in

أن تكون أعزباً في الثلاثينات من عمرك ليس حظاً سيئاً، بل هو ظاهرة عالمية

خلال القاء الدكتورة (نانسي سميث-هيفنر) محاضرة لطلاب الجامعة في مدينة (يوجياكارتا) بأندونيسيا؛ لاحظت وجود حالة شائعة بين الشباب في بلد تشير التقديرات إلى أن 2 في المائة فقط من النساء فيه في أواخر الأربعينيات لم يسبق لهن أن تزوجن، حيث تسعى فيه الشابات لإنهاء تعليمهن والشروع في أداء مهنهن قبل الالتزام بتأسيس عائلة.

علمت (سميث-هيفنر) ببعض المشاكل التي تواجه أولئك الذين يتبعون هذا الطريق، فالنساء الشابات يحاولن الوصول إلى شيء يبدو في بعض الأحيان مستحيلاً، وبعد أن تركز الفتاة على التخرج من الجامعة والعمل الجاد ينتهي الأمر بها بالتساؤل عن كيفية العثور على شريك تؤسس معه عائلتها، في بعض الأحيان تستمر هذه الحالة لفترة طويلة وتصبح مصدراً للتوتر وخيبة الأمل، فترى هؤلاء النساء يتساءلن: هل يقتصر علي الأمر أنا فقط في عدم العثور على شريك؟

ليس الأمر مقتصراً عليها، في الواقع يعاني شباب (يوجياكارتا) من ظاهرة تعاني منها جميع مناطق العالم، من بروكلين إلى باريس، ومن رواندا إلى اليابان، يطلق على هذه الحالة اسم ”حالة الانتظار“، وقد تؤدي إلى تغيير جوهري في الطريقة التي ننظر بها إلى الحب والشراكة الزوجية.

عملت (سميث-هيفنر)، وهي بروفيسورة مساعدة في الأنثروبولوجيا في جامعة (بوسطن)، على دراسة المجتمعات الآسيوية لسنوات، ولكنها عندما وصلت إلى ”حالة الانتظار“ بدأت تشاهد أوجه تشابه واضحة بين الشباب الأندونيسيين الذين كانوا موضوع بحثها وطلابها الأمريكيين الشباب، حيث قالت: ”هم أيضاً يواجهون مشكلة في العثور على شريك“.

ظاهرة في تنامي مستمر:

في سبتمبر الماضي عقدت (مارشا إنهورن)، بروفيسورة الأنثروبولوجيا والشؤون الدولية في جامعة (ييل)، مؤتمراً حول موضوع ”حالة الانتظار“، وهو مصطلح جامع يمكن أن يشير إلى تأخر اتخاذ قرارات أخرى مثل الاستقلال عن الوالدين، واقتناء منزل خاص وما إلى ذلك، تقول: ”أحد الاهتمامات العالمية التي رأينا الحديث عنها في العديد من الصحف هو التأخر في الزواج، لا سيما بين الطبقات الأعلى تعليماً، وخاصة بالنسبة للنساء“.

ظهر هذا الاتجاه في صحف دول عديدة كالأردن والصين والولايات المتحدة ورواندا وغواتيمالا والقائمة تستمر.

وضعت (ديان سينجرمان)، بروفيسورة مساعدة في قسم الحكومة في الجامعة الأمريكية في واشنطن، مصطلح ”حالة الانتظار“ في عام 2008 بعد دراسة الشباب في الشرق الأوسط، ويتعلق المصطلح في مفهومها بكل من الجنسين وجذره يعود للوضع الاقتصادي. في العديد من الأماكن مثل مصر حيث ركزت بعض أبحاث (سنجرمان)؛ يكون الزواج مكلفاً للغاية بالنسبة للشباب، في حين أن إنجاب الأطفال خارج هذا الارتباط الرسمي ليس مقبولاً اجتماعياً.

يمكن لهذا النوع من الانتظار أن يصيب الكثير من الناس: فزيادة نسبة الشباب في أجزاء كبيرة من العالم، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الأجور يؤدي إلى ابتعاد الرجال عن الارتباط ”لا سيما في الأماكن التي يتوقع فيها دفع مهر مرتفع“، وبالتالي منعهم من تأسيس عائلات خاصة بهم.

