من خلالها، فإذا تمكنا من إقناع أنفسنا بأن الآخرين يرون علاقاتنا على أنها علاقات سعيدة، يجعلنا ذلك نشعر بسعادة أكبر، حيث أننا نعمل على تغيير وجهات نظرنا لاشعوريا.

2. يفكرون بشكل أقل في التقاط الصور أو تفقد حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي:

شابة تمشي مبتسمة

صورة: jwerkman/Flickr

ليس الأمر أنك لا تقوم أبدا بهذه الأمور، لكن إذا كانت حياتك تغمرك بذلك القدر الكبير من السعادة، لماذا إذن قد ترغب في أن تلهيك مواقع التواصل الاجتماعي عن عيشها؟

3. كل زوجان يبقيان على خلافاتها الداخلية خارج عالم الإنترنيت، هما أكثر سعادة، وأفضل حالا:

زوجان يتجادلان

صورة: Shutterstock

على الجهة المقابلة من الإفراط في مشاركة المنشورات حول الجوانب الإيجابية لعلاقاتك والتباهي بها على مواقع التواصل الاجتماعي، تقع مشكلة مشاركة الأمور التي لا تعد مصدر سعادة، أي نشر المشاكل على سبيل المثال.

لكن مهما كان السياق الذي دفعك إلى التفكير في القيام بذلك، فلم يُذكر يوما أن مشكلة ما قد تم حلها بشكل جيد بعد أن قام أحد الطرفين في العلاقة بنشر الغسيل القذر الخاص بهما أمام أصدقائه على موقع فايسبوك، أو على أفراد عائلته ليروه.

4. علاقاتهم تشعرهم بالأمان، لذا فهم لا يبحثون عن ذلك الشعور في أمكنة أخرى:

بكلمات أخرى، تقل الرغبة في الكتابة بشكل مستمر وثابت، وتحديث حالة وتفاصيل علاقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعية، فتتمحور سعادتهم حول كونهم مع بعضهم البعض، وليس حول مشاركة منشورات عن كونهم مع بعضهم البعض.

5. ليس لديهم شعور بالحاجة إلى إثبات أي شيء:

زوجان يتناولان القهوة

هم لا يستعملون بعضهم البعض لإثبات للعالم بأنهم سعداء أو أنهم أشخاص محبوبون، أو أنهم أشخاص ذوو قيمة كبيرة وجذابون للغاية؛ إنهم مع بعض بشكل أساسي لأنهم يرغبون في أن يكونوا مع بعض، وليس لأن مشاكلهم العميقة داخل أنفسهم تملي عليهم أن يكونوا مع بعض.

6. أثبتت الدراسات بأن الأشخاص الذين يستعملون وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أقل كانوا الأكثر سعادة بصفة عامة:

شابة وشابة مستلقيان يرتديان نظارات شمسية ويبتسمان

نقل عن الأشخاص الذين يذهبون في عطل -أو ما شابه- ولا يتفقدون حساباتهم على موقع فايسبوك أنهم شعروا بأن شعور السعادة لديهم ارتفع بشكل معتبر، كما تم قرن الاكتئاب بالاستعمال المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بسبب نظرية (المقارنة الاجتماعية)، ويتم كذلك ربط الاستعمال المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي بنقص الصحة العقلية، وقس على ذلك.

تبنى الفكرة من وراء هذا حول أن طبيعة الحياة داخل وسائل التواصل الاجتماعي المفرطة لا تناسبنا بأي شكل من الأشكال، سواء عقليا أو عاطفيا، لذا فلا جديد في كونها قد تضر بنا وبعلاقاتنا البشرية الإنسانية.

عدد القراءات: 26٬106