اجتماعيات

لم يثير الإلحاد رعب الناس؟

لم يثير الإلحاد رعب الناس؟

كشفت دراسات مختلفة أن التفكير بالإلحاد يدفع الكثيرين للتفكير بالموت، حتى لو كان من يفكر بالإلحاد هم الملحدون أنفسهم.

عندما كتبت المؤلفة الملحدة ”غريتا كريستينا Greta Christina“ كتابها الأخير: ”الإعلان عن الإلحاد: كيف نفعل ذلك، وكيف نساعد بعضنا البعض، ولماذا“، لاحظت غريتا نمطاً مشتركا بين أكثر من 400 قصة جمعتها: وهو أن موضوع الموت يطرأ كثيرا.

تقول كريستينا: ”عندما يعلن شخص ما عن إلحاده (إلى المسيحيين، على الأقل)، فإن ردة الفعل الأولى في كثير من الأحيان هي إخباره عن الجحيم“، وتضيف: ”في بعض الأحيان تكون ردة الفعل عدائية، وتنبع من محاولة لتخويف الملحدين كي يعودوا للإيمان، وفي الكثير من الأحيان، تنبع ردة الفعل من خوف واهتمام حقيقيين، إنهم يعتقدون حقاً أن الملحدين سوف يحترقون في الجحيم، وهم لا يريدون أن يحدث ذلك لأناس يحبونهم“.

تسلط دراسة جديدة من قبل كوري كوك Corey Cook، بعنوان ”ماذا لو كانوا على حق حول الحياة الآخرة؟: دليل عن دور التهديد الوجودي في النظرة الإستباقية المعادية للملحدين“، الضوء على الظاهرة التي لاحظتها كريستينا. فيقول كوك، وهو طبيب مختص في طب النفس الاجتماعي في جامعة واشنطن: ”على الرغم من كون عدم الثقة في الملحدين أمرا ملحوظا جدا ويظهر في استطلاعات الرأي على مر السنين، ولكن ليس هناك الكثير من الشروحات التي توضح لماذا يُنظر إلى الملحدين بهذا المنظور من قبل المؤمنين المتدينين في الولايات المتحدة الأمريكية“.

تطرح دراسة كوري كوك فرضية يطلق عليها اسم ”السيطرة على الذعر“، والفكرة هي أن الوعي بالموت يمكن أن يجعل الناس مذعورين، ولكن هذه المخاوف تضعف نتيجة الإعتقاد الاجتماعي السائد بأننا جزء مهم من الكون، لتأتي معاداة الإلحاد ”كخطر وجودي ناتج عن التضارب في المعتقدات المتعلقة بنظرتنا إلى العالم“.

وقال كوك: ”لقد وجدنا أنه عندما فكر المشاركون بالإلحاد، أدى هذا لاثارة قلقهم من الموت بنفس مدى التفكير الفعلي في الموت“.

وقد واجه كوك إنتقادا يقول أنه من الممكن دفع الناس للتفكير بالموت بطريقة لا تهددهم ولا تؤلمهم كما تزعم فرضية السيطرة على الذعر، واعترف كوك بأن هناك بعضا من الصحة في هذا الإنتقاد، وأجاب أن التفكير في الموت بطريقة واعية ”يمكن أن يزيد من تقديرك للأشياء“، و”يمكن أن يكون شيئا عظيما“، مضيفا أن هناك 30 عاما من البحث لدعم هذا الرأي، ومع ذلك، ”هناك ردود فعل مختلفة للناس عند التفكير في الموت بقصد أو بدون قصد“.

ركزت دراسة كوك أكثر على الجانب اللاواعي، أو التفكير بالموت بدون قصد، وقد فعل ذلك باستخدام تجربتين مختلفتين أجريت مع الطلاب في كلية Staten Island في نيويورك، وذلك لتنوع التركيبة البشرية لطلابها.

