تطور

ماذا كان ليحدث لو أن الحيوانات أصبحت ذكية مثلنا نحن البشر؟

نمر بوجه انسان

لو أصبح كل نوع من الحيوانات على كوكب الأرض على نفس قدر ذكائنا نحن البشر فجأة، أكنا لنتفاهم ونتعاون فيما بيننا مثلما نتعامل نحن البشر فيما بيننا اليوم؟ (على الرغم من أن الخلافات والصراعات وحتى بعض الحروب أمر لا مفر منه)، أم كنا لنتقاتل إلى أن يظهر أحدنا وينتصر على الآخر؟

سننقوم في مقالنا هذا على موقع دخلك بتعرف بإستكشاف هذا السيناريو الإفتراضي المتعلق بالنجاة للنوع الأقوى والأذكى والأكثر قابلية على التكيف مع الظروف المستجدة.

في فيلم ”كوكب السعادين – Planet of The Apes“، يجد أحد الأشخاص نفسه فجأة على كوكب يحكمه نوع من الرئيسيات التي تتصف بذكاء حاد يضاهي في ذلك ذكاءنا نحن البشر، والتي استعبدت وحكمت كذلك مجموعة من البشر أيضا، يقول ”بيار بول – Pierre Boulle“؛ مؤلف الرواية الكلاسيكية التي صدرت في سنة 1963، والتي بنيت عليها أحداث الفيلم الآنف الذكر، أن روايته الكلاسيكية تلك صارت تندرج تحت فئة ”الخيال الإجتماعي“.

ماذا لو قمنا بتوسيع مفهوم تلك الرواية الخيالية قليلا، ماذا لو جعلناها لا تتضمن قردة تضاهي في ذكائها ذكاء البشر فقط، بل جعلناها تتعدى ذلك أكثر بكثير، ماذا لو تضمنت كل الأجناس والأنواع على الأرض؟ ماذا لو استيقظ كل حيوان في الأرض ذات صباح ووجد نفسه كائنا عاقلا مدركا لذاته تمام الإدراك؟ هل كانت الغلبة لتكون في صالح كائن واحد يحكم باقي الأنواع على الأرض تماما مثلما فعلنا نحن البشر؟ أم أننا وهذه الأنواع الذكية إفتراضا سنتوصل إلى نوع ما من التعايش السلمي المستنير؟

قد يبدو هذا مثل تجربة فكرية خرقاء (ذلك أن هذا الأمر مستحيل حدوثه) إلا أن استكشاف هذه المساءلة قد يكشف الستار عن بعض الحقائق المثيرة للإهتمام والمحبطة في آن واحد حول الطبيعة البشرية، وموقعنا كبشر وكنوع مهيمن على باقي الأنواع.

للأسف يستحيل أن تكون الإجابة الإفتراضية على هذه المساءلة الإفتراضية مرضية وجميلة، يقول في هذا الصدد عالم البيئة والسلوكيات ”إيناس كوتهيل – Innes Cuthill“ في جامعة ”بريستول“: ”الفوضى هي المصطلح الأكثر بساطة لوصف ما قد يحدث في هذه الحالة“، ويضيف: ”لا يجب أن نفترض أبدا أن يكون الذكاء هنا في هذه الحالة أمرا جيدا“.

الرئيسيات

قد تكون الرئيسيات بتفوقها البدني وإبهاماتها القابلة للإعتراض منافسا شرسا لنا نحن البشر – صورة: iStock

يقول في هذا الطرح كذلك الخبير في علم النفس التطوري ”روبن دنبار – Robin Dunbar“ في جامعة ”أوكسفورد“: ”لم يكن يوما فضول البشر وحبهم للسلام نقاطا إيجابية في طبعهم في سياق إلتقائهم بأشخاص جدد“.

