اجتماعيات

هل كان الإستعمار الأوروبي للمنطقة العربية أمراً إيجابياً أم سلبياً؟

الإستعمار الأوروبي للمنطقة العربية

واحدة من النقاط المثيرة للخلاف بشكل كبير في الأوساط العربية خاصة وفي أوساط دول العالم الثالث عموماً هي قضية الانتداب، فخلال القرون الماضية وبالوصول لمنتصف القرن العشرين كانت الدول الأوروبية عموماً تمتلك امبراطوريات كبرى ممتدة حول العالم، فبينما سيطر الفرنسيون على شمال غرب إفريقيا وإفريقيا الوسطى ولمدة وجيزة على بلاد الشام، سيطر الإنجليز على مصر والخليج والعراق ضمن إمبراطورتيهم التي لا تغيب عنها الشمس والممتدة في جميع قارات العالم المعروف.

خريطة الاستعمار الاوروبي على الدول العربية

ومع أن الاستعمار وسياسة الانتداب عموماً لم تكن حصرية على الفرنسيين والبريطانيين، وشارك فيها الإسبان والبرتغاليون وحتى الألمان والبلجيكيون، فالانتدابان الأهم للمنطقة العربية هما الأولان فقط، فكل من فرنسا وبريطانيا تقاسمتا جميع مساحة المنطقة العربية تقريباً (سوى ليبيا التي كانت تحت الانتداب الإيطالي) وعلى الرغم من الانتداب امتد لعقدين ونصف فقط في الشام مثلاً، فقد استمر لقرون في مناطق أخرى وخلال هذا الوقت ترك آثاراً كبيراً على المنطقة بعضها إيجابي وبعضها سلبي مع خلاف كبير حول إيجابية وسلبية هذه الآثار.

الآثار السلبية للانتداب الأوروبي

كما أي امبراطورية سابقة للإمبراطوريات الأوروبية الحديثة، فأي أفعال كانت تحدث لم تكن لأغراض خيرة أو شريرة حقاً، بل كانت لغايات توسعية واقتصادية بالدرجة الأولى والأمور الأخرى تأتي كأعراض جانبية لهذا التوسع، ومع كون الشعوب تميل للبقاء على حالها بدلاً من الخضوع لحكم جديد وخصوصاً في حال كان حكماً أجنبياً، فتوسع الامبراطوريات الأوروبية لم يجرِ بسلاسة تامة بل تضمن الكثير من الحروب والنزاعات وغيرها.

على أي حال، فأبرز هذه النواحي السلبية تضمنت ما يلي:

– الأعداد الكبيرة من القتلى في الحروب والثورات:

السيطرة على منطقة جغرافية مأهولة يتطلب في معظم الحالات حدوث القتال والمعارك، وكما هي الحالة العامة فالفتح يكون بالجيوش وهذا ما فعله الأوروبيون الذين أسسوا إمبراطوريتهم كما فعل قبلهم العثمانيون والعرب والفرس والرومان والعديد من الامبراطوريات الأخرى. هذه المعارك والحروب التي كانت تمتد لأعوام أحياناً تعني أن العديد من سكان البلاد قتلوا أو أصيبوا أو أسروا على يد القوات المحتلة مما تسبب بطبيعة الحال بخسائر بشرية كبيرة.

صورة من الثورة الجزائرية

صورة من الثورة الجزائرية

وعلى الرغم من أن الحروب أحد الأسباب الرئيسية لأعداد الضحايا الكبيرة، فغالباً ما تخلف الثورات أعداد ضحايا أكبر خصوصاً مع غياب التكافؤ العسكري عادة بين المُستعمِر والمستعمَر. فالثورة الجزائرية مثلاً والتي أسفرت عن استقلال الجزائر لاحقاً عام 1962 تركت خلفها أكثر من 300 ألف قتيل بين الجزائريين (وفق الفرنسيين، حيث يدعي الجزائريون عادة أن العدد وصل حتى مليون ونصف) لتكون واحدة من أكبر الكوارث البشرية التي حلت بتلك البقعة الجغرافية عبر تاريخها.

