in

ردود الأفعال التي أحدثها كتاب «أصل الأنواع» لتشارلز داروين عند نشره لأول مرة قبل 161 سنة

لم يكن العالم (تشارلز داروين) أول من اقترح فكرة وجود علاقة بين الإنسان والأنواع الأخرى من الكائنات، كما لم يكن أول من اقترح أن الأرض وسكانها قد تغيروا وتطوروا، ولا زالوا في طريق التطور مع تطور الزمن، ففي سنة 1844، نُشر عمل ثوري تحت عنوان «آثار التاريخ الطبيعي للخلق» في إنجلترا، وجاء مقترِحاً فكرة تحول الأنواع وتغيرها. كانت طبيعة الكتاب نظرية تخمينية، وكان مكتوبا بطريقة جعلت من السهل على الجميع قراءته، حتى بالنسبة لمن لا يملك أية خبرة أو خلفية علمية.

أصبح هذا الكتاب ذا شهرة بين المجتمع اللندني على الرغم من أن المتحفظين هاجموا بشراسة محتوياته، خصوصاً المنتمون للكنيسة الأنغليكانية، التي كانت آنذاك تتحكم في مقاعد الدراسات العليا في بريطانيا العظمى.

تشارلز داروين حوالي سنة 1855.
تشارلز داروين حوالي سنة 1855. صورة: Wikimedia Commons

كان (داروين) أول من اقترح فكرة تغير الأنواع وتحولها عبر عملية أطلق عليها اسم «الانتخاب الطبيعي»، مما قدم ”الخلق“ على أنه عمل مستمر لا يتوقف، وقدم نظريته بناء على ملاحظات أجراها خلال رحلة (بيغل)، وتجاربه التي أجراها بناء على أعمال علمية سابقة.

مع نشر كتابه المثير للجدل بعنوان «في أصل الأنواع»؛ أثار (داروين) جدلاً داخل المجتمعات العلمية والدينية، وهو جدل مازال مستمراً إلى يومنا هذا. كان ومازال يحتفى به ويمدحه البعض وينتقده البعض الآخر بشراسة.

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف»، وضعنا لكم بعض الأحداث التي تلت نشر كتاب «في أصل الأنواع عبر الانتخاب الطبيعي» لأول مرة.

كانت ردود الأفعال الأولى تجاه أعمال (داروين) خافتة:

ظهرت أعمال (داروين) الثورية في المجال العلمي بعنوان «في أصل الأنواع» أول مرة في سنة 1859. صورة: Wikimedia Commons
ظهرت أعمال (داروين) الثورية في المجال العلمي بعنوان «في أصل الأنواع» أول مرة في سنة 1859. صورة: Wikimedia Commons

أصدر (داروين) عمله المثير للجدل حول نظرية التطور ليطلع عليه الناس ويقرؤوه في 22 نوفمبر سنة 1859 في بريطانيا العظمى، بيع الإصدار الأول بسرعة البرق، وسرعان ما بدأ (داروين) العمل على إصدار ثانٍ، مع بعض التصويبات والتعديلات عليه، كما أضاف عليه بعض التعليقات التي تلقاها من الروائي والعالم الإنجليكاني (تشالرز كينغسلي)، الذي مدح أعماله تلك، وكتب له قائلاً: ”لو أنك تكون على حق يجب علي أن أتخلى عن الكثير مما كنت أؤمن به“، وأضاف فيما يتعلق بطبيعة الخلق والتطور: ”تماما مثل مفهوم نبيل عن الله، من الرائع الإيمان بأنه خلق أشكالاً بدائية وجعل لها القدرة على التطور الذاتي“.

وفي المراجعات النقدية الأدبية ظهر إلى السطح موضوع انحدار الإنسان من القرد، وهي نظرية لم يتضمنها عمل (داروين) الأصلي، على الرغم من أن التشابه كان من السهل تحديده. في تلك الأزمنة، كان من الشائع ظهور المراجعات الأدبية مجهولة الهوية، وخلف تلك العباءة من عدم الإفصاح عن الهوية راح الكثير من المعلقين يعبرون عن سخطهم.