في التجربة الأولى، والتي ضمت 236 طالبا (172 إناثا، و64 ذكورا، معظمهم من المسيحيين)، طلب من المشاركين كتابة: ”ما تعتقد أنه سيحدث لجسمك عندما تموت“، ثم ”صِف المشاعر التي تثيرها فيك فكرة موتك“، ثم تم سؤالهم عن مشاعرهم حول الملحدين، بما في ذلك تقييمهم جدارة الملحدين بالثقة.

وطلبت التجربة الثانية من 174 طالبا إما أن يصفوا المشاعر التي يشعرون بها تجاه موتهم أو ”أن يكتبوا، بشكل محدد، ما يعنيه الإلحاد بالنسبة لهم“، ثم يكملون مجموعة من الكلمات، والتي يمكن أن تقرأ إما على أنها كلمات محايدة مثل (”مهارة – Skill“) أو ككلمات مرتبطة بالموت مثل (”جمجمة – Skull“).

كانت تجارب كوك أكثر تحديدا من كونها مجرد حديث عشوائي عن الموت، حيث طالب بإجابات محددة وواضحة، ووفقا لفرضية السيطرة على الذعر، عندما يحدث ذلك، ”يبدي الناس إهتماما بمن يدعمونهم أو لا يعارضون نظرتهم للعالم، وينتقصون من قيمة الناس الذين ينظرون للعالم بشكل مختلف. عندما تبدو قيمك مهمة جدا لك فجأة فإن هذا من وعيك الباطن، فأنت لا تدرك أنها تبدو الآن أكثر أهمية مما كانت عليه قبل بضعة دقائق“.

من المثير للاهتمام، أن الملحدين في دراسته لم يكونوا في مأمن من هذه النتيجة. حيث يقول: ”وجدنا هذا التأثير حتى لو أضفنا ملحدين في دراستنا، لأنك كملحد، عليك أن تواجه سؤال ’انتظر دقيقة، ماذا سيحدث؟‘ الإلحاد يزيد من أفكار الموت حتى بالنسبة للملحدين“.

لم يثير الإلحاد رعب الناس؟

صورة: بن فرانسيس Ben Francis من فليكر

من الواضح أن هذه الدراسة ضربت وترا حساسا، لقد تم سؤال ”غاري لادرمان Gary Laderman“، وهو أستاذ التاريخ والثقافات الدينية الأمريكية في جامعة إيموري ومؤلف كتابين عن الموت في أمريكا، عن رأيه حول هذه الدراسة، ولم يبد متفاجئا بما توصلت إليه هذه الدراسة من نتائج، على الرغم من أنه وضعها في سياق أوسع برؤيته أشخاصا يشككون في معتقدات دينية قوية حول الموت، وقال: ”إن قوة المؤسسات [الدينية] والسلطات الثقافية التقليدية تتناقص حقا بطرق كثيرة، وأصبح الناس أكثر استعدادا لقبول احتمالات مختلفة عن الموت، ولكن الشيء الوحيد الذي لا يرغب معظم الناس في مواجهته هو ما نربطه مع الإلحاد، أي الفكرة القائلة بأنه لا يوجد شيء بعد الموت، ولا يوجد انتقال إلى أي نوع آخر من الحياة، وهذا ما يثير الإهتمام في الدراسة: أنها تصل إلى ما هو أبعد من الإعتقادات اللاهوتية الواضحة لتناقش أفكارا وجودية أساسية أكثر حتمية حول حياة الإنسان“.

إن الإعتقادات الشائعة حول كيف ومتى سنموت أيضا تحوم حولها [أي حول الاعتقادات] علامات استفهام كثيرة، تتحدث ”ميشيل بورشتاين Michelle Boorstein“، وهي مراسلة دينية لصحيفة واشنطن بوست، حيث ذكرت مثال القتل الرحيم في قولها: ”أعتقد أن لدينا المزيد من التحفظ في مجتمعنا حول فكرة مساعدة الناس لينتحروا، وفكرة أن الناس يقررون كيفية موتهم، وأعتقد أن هذا الموضوع يخلق المزيد من النقاش العام، نظرا لكوننا لا نتحدث عن (الموت) بما يكفي على أية حال“.