بطبيعة الحال فالضحايا لم يكونوا نتاج الحروب والثورات وقمعها فقط، بل أن الاغتيالات السياسية وإعدام من يفكرون بالانفصال عن دولة الانتداب أو إزالة نفوذها كانت تصرفات شائعة بشكل كبير كونها واحدة من الأمور الأساسية للحفاظ على حكم الأقاليم البعيدة بالنسبة للإمبراطوريات. هذا بالطبع يضاف إلى الموت الناتج عن المجاعات والشح الاقتصادي الناجم عن سياسة استغلال الموارد من قبل الأوروبيين.

– استغلال الموارد والعمالة الرخيصة للمستعمرات:

لطالما كان الدافع الأساسي خلف توسع الامبراطوريات عبر التاريخ هو الموارد الرخيصة عموماً وطرق التجارة كذلك، فسيطرة الامبراطوريات على المزيد من الأقاليم كان يعني المزيد من الرخاء الاقتصادي للأرض الأم كون الموارد الطبيعية وعائدات الضرائب والجمارك على الطرق التجارية عادة ما كانت تعود للحكومة المركزية، أو أنها كانت تسهل غاياتها التجارية والتسويقية على الأقل، وحتى في المجال العسكري، فتجنيد السكان كان أوفر مالياً لأي مستعمر من الاعتماد الكامل على الجنود القادمين من الأرض الام.

شركة الهند الشرقية كانت تمتلك نفوذاً قوياً كفاية لتصك عملتها الخاصة

شركة الهند الشرقية كانت تمتلك نفوذاً قوياً كفاية لتصك عملتها الخاصة

الاستغلال الاقتصادي للموارد كان يتم عبر حصر استخراج المواد الثمينة كالموارد الجوفية المتنوعة بحكم الانتداب فقط أو بشركات تنتمي للأرض الأم حصراً، مع كون ريع هذه الثروات يعود بالدرجة الأولى للمستعمر لا للسكان الأصليين للمستعمرة، هذا الأمر يعني بطبيعة الحال ازدياد ثراء الدول المستعمرة مقابل بقاء المستعمرات على حالها السابق أو انحدارها اقتصادياً، وعلى الرغم من أن بعض النمو الاقتصادي كان يحدث في بعض المناطق، فقد كان مقيداً ومحدوداً مقارنة بالنمو الاقتصادي الممكن دون استغلال الموارد من ثبل المستعمر.

بعض من أوضح الأمثلة على استفادة المستعمرين من مستعمراتهم كانت شركة الهند الشرقية التي امتلكت حقوقاً حصرية لبيع العديد من المنتجات والتجارة بها ولعل أهمها الشاي الذي كان يعد مادة ثمينة جداً خلال القرن التاسع عشر وقبله. بالإضافة لذلك فشركة قناة السويس مثلاً جلبت الكثير من الأرباح للجزر البريطانية على حساب المصريين الذين لم يكونوا يحصلون سوى على نسبة من أرباح القناة المهمة فقط على عكس الحال اليوم حيث باتت القناة أهم دعامات الاقتصاد المصري.

– استغلال المستعمرات كأسواق كبرى للمنتجات:

مع الثورة الصناعية الكبرى في أوروبا، باتت المجتمعات الأوروبية قادرة على إنتاج كميات أكبر من المواد، ومع الوقت تشكل فائض كبير من المنتجات التي يعد تسويقها صعباً ضمن القارة الأوروبية بسبب النزاعات والخلافات الكبيرة بين الدول، مما جعل المستعمرات الواسعة مكاناً مثالياً لبيع هذه المنتجات خصوصاً في لمناطق ذات الكثافة السكانية العالية حيث يمكن الحصول على أرباح كبيرة مع كون هذه الأسواق أصلاً مغلقة وشبه حصرية لمنتجات المستعمر فقط.

ساحة المرجة في العاصمة السورية دمشق أثناء الانتداب الفرنسي

ساحة المرجة في العاصمة السورية دمشق أثناء الانتداب الفرنسي

بطبيعة الحال فالتجارة التي نقلت البضائع الأوروبية إلى الأسواق الآسيوية والإفريقية حملت معها الكثير من تحسين المستوى التقني ونقل الصناعة الأوروبية وأساليبها حتى على هذه البلدان التي كانت تعتمد صناعات قديمة جداً، لكن دخول التقنية والصناعة لهذه البلدان لم يكن بشكل مجاني، بل أنه حمل معه انتقالاً معاكساً للثروة والمال والمواد النفيسة من المستعمرات إلى المستعمرين، وفي العديد من الحالات ساهمت السياسات الاحتكارية للمستعمرين بخنق المنافسة والتسبب بفقر متزايد وضعف اقتصادي مستمر ضمن المستعمرات.