يوافقه على ذلك اختصاصي علم النفس المقارن ”جوزف كول – Josep Call“ في جامعة ”القديس أندروز – Saint Andrews“ بقوله: ”إذا ما أمعنت النظر في التاريخ البشري؛ فسينتابك شعور بالتشاؤم حيال رغبتهم [أي البشر] في عقد الصداقات معك“، ويضيف: ”لربما أصبحنا الآن أفضل مما كنا عليه في السابق، لكن ألق نظرة حولك في العالم وقل لي إن كنت تعتقد أن هذا صحيحا“.

بإعادة النظر في سجلنا التاريخي الحافل بإبادة الأنواع الأخرى، وحتى أنفسنا، لا يوجد أي سبب للتفكير في كوننا أو أي نوع من الأنواع الذكية التي افترضناها سيتخذ تصرفات وسلوكات مغايرة، ومنه لا شك في أن اندلاع حرب عالمية ثالثة أمر محتوم. يقول الدكتور كوتهيل: ”نحن نتخذ ردات فعل سلبية جدا وفي غاية العدائية تجاه الغرباء وتجاه أي شيئ نعتبره مصدر تهديد“.

القرش

على الرغم من كونه مفترسا في غاية الشراسة والقوة، إلا أن مركز سيادة القروش الوحيد هو المحيطات – صورة: iStock

بإفتراض ذلك، من الذي ترجحه للفوز بهذه الحرب الإفتراضية الملحمية؟ بالطبع سيكون مصير الكثير من الأنواع الهلاك المحتوم، والتي لن تكون لها أدنى فرصة في النجاة، فعلى سبيل المثال، تحتاج الحيوانات العشبية لقضاء أوقات طويلة في تناول وهضم الأعشاب من أجل إكتساب القدر الكافي من الطاقة الذي يخول وظائفها الحيوية من العمل، مما يحدّ من الوقت الذي قد تستثمره في التواصل وإختراع الأدوات وبناء الثقافات، أو الإنخراط في معارك قتالية.

كما ستكون حظوظ مستهلكات البروتينات عالية جدا، أما القروش والدلافين وحيتان الأوركا القاتلة وغيرها من الكائنات البحرية ستكون خارج دائرة القتال ذلك أنها تعيش بمعزل في أعماق المحيطات؛ على الرغم من كون الكائنات القاطنة المحيطات قد تنخرط في صراعاتها الخاصة تحت الماء من أجل السلطة والسيطرة على بيئتها الخاصة كذلك.

ومنه تهلك كذلك كل الحيوانات التي لا تستطيع البقاء خارج بيئتها الخاصة وتفشل في السيطرة على العالم؛ كالحيوانات التي تتخذ من كل من المستنقعات، والغابات المطيرة، والصحاري بيئة لها؛ لشدة إعتمادها على بيئتها هذه في بقائها.

على المدى القصير، ستشكل جميع المفترسات الكبيرة الحجم تهديدا كبيرا لوجودنا وسيادتنا في العالم:

قد تكون حظوظ المفترسات كبيرة الحجم على شاكلة الأسود والنمور والدببة والذئاب وحتى غير المفترسات كالفيلة ووحيد القرن في انتزاع السيطرة على العالم منا نحن البشر أكبر مما تعتقد، وعلى طريقة فيلم ”جوراسيك بارك – Jurassic Park“؛ ستمثل هذه الكائنات أكبر تهديد لسيادتنا كبشر.

إذا ما تم رمينا في حقول السافانا ونحن حفاة عراة (كما كنا عليه في زمن مضى) سنتعرض لهزيمة نكراء بدون شك، لكن بإعتبار امتلاكنا للأسلحة الحديثة، وبإعتبار حقيقة أننا النوع الأكثر عددا من هذه المفترسات كلها مجتمعة، لا يمكن أن يسمح الذكاء الحديث والمفاجئ الذي افترضناه لهذه الكائنات لها أكثر من مجرد التفوق علينا في قليل من المعارك ومراوغتنا لوقت قصير فقط قبل أن نقوم بإبادتها كلها (وهو الأمر الذي نحن بصدد القيام به للعديد منها في أيامنا هذه للأسف)، تماما مثلما يقول ”أليكس كاسلنيك – Alex Kacelnik“ اختصاصي علوم البيئة والسلوكيات في جامعة أوكسفورد: ”في الحقيقة؛ أعتقد أننا سنهزمها شر هزيمة، سيكون النصر حليفنا دون شك“.