وتعتقد بورشتاين أنه من الممكن لكل هذه الأمور أن تعمل لصالح قبول متزايد للإلحاد، فتقول: ”عندما تنظرون إلى النسب المئوية للأشخاص الأكثر تأييدا للموت الرحيم والانتحار المساعد وكل الأمور من هذا القبيل، فإن هذا من شأنه أن يتحدى الفكرة السائدة بأن ”الله وحده يستطيع أن يقرر متى أموت“. أعتقد أنك عندما ترى الناس يفكرون أكثر حول ما يريدونه لنهاية حياتهم ويطرحون أسئلة من نوع ’لماذا‘، سيؤثر ذلك (إيجابيا) على مواقف الناس تجاه الملحدين لدرجة أنهم سيبدؤون في الإتفاق معهم على هذه القضايا“.

اللادينيون هي الشريحة الأسرع نموا من السكان الأمريكيين – في المرتبة الثانية فقط بعد الكاثوليك – ويشكلون ثلث البالغين تحت سن الثلاثين.

إن معظم اللادينيين يصفون أنفسهم بأنهم ليسوا ملحدين وكثيرون منهم يحافظون على اعتقادهم بوجود قوى خارقة للطبيعة، ولكن ما لا يمتلكونه هو الإنتماء الديني الذي يعلم بشكل صارم كيف يمارسون طقوس الدفن مثلا، أضف إلى ذلك أن ثلثي الأمريكيين الذين يدعمون الإنتحار بمساعدة طبيب، يحاولون الآن أن يسنوا تشريعات لإضفاء الشرعية على هذه الممارسة، أي ممارسة القتل الرحيم.

ومع ذلك، كما وضحت دراسة كوك، لا يزال هناك الكثير من الرفض حول الفكرة القائلة أن الموت هو نهاية كل شيء، لأن معظم الأميركيين لا يزالون يرغبون ويؤمنون بحياة أخرى بعد الموت، فكيف ينبغي للملحدين أن يزيلوا هذا القلق من عدم وجود حياة بعد الموت الذي يسيطر على كتير من الناس؟

أحد الطرق المهمة هو الطريق الذي اختاره ”كريستوفر هيتشنز Christopher Hitchens“، الذي قال في كتبه وخطاباته العلنية إن مفهوم الجنة بحد ذاته مبالغ فيه بشكل كبير، وفي عامي 2010 و2011، كتب بشكل صادق جدا عما عاناه في ”سنة من العيش على حافة الموت“ في سلسلة من المقالات لمجلة ”فانيتي فير Vanity Fair“ بعد أن تم تشخيصه بسرطان المريء، وتأثر هيتشنس بانتقاد صديقته القديمة ”جيسيكا ميتفورد Jessica Mitford“ لقطاع صناعة الجنائز في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تبرع بجثته لأجل العلم مع رفضه لفكرة الجنائز ككل – وهو موقف مبدئي، يستحق المزيد من الإهتمام.

هل سيتبع المزيد من الملحدين المثال الذي رسمه هيتشنز؟ هذا مرجح، فالموت يؤثر على الجميع، ويجب ألا نخجل من الخوض بشكل صريح في هذا الموضوع.

هل سيؤدي ذلك للكشف عن بعض الخلافات اللاهوتية؟ بالتأكيد. ومع ذلك، كبالغين – سواء كنا مؤمنين أم لا – علينا أن نكون قادرين على النظر إلى العالم من حولنا ومحاولة إجراء تقييم عقلاني لسلوك بقية البشر، فالخوف الذي يصيب العديد من المتدينين هو من العيش حياة واحدة لا يتبعها أي شيء يؤدي للخلود هو خوف في غير محله، خصوصا بالنسبة لمن يستطيع أن يتقبل هذه الفكرة.

المصادر

عدد القراءات: 4٬031