لا يمكن معرفة مقدار الفوائد الفعلية التي تم جنيها من هيمنة القوى الاستعمارية على أسواق مستعمراتها، لكنها ساهمت بشكل كبير بإعادة هذه القوى إلى مكانتها الاقتصادية السابقة بعد الحروب، فالأسواق الإفريقية ساعدت فرنسا بشكل كبير على تعويض خسائرها وديونها الناتجة عن الحرب العالمية الثانية خصوصاً مع كون البلاد كانت قد سقطت بأيدي الألمان النازيين لفترة من الوقت خلال الحرب.

– الحدود المرسومة بالمسطرة، والاضرابات الأهلية الناتجة:

الحدود بين سوريا والعراق والأردن والسعودية أو الحدود بين مصر والسودان وليبيا مثال بسيط على الحدود المرسومة بالمسطرة

الحدود بين سوريا والعراق والأردن والسعودية أو الحدود بين مصر والسودان وليبيا مثال بسيط على الحدود المرسومة بالمسطرة

مع قدوم الحرب العالمية الثانية ونهايتها باتت القوى الاستعمارية التقليدية وبالتحديد فرنسا وبريطانيا في موقف حرج للغاية، فمع الخسائر الكبرى التي تعرضت لها نتيجة الحرب ضد النازيين في ألمانيا وجد الفرنسيون والبريطانيون أنفسهم مرغمين على التخلي عن العديد من مستعمراتهم السابقة التي لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف السيطرة عليها، مع كون عائداتها باتت تنحدر بشكل تدريجي عدا عن المعاداة الشعبية للحروب بعد الدمار الكبير الناتج عن الحرب الأخيرة حينها.

الانسحاب السريع والمفاجئ للقوات الأوروبية من المستعمرات تسبب برسم حدود غريبة بين البلدان المختلفة، فالتقسيمات غالباً ما لم تكن منطقية أصلاً مع الكثير من الخطوط الحدودية المستقيمة تماماً والحدود المرسومة دون وجود حدود جغرافية، عدا عن التنوعات الأثنية والدينية الكبيرة ضمن المناطق المقسومة والخصومات الناتجة بين البلدان المستحدثة، عدا عن حالات انقسام المدن أو العائلات حتى حيث باتت العديد من العائلات مقسومة وفقاً لجنسيتين مختلفتين لأبنائها تبعاً لمكان سكنهم.

المشاكل السكانية الموروثة من الاستعمار متعددة للغاية، فالهند مثلاً عانت من أمواج عنف كبرى بين المسلمين والهندوس والسيخ، كما أن استقلال باكستان عن الهند والخلاف على إقليم كشمير صنع واحدة من أكبر العداوات الموجودة اليوم خصوصاً مع كون كل من الجارين المتخالفين يمتلك أسلحة نووية.

في المنطقة العربية ظهرت العديد من المشاكل المتعلقة بالقوميات والحدود الوطنية والهويات حتى، فالتقسيم الأوروبي مثلاً حرم الأكراد من وجود كيان مستقل لهم موزعاً إياهم على أراضي 4 بلدان مختلفة، كما أن تقسيم لبنان وسوريا خلف توترات مستمرات على الصعيد الحكومي والشعبي كذلك، وخصوصاً مع التدخل السوري بالحرب الأهلية اللبنانية ودخول الجيش السوري إلى لبنان كذلك.

ربما أهم المشاكل الناجمة عن الانسحاب السريع للقوات الأوروبية هو الأمر الذي تعاني منه المنطقة حتى اليوم: الصراع العربي الإسرائيلي. فالأرض التي تشكل أراضي فلسطين وإسرائيل اليوم لم تكن يوماً كياناً مستقلاً عن محيطه، ولطالما امتلكت تركيبة سكانية مختلفة بشكل كبير عن معظم المناطق الجغرافية المحيطة، حيث كانت المكان الوحيد الذي يشكل تجمعاً كبيراً لليهود في الشرق الأوسط، ومع هروب العديد من يهود أوروبا من آلة لحرب النازية إلى أرض فلسطين، تم خلق عدم اتزان ديموغرافي أدى إلى صراع أسفر عن عدة حروب وتوتر موجود حتى الآن، وربما كان من الممكن إيقافه أو تقليل أثره بقيام بريطانيا برسم الحدود بين مناطق اليهود والعرب بنفسها بدلاً من ترك الأمر بالشكل الحالي الذي أنتج واحدة من أسوأ مناطق النزاع المستمر في العالم.