كان الجدل حيال ”الداروينية“، مثلما راح معارضو نظرياته يدعونها، في بريطانيا جزءا من جدل جارٍ حول فصل تعليم جميع فروع العلم عن قبضة الكنيسة الإنجليكانية، وتحرير مقاعد التعليم العالي من سيطرتها.

تجادل العلماء لزمن طويل حول أصل الأنواع وتطورها عن طريق الانتخاب الطبيعي:

نشر عالم النباتات (آزا غراي) أعمال (داروين) في أمريكا.
نشر عالم النباتات (آزا غراي) أعمال (داروين) في أمريكا.

لطالما اعتبر (تشارلز داروين) على أنه أول من اقترح فكرة التطور، غير أنه لم يكن كذلك. في الواقع طرحت فكرة تطور الأنواع في اليونان القديمة قبل عصر سقراط، وقد كان الفلاسفة والعلماء آنذاك قد صنفوا الأنواع في طريقة هرمية خلال قرن من الزمن، غير أن جميعهم كان قد صنف الأنواع بشكل منفصل، وكأنها لا تربطها ببعضها البعض أية صلة.

طاف الجدل حول (داروين) بشكل أساسي بناء على نظريته التي تتعلق بالانتخاب الطبيعي، والتي تحدد نجاة الأنواع وبقائها بناء على قدرتها على التطور والتحول والتغير، ومنه كان الانتخاب الطبيعي قد أزال عمل ويد الذات الإلهية عن خلقه.

في الولايات المتحدة الأمريكية، نشرت أعمال (داروين) من طرف (آزا غراي)، وهو عالم نباتات أمريكي. ظهرت أعمال (داروين) في أمريكا قبيل الحرب الأهلية التي كانت تمزقها مواضيع جدلية على شاكلة شرعية العبودية والمساواة بين الأعراق، وقد تلقاها المجتمع الأمريكي في ضوء هذه المواضيع.

رحبت الجامعات الشمالية بشكل واسع بنظرياته حول الانتخاب الطبيعي، بينما رفضها الجنوب رفضاً قاطعاً بناء على وجهات نظر دينية، وذلك لأن أعماله كانت توحي بأن جميع الأعراق كان لها أصل واحد مشترك.

في الجنوب الأمريكي، تم تقديم ”الداروينية“ على أنها منافية للأخلاق:

تصوير (داروين) على أنه قرد، من مجلة هزلية هجائية في سنة 1871.
تصوير (داروين) على أنه قرد، من مجلة هزلية هجائية في سنة 1871.

في الجنوب الأمريكي، رفض الأمريكيون الإنجيليون نظريات (داروين) رفضاً قاطعاً، ووصفوها بأنها رفض غير أخلاقي لخلق الله مثلما كتب في سفر التكوين. كانت حججهم مبنية على تفاسير أدبية وحرفية أحياناً للإنجيل الذي كان يعتبر غالبا داعماً للعبودية. كان الإنجيليون أيضاً قلقين من أن أي رفض كان لأي من قصص الإنجيل، مثلما قامت به نظرية الانتخاب الطبيعي لقصة الخلق، سيجعل من بقية الإنجيل غير دامغ كقاعدة لسن قوانين الحياة.

كان رفض النظريات التي بنيت على سجلات أحفورية عثر عليها بحلول منتصف القرن التاسع عشر محصوراً على قلة قلائل: وهم رجال الدين وبعض العلماء الذين اتفقوا على أن أيام الخلق الستة المذكورة في الكتب المقدسة إنما هي ليست أياماً بأربعة وعشرين ساعة بالضرورة.

كانت ”الداروينية“، مثلما أحب خصوم داروين تلقيب نظرياته، أساس النقاشات التي طفت للسطح حول العبودية، والحقوق المدنية، وحقوق عشائر الأمريكيين الأصليين، وحقوق المرأة، وبعض المشاكل الاجتماعية الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية منذ زمن إصدار (غراي) لأصل الأنواع في أمريكا. كان الجدل في معظمه يدور حول الدين مبنيا على تفاسير للكتاب المقدس، وقد كان المجتمع العلمي قد تقبل عمل (داروين) وعمل على توسيعه وتطويره.

كان (داروين) متفاجئاً من الشعبية التي حظي بها عمله بين عامة الناس:

عمل ساخر آخر في حق أعمال (داروين).
عمل ساخر آخر في حق (داروين).