حتى في الأماكن التي يمكن فيها أن تصبح أباً بدون زواج باهظ فإن معدلات الخصوبة آخذة في الانخفاض، فدول مثل اليونان وإسبانيا وفرنسا تواجه مشاكل خصوبة مرتبطة بالعمر، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم قدرة الشباب على تحمل نفقات العائلة ومكان العيش. تقول (إنهورن): ”لماذا يؤجل الناس الزواج؟ لماذا يرتفع سن الزواج في جميع أنحاء العالم؟ ولماذا هنالك تأخير في الإنجاب؟ تختلف الأسباب باختلاف المكان لكنه اتجاه عالمي، خاصة وأن النساء يبدأن بشكل متزايد بزيادة مستواهن التعليمي حول العالم، وكثيراً ما تفوق الإنجازات التي حققنها أقرانهن الذكور“.

في مجموعة من الأماكن التي تستطيع فيها النساء نيل حقوقهن من التعليم والعمل؛ يمكن رؤية أنهن بدأن في القيام بذلك بحماسة، وكثيراً ما تجاوزن نظرائهن من الذكور. أحد المقاييس الرئيسية هو التحصيل الجامعي، حيث أصبحت النساء على مستوى العالم يُشكلن غالبية الطلاب، إذ يتقدمن للجامعات بأعداد أكبر كما هو الحال في السويد، وينلن شهادات أكثر كما هو الحال في جنوب أفريقيا.

في حين أن الرجال والنساء يمكن أن يختبروا ”حالة الانتظار“ على حد سواء، فإن الحاجة لذلك تصبح أكثر إلحاحاً بالنسبة للمرأة، حيث أن الضرورة البيولوجية تلوح في الأفق. معظم الناس على مستوى العالم يريدون إنجاب الأطفال، والرجال يمكن أن يصبحوا آباء في مراحل متأخرة من أعمارهم، ولكن حتى مع التقدم الطبي فيما يخص الخصوبة فهناك مؤشرات واضحة حول الصعوبات المتزايدة التي يمكن أن تواجهها المرأة في حملها في مرحلة لاحقة من حياتها.

ركزت بعض أعمال (إنهورن) على سبب حفظ النساء لبويضاتهن عن طريق التجميد، واستشهدت ببيانات البنك الدولي التي أشارت إلى مدى تجاوز إنجازات المرأة التعليمية إلى حد كبير إنجازات الرجال.

نسب  تجاوز  إنجازات  المرأة التعليمية  إنجازات  الرجالبين سنتي 2012 و2016
المصدر: World Bank

غير أنه ليس التعليم الجامعي فقط ما يجعل النساء ينتظرن، إذ وجدت دراسة حديثة متعددة البلدان لأفريقيا، وجنوب الصحراء الكبرى أنه حتى عندما لا تتلقى النساء مزيداً من التعليم الرسمي فمن المرجح أن يؤجلن الزواج إذا كانت النساء المتعلمات من حولهن يفعلن ذلك. لا تنتظر العديد من هؤلاء النساء حتى الثلاثينيات من العمر، لكنهن يكافحن ضد النموذج التقليدي للزواج في سن المراهقة، ويردن بدلاً من ذلك كسب بعض الخبرة الحياتية أولاً.

لعبة الانتظار:

بالنسبة للنساء، فإن السلوكيات المتغيرة والضرورة البيولوجية تؤدي إلى شعور باختلال التوازن الذي يصيبهن بمجرد أن يكن مستعدات لتأسيس عائلة، ويرجع ذلك جزئياً على الأقل إلى بعض التوقعات والسلوكيات التي لا تتغير، فمن أندونيسيا المحافِظة ذات الغالبية المسلمة نسبياً إلى أمريكا الليبرالية، فإن المعيار المقبول على نطاق واسع أن تتزوج النساء من الرجال بدرجة تعليم أكبر، إن لم تكن أكبر فبنفس المستوى، أو أن يتزوجن من رجال يكسبون رواتب مساوية أو أعلى، فيكون المعيل الرئيسي للأسرة، لكن الأمور لا تكون على هذه الحال دائماً بالضرورة غير أنها تبقى متأصلة بعمق وترتبط بالأفكار التقليدية عن أن الرجل هو مصدر الرزق للعائلة وهو من يحميها، فيصعب التخلص منها.