الآثار الإيجابية للاستعمار الأوروبي على المستعمرات

على الرغم من أن النظرة للاستعمار غالباً ما تكون سلبية بشكل كامل، وبالأخص من قبل الوطنيين والقوميين الذين يرونه كالشر المطلق وكثيراً ما يلومونه على كل ما يصيب البلاد من خراب أو أذى بغض النظر عن الأسباب الحقيقية، فالاستعمار الأوروبي امتلك العديد من الآثار الإيجابية على مستعمراته، وسواء كانت هذه الآثار مقصودة أو مجرد أعراض جانبية، فلأي مفكر حيادي لا يمكن تجاهل النقلة الكبيرة التي أحدثتها الأنظمة الاستعمارية في بلدان العالم الثالث.

عند بداية الاستعمار الأوروبي لآسيا وإفريقيا كانت الفروق الحضارية والعلمية موجودة وواضحة بطبيعة الحال، لكن هذه الفروق على الرغم من كبرها سرعان ما تقزمت مع الثورة الصناعية الأوروبية التي أعطت للأوروبيين أفضلية كبرى على الشعوب الأخرى سواء من النواحي العلمية والاقتصادية، أو حتى ميزان القوة العسكرية والقدرة على الإنتاج وتطوير التقنيات الأحدث.

هذا الفارق الحضاري الكبير فرض استفادة الأطراف الأضعف (المستعمرات) من الطرف المتقدم بمراحل وهو القوى الأوروبية. عموماً يمكن تلخيص النتائج الإيجابية بالمحاور التالية:

– إنشاء البنى التحتية الأساسية:

عند قدوم الاستعمار الأوروبي إلى المنطقة العربية بالتحديد، كانت هذه المنطقة خاضعة لسيطرة قوى متعددة وامبراطوريات مختلفة تتقاسم الهيمنة عليها حيث لم تكن الدول الحالية موجودة حينها ولم تكن المفاهيم الوطنية الحديثة موجودة بعد، هذه الحالة جعلت من معظم المناطق التي تحولت لاحقاً إلى مستعمرات مجرد أماكن نائية تمد الحكومات المركزية بالموارد والمال، لكن الأفكار الأوروبية عن التنظيم تضمنت أفكار تخطيط مدني أفضل وتقديم أنظمة حكم محلي وحتى طرق تجارة أفضل.

ميناء بيروت عام 1939

ميناء بيروت عام 1939

على العموم؛ لعب الاستعمار الفرنسي والبريطاني دوراً أساسياً بتقديم مشاريع بنى تحتية أساسية للبلاد التي هيمن عليها، فتم تقديم شبكات المياه المعقدة والتي تربط مدناً ببعضها مثلاً كما بنيت السكك الحديدية والطرق المعبدة للسماح بمرور السيارات التي أتت من أوروبا، وهذا بالطبع يضاف إلى الشبكات الكهربائية وشبكات الهاتف والعديد من الأمور التي كانت غائبة بشكل شبه تام عن آسيا وأفريقيا مع كونها متواجدة ومنتشرة في أوروبا.

بالإضافة لمشاريع البنى التحتية الأساسية التي تتضمن الطرقات والجسور والأنفاق وحتى تحديث الأسلوب المعماري المتبع تماماً، فقد جلب الاستعمار الغربي معه مشاريع كبرى ما كانت لتنفذ على الأرجح دون وجودهم، ولعل واحدة من أهم هذه المشاريع هي قناة السويس التي بنيت من قبل شركة قناة السويس الفرنسية في منتصف القرن التاسع عشر لتجعل الطريق الملاحي بين آسيا وأوروبا أقصر بكثير من الطريق السابق الملتف حول أفريقيا، ولتشكل لاحقاً مصدر الأهمية الأساسية لمصر الحديثة.