أراد (تشارلز داروين) من عمله أن يكون موجها لمعشر العلماء والمجتمع العلمي، وقد أعرب عن تفاجئه لأن عمله أصبح ذا شعبية عند شريحة قراء أوسع، خاصة في أمريكا. بعد أن علم من (غراي) بالطريقة التي تلقى بها الأمريكيون عمله، كتب (داروين) في رده له: ”لم أحلم يوما بأن يكون كتابي بهذا القدر من الشعبية بين القراء من عامة الناس“. وفي بريطانيا العظمى، كان الكتاب أيضاً مفاجأة لـ(داروين)، وذلك فيما يتعلق بردة فعل المجتمع الديني تجاهه.

لم تكن بريطانيا العظمى آنذاك تحظى بمجتمع من الأصوليين بحجم مجتمعهم في الولايات المتحدة، وقد اتخذ الجدال الديني في أوروبا نبرة مختلفة عن تلك في الجهة المقابلة من المحيط الأطلسي. في بريطانيا العظمى، كان الجدل يتمحور حول فصل التعليم العلمي عن الكنيسة الأنجيليكانية. وكان (طوماس هكسلي) من قادة الطرح الداعم لهذا التعديل، وقد كان قد سنّ بضعة كلمات للإشارة لكل عالم قام بتعليق آرائه ومعتقداته الدينية أثناء دراسة شؤون علمية، وهو اسم ”الاأدرية“، وبالنسبة له كانت اللاأدرية تعني أنه: ”يجب على المرء اتباع المنطق حيثما يأخذه، دون اعتبار أي أمر آخر“.

تلقى الملحدون عمل (داروين) بصدر رحب، على الرغم من أن هذا الأخير لم يكن ملحداً علناً:

لم تعارض الكنيسة الكاثوليكية والبابا (بيوس) التاسع عمل (داروين):
لم تعارض الكنيسة الكاثوليكية والبابا (بيوس) التاسع عمل (داروين):

ربما بإمكاننا فهم السبب الذي جعل الملحدين يرحبون بالدلائل العلمية التي شككت في المعتقدات الأساسية القبلية للإنسان حول طريقة قدومه للوجود، ومن بين الملحدين الداعمين لـ(داروين) منذ إصداره لأصل الأنواع نذكر عالم النباتات وعلم فراسة الدماغ (هيويت واتسون)، الذي عمل كذلك بشكل مكثف مع (داروين) مانحا بيانات ونتائج تجارب دراساتهما معاً. أصبح (واتسون) لاحقاً من أوائل العلماء الذين اقترحوا أن لكلا شقي الدماغ الأيسر والأيمن أدواراً مختلفة.

كان جميع الملحدين والمشككين في صحة الأديان ووجود إله متحمسين في ردة فعلهم تجاه نظرية (داروين) حول الانتخاب الطبيعي. في الولايات المتحدة الأمريكية، اعتبر الأصوليون أن كل شخص يدعم آراء ونظرية (داروين) مهرطقاً.

على عكس المعتقد السائد، لم تعارض الكنيسة الكاثوليكية آراء (داروين) ولم تدنها، بل اختارت أن تتقبل المفاهيم والمبادئ التي أتى بها فيما يتعلق بتطور الإنسان والكائنات، لكنها اختارت كذلك تجاهل مفهوم الانتخاب الطبيعي، وقد سمح موقع الكنيسة من هذا الأمر للكاثوليكيين أن يتقبلوا هذا العلم الجديد دون أن يشعروا بالإخلال بإيمانهم بالضرورة في خضم ذلك.

بداية الجدال حول أصل الإنسان والقرد:

لم يصف (داروين) بشكل خاص أن الإنسان ينحدر من القرد في كتابه ”في أصل الأنواع“.
لم يصف (داروين) بشكل خاص أن الإنسان ينحدر من القرد في كتابه ”في أصل الأنواع“.

لو تتصفح كتاب ”في أصل الأنواع“ لن تجد أي تصريح مباشر يقول بأن البشرية انحدرت مباشرة من القردة، أو من أي نوع آخر. غير أن هذا كان أمراً سهل الاستنباط، وقد لجأت إليه بعض الجهات من أجل دحض أعمال (داروين) بشكل عام.