إلا أنه وبتنحي معظم آكلات اللحوم والمفترسات وخروجها من السباق، يظهر متسابق ومنافس جديد للبشر، والتي هي أقرب الرئيسيات إلينا.

تماما مثلما كان كوتهيل قد أشار إليه، نحن ندين لتقدمنا التكنولوجي لكل ما نحن عليه ولكل ما وصلنا إليه كجنس بشري اليوم، ومنه فإن الرئيسيات الأخرى ستشاركنا نفس القدرة على استغلال هذه التكنولوجيا، فبإمكان كل من قرود الشيمبانزي والبونوبو والغوريلات وإنسان الغاب (الأورانغوتانس) الولوج إلى حواسيبنا وإعادة توجيه أكثر أسلحتنا فتكنا ضدنا نحن، بينما تستمتع كذلك بلياقتها البدنية الفطرية التي جبلت عليها أجسادها أكثر من أجسادنا البشرية.

حتى أنهم قد يقومون؛ وفي وقت وجيز، بإنشاء تكنولوجيا فريدة خاصة بهم من خلال استغلالهم للأدوات البشرية لأغراضهم الخاصة.

صراع نمور

القوة البشرية الجسدية يرثى لها مقارنة بالعديد من الكائنات خاصة المفترسة منها – صورة: iStock

إلا أن قدرات أقرب الرئيسيات إلينا في القيام بكل ما سبق ذكره قد تكون رهنا لمقدرتها على قرصنة وإختراق معارفنا وعلومنا التي حصلناها على مر العصور، بما في ذلك كيفية استعمال التكنولوجيا، وطريقة الإنخراط في حرب رابحة، وكيفية فهمنا نحن (الأعداء) والكثير الكثير من المعلومات القيمة.

فاستغلال هذه الرئيسيات لكل هذا الكم من المعلومات لصالحها قد يكون مفتاح هيمنتها وسيطرتها علينا، إلا أنه قد يكون أمرا يستحيل عليها تحقيقه قبل أن ننال منها، يقول كول: ”إذا ما تم منحها كل تلك العلوم والمعلومات، بإمكاننا حينها أن نعلن التعادل بينها [أي الرئيسيات] وبيننا نحن البشر“، ويضيف: ”أما في حالة ما لم تتمكن من العلم البشري، ففي هذه الحالة؛ وعلى الرغم من كونها منافسا قويا، إلا أنها لن تصبح النوع المهيمن على الإطلاق“.

قد يجد البشر أنفسهم في مأزق كبير إذا ما تحتم عليهم مقاتلة البكتيريا الذكية:

مع القدر الكافي من الوقت، كانت القابلية على التكيف مع البيئة المتغيرة باستمرار والظروف القاسية أكثر الأسلحة قوة في معركة غزو العالم والسيطرة على جميع كائناته.

من المؤكد أن هذه واحدة من أكثر المهارات في قلب القدرة البشرية على غزو الأرض، فعلى الرغم من كوننا تطورنا من السهول المعشوشبة الدافئة إلا أننا سرعان ما توصلنا إلى طرق ووسائل مكنتنا من استيطان بيئات كانت مختلفة اختلافا جذريا مقارنة بأصولنا البدائية، وذلك من أعالي قمم الجبال وصولا إلى ”التندرا“ (التي هي منطقة مسطحة عديمة الأشجار وشاسعة المساحة ودائمة التجمد).