إن النساء الأكثر تعلماً وطموحاً يجدن أنفسهن غير قادرات على العثور على الشريك الذي يريدنه في الوقت الذي يبحثن فيه عنه، وليس بسبب قلة المحاولة؛ إن نوع الرجال الذي يبحثن عنه –وهم متاحون للشروع في الحياة الأسرية ومستعدون للالتزام وعلى مستويات مماثلة من التعليم والطموح– ليس ببساطة متوفراً بأعداد كبيرة حسب الحاجة، فقد أشار الصحفي (جون بيرغر)، وهو مؤلف مشارك في أبحاث (إنهورن) حول تجميد البويضات وحفظها، إلى وجود تفاوت بين النساء الأمريكيات في كتابه Date-Onomics في الولايات المتحدة ككل، ففي الوقت الذي أجريت فيه أبحاث التجميد كان هناك 7.4 مليون امرأة أميركية متعلمة في الجامعات تتراوح أعمارهن بين 30 و39، ولكن فقط 6 ملايين من الرجال الأمريكيين حصلوا على تعليم جامعي.

الانتظار أو عدم الانتظار: ما الذي تفعله النساء في وجه التفاوت؟

كثيرون يتزوجون من أفضل الخيارات المتاحة، في الغرب قد يكون السبيل لهذا ما يعرف بالمواعدة عبر الإنترنت: ففي عام 2016 وجد مركز Pew للأبحاث أن 15٪ من البالغين الأمريكيين استخدموا تطبيقات المواعدة، فينتقل اللقاء عبر الإنترنت من ممارسة رومانسية إلى الاتجاه السائد المعروف بالزواج، وفي ثقافة ذات أغلبية مسلمة مثل إندونيسيا يتحول البعض إلى الخطّابات، أو إلى أحداث القيام باحتفالات مخصصة لإيجاد شركاء محتملين.

لكن الحل الأوسع لهذه القضية قد يكون بنقلة نوعية، كما يقول الأكاديميون، فقد يضطر كل من النساء والرجال إلى التفكير بشكل مختلف عن أدوار الجنسين وماذا يريدون من الزواج، تقول (سميث-هفنر) إن أحد الحلول الواضحة هو أن النساء والرجال والمجتمعات المحيطة بهم (بما في ذلك الشخصيات المؤثرة مثل الأهل) يجب أن يقبلوا فكرة أن تصبح المرأة المعيل الرئيسي للأسرة، ويمكن أن يشمل هذا التحول النساء المتزوجات من الرجال الأصغر منهن سناً أو الرجال ذوي التعليم الأقل، ولكي ينجح ذلك بالفعل ستحتاج المجتمعات إلى التغلب على أحكامها المسبقة، لكن بطبيعة الحال هناك مشاكل أخرى غير الحكم الاجتماعي. يتزوج الناس لكثير من الأسباب، ومن الصعب جداً تغيير رؤيا الشخص الذي يريد فقط التزاوج وفق ضوابط معينة غير اقتصادية أو تعليمية.

لذا فالوضع الأكثر شيوعاً هو الانتظار:

قد تكون تلك الحالة طويلة وعاثرة تضع فيها المرأة، وأحيانا الرجل، المرحلة التالية من حياتها معلقة لأنها غير قادرة على العثور على الشريك الذي تريده أو تتم إعاقة محاولاتها بالضرورات المالية. ليس الزواج الرسمي البنية الوحيدة التي يمكن أن تكوّن عائلة، إذ يختبر الناس بالتأكيد طرقاً أخرى للانتقال إلى المرحلة التالية من الحياة، كالقرار بعدم إنجاب الأطفال، أو تبنيهم وتربيتهم بطرق غير تقليدية.

غير أن العديد من الناس يريدون، إن لم يكن زواجاً، على الأقل ”شراكة تناسلية حقيقة وملتزمة جداً وغير متعددة الأطراف“ قبل أن يجلبوا الأطفال إلى هذا العالم، كما تقول (إنهورن): ”وإلى أن يتغير هذا المفهوم، وإلى أن يشعر الناس بالأمان أكثر عند كونهم آباء غير متزوجين … أعتقد فقط أن هذه القضية ستكون قضية عالمية“.

جاري التحميل…

0