– التعليم والصحة:

خلال فترة من لفترات شكلت المنطقة العربية مركزاً علمياً وطبياً مهماً على الصعيد العالمي، لكن هذه الحقبة الذهبية سرعان ما انتهت تاركة المنطقة تحت حكم ديني غالباً مع تراجع العلم عموماً وتوقف الطب في مكانه السابق لقرون كاملة، مع كون الأمراض غالباً ما تعني الموت؛ وأساليب الاستطباب تعتمد على أعشاب طبية بطرق بدائية مع غياب أفكار اللقاحات والوقاية وغياب مفاهيم المضادات الحيوية كذلك، حيث ساهمت العودة القوية للمفاهيم الغيبية بلوم الظواهر الخارقة للطبيعة كالأرواح الشريرة والشياطين والجن على الأمراض.

قدوم الاستعمار الغربي جلب معه (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) العلوم الطبية الغربية، حيث أتت اللقاحات للمرة الأولى مثلاً، ومع الوقت باتت الأمراض التي ارعبت البشر لقرون كالجدري والحصبة وشلل الأطفال وغيرها قابلة للوقاية منها بشكل فعال، ومع توافر الأدوية الحديثة عادت أفكار الغيبيات المتعلقة بالأمراض للتراجع مجدداً، ولو أنها باقية حتى اليوم ضمن أكثر البيئات انغلاقاً وتعصباً.

الناحية التعليمية لا تختلف بشكل كبير عن حالة الرعاية الصحية قبل الاستعمار الأوروبي، فالتعليم كان يقتصر على القراءة والكتابة والحساب فقط، مع كون التركيز شبه الكلي متوجهاً نحو التعليم الديني فقط بشكل يتجاهل العلوم الطبيعية. هذا الأمر أبقى معظم المنطقة العربية ضمن مستنقع مدقع من الجهل والتعصب الديني لم يكن من الممكن تخطيه سوى عبر بعض الطلبة الجامعيين الذين هاجروا للدراسة في أوروبا ومن ثم عبر المدارس والجامعات التي تأسست في ظلال الانتداب الأوروبي، ومع أن هذه المؤسسات التعليمية كانت حصرية جداً ولا تسمح للجميع بالتعلم، فقد رفعت من السوية التعليمية للشعب بشكل ملحوظ وأدت لبناء الجامعات ومهدت لطريق التعليم العالي لاحقاً.

– التقنيات الحديثة والثورية:

خلال قرون طويلة من التاريخ البشري عموماً وبالأخص في المنطقة العربية، بقيت الحياة العامة ثابتة إلى حد بعيد دون تغيرات حقيقية بأسلوب المعيشة وطبيعة الاعمال وأساليب التنقل والتواصل وحتى معرفة الأخبار، ففي المنطقة العربية مثلاً وحتى بدايات القرن العشرين كانت وسائل النقل محدودة بالحيوانات والعربات التي تجرها الحيوانات، وأساليب الاتصال لا تعد عن الرسائل النصية أو الكلام المنقول من قبل أشخاص.

لكن في الحقبة التي كان المجتمع العربي فيها يصارع نفسه بشأن تحليل تناول البندورة أو استخدام الآلة الطابعة أو حتى شرب القهوة، كان المجتمع الأوروبي قد بدأ ثورته الصناعية وأحدث بداية النهضة التقنية التي بتنا نعيش حسناتها اليوم جميعاً.

هذا الفارق الكبير بالتقنية والتطور العلمي سمح بتقدم أوروبا على المناطق الأخرى بشكل كبير عبر تقديم اختراعات مهمة كالمحركات البخارية ومن ثم محركات الاحتراق الداخلي والقطارات والسيارات وحتى الطائرات، عدى عن تطبيقات الكهرباء والآلات الكهربائية والإنارة وغيرها.

هذه التقنيات والاختراعات كانت مستغربة بشكل كبير في المنطقة العربية، وسرعان ما تم ربطها بالخوارق والجن والسحر وغيره من الخرافات المتعددة، ومع أن الانتقال إلى هذه التقنيات كان أمراً تدريجياً وصعباً بسبب الفكر الديني السائد، فقد ساعد وجود سلطة أوروبية على هذه المنطقة بتسريع وتيرة اعتماد واستخدام الآلات الحديثة، وسرعان ما ساعد الاستعمار في الواقع على تحويل ”العربة التي يدفعها الجن“ إلى سيلة النقل الأهم والأكثر انتشاراً واستخداماً.

– تقديم الأنظمة الديموقراطية:

قبل قدوم الاستعمار الغربي للمناطق العربية، كانت هذه المناطق مقسمة إلى ولايات تابعة للسلطنة العثمانية، أو