كما أن كثرة العدد تدخل كذلك في هذه المعادلة، ناهيك عن القدرة على التخفي وتجنب الأنظار.

بكلمات أخرى، تشير كل الأدلة إلى البكتيريا وبعض الجراثيم الأخرى التي سترث الأرض (على الرغم من أنها قد ورثتها اليوم في زمننا الحاضر).

لا، بالطبع لا تملك البكتيريا جهاز عصبيا، لذا فإن فكرة أن تصبح جنسا ذكيا هي فكرة أكثر تطرفا وغرابة من فكرة الكائنات المتعددة الخلايا الأخرى التي طورت ذكاء حادا مفاجئا وصارت من منافسينا نحن البشر على السيطرة على الأرض، إلا أن هذه الإستحالة هي نعمة كبيرة في حد ذاتها بالنظر إلى إنتشار البكتيريا في كل مكان على الأرض، يقول كول في هذا الشأن: ”إن البكتيريا في كل مكان، بما في ذلك داخلنا نحن بالذات“، ويضيف: ”قد تكون البكتيريا منافسا وخصما قويا جدا جدا“.

ويوافقه على هذا دنبار بقوله: ”لن يفاجئني تفوق أحد الكائنات الصغيرة“، ويضيف: ”حدسي هو أننا كنا لنقع فرائس لأشكال أكثر بدائية من الحياة، على غرار البكتيريا والفيروسات“.

يقول كول: ”قد يجد البشر أنفسهم في ورطة كبيرة إذا ما دخلوا في صراع مع بكتيريا ذكية، خاصة سيئة السمعة منها“، ويضيف كذلك: ”المشكلة تتمثل في أننا يستحيل علينا التخلص منها كلها، لأن بعضها ضروري جدا لبقائنا واستمرارنا“.

فيل في غرفة معيسة

أيّ من الحيوانات من شأنه أن يرث الأرض؟ – صورة: iStock

وحتى لو تم إبادة الجنس البشري، ستستمر الصراعات والنزالات، فلا يوجد أي سبب يدفعنا للإعتقاد بأن أي نوع من الحيوانات على قدر ذكاء الهوموسابيان سيتخذ سلوكات مغايرة لسلوكاتنا، ويتصرف بطريقة تختلف عما كنا نحن البشر لنتصرف عليه بالنسبة لاستغلال الكائنات الأخرى والموارد.

ومنه، قد تخرج الأمور عن السيطرة وتتقاتل تلك الأجناس والأنواع المختلفة مع بعضها البعض، يقول كاسلنيك: ”تذكر أن الحيوانات لا تقوم بحل المشاكل من أجل المصلحة العامة لنوعها“، ويضيف: ”فهي تتنافس داخل مجموعة جنسها لاستغلال أبناء جلدتها، أو حتى أفراد عشائرها وعائلاتها“.

ومن خلال ما سبق نستنتج أن الوضع قد ينتهي بشكل سيئ للغاية بالنسبة للجميع، فبإنتهاء أنواع وانقراضها، يسقط بسقوطها النظام البيئي، تاركا وراءه الكائنات الأقوى فقط من البكتيريا والصراصير وربما الجرذان أيضا لترث الأرض.

وحتى ذلك الحين، لن ينزوي العالم لنوع من السلام الفاصل بعد هذا ”الأبوكاليبس“، مثلما يقول كوتهيل: ”مهما كان النوع المنتصر والمتبقي على الأرض، فهم سيقومون على الأرجح بالفتك بالكوكب تماما مثلما فعلنا نحن البشر؛ وما زلنا نفعله“، ويضيف: ”لا أرى أي سبب للتفكير في أن أي جنس آخر غيرنا نحن البشر سيكون أكثر عقلانية عنا، فالتوازن في الطبيعة الذي نلاحظه هو موجود فقط لوجود توازن في القوى“.

المصادر

عدد القراءات: 3٬437