عندما نشر كتابه، أبعد (داروين) نفسه عن هذا الجدل وعن الهجمات المسعورة على عمله وشخصه من طرف رجال الكنيسة. كان (داروين) يرد على النقد العلمي الذي يطال عمله العلمي فقط ولم يكن يرد على كل من ينتقده من باب الدين.

على الرغم من ذلك، كانت وجهات النظر العامة من غير المتمرسين في العلوم مقولبة من طرف ما كانت تسمعه من منابر رجال الدين. كان (داروين) عاجزاً عن الدفاع عن عمله في حلبة الدين، وهو أمر تركه لمناصريه للقيام به. حتى زمن إصدار النسخة السادسة من كتابه المثير للجدل —والنسخة الأخيرة في حياته— لم تظهر عبارة تقول بأنه يؤمن بأن الإنسان ينحدر من القردة، وفي بريطانيا العظمى، ظل هذا الجدال قائما بين الدين والعلم، بينما بلغ في الولايات المتحدة ذروته.

تقبل معظم العلماء نظرية (داروين) حول التطور والانتخاب الطبيعي:

كان استخدام (داروين) للمنهج العلمي واكتشافاته الموثّقة بصورة دقيقة للغاية هي ما قاد المجتمع العلمي لتقبل أعماله بشكل واسع.
كان استخدام (داروين) للمنهج العلمي واكتشافاته الموثّقة بصورة دقيقة للغاية هي ما قاد المجتمع العلمي لتقبل أعماله بشكل واسع.

بحلول نهاية القرن العشرين، وداخل المجتمع العلمي تقبل تقريبا جميع العلماء نظرية (داروين) حول التطور والانتخاب الطبيعي —حوالي 87 في المائة من العلماء—. لكن بين مجتمع العامة في الولايات المتحدة كانت نسبة 31 في المائة من الناس مازالت تؤمن بقصة الخلق في سفر التكوين في الكتاب المقدس، بينما رفضت نسبة 22 في المائة أخرى نظريته فيما يتعلق بالانتخاب الطبيعي فقط ودعمت فكرة أن الله هو من كان يوجه التطور. بكلمات أخرى، بعد 150 سنة من شرح (داروين) لنظرية التطور والانتخاب الطبيعي، كان نصف الأمريكيين مازالوا يرفضونها.

كان (داروين) قد نقد المسيحية في سيرته الذاتية:

صورة من كتاب (داروين) يعنوان: ”انحدار الإنسان“:
صورة من كتاب (داروين) يعنوان: ”انحدار الإنسان“:

كان (تشارلز داروين) قد ألف سيرته الذاتية التي لم تنشر إلا بعد موته. قبل نشر سيرته الذاتية، كانت أرملته وابنه قد حذفا الكثير من تعليقاته حول الدين المسيحي، وذلك من أجل حفظ سمعته وحماية إرثه من هجمات أخرى على شخصه. لقد كان ذلك مجهودا عديم الجدوى، حيث أعيدت التعليقات المحذوفة من سيرته إليها مجددا في سنة 1958، والتي كتب في أحدها: ”لا يمكنني فهم بأي طريقة من الطرائق كيف أن يتمنى أحدهم أن تكون المسيحية حقيقية وصحيحة“.

في سنة 1915، وكجزء من حركة مسيحية إنجيلية لدحض (داروين) وأفكاره وعلم التطور، ادعت امرأة تدعى (إليزابيث كوتون) أنها زارت (داروين) وهو على فراش موته حيث اعترف لها سرا بأنه ندم ندما شديدا على نشره لنظرية التطور والانتخاب الطبيعي وأنه تحول إلى الديانة المسيحية وتاب عن خطاياه.

غير أن عائلة (داروين) نفت هذه القصة نفيا تاماً، وهي قصة ظل خصومه المتدينون يرددونها حتى القرن الواحد والعشرين، وفي سنة 1934، علق آخر أبناء (داروين) على قيد الحياة وهو (ليونارد) على قصة المرأة الآنفة بأنها: ”خيالية بشكل خالص“، غير أن الكثير من ”الخلقيين“ مازالوا يرددونها إلى يومنا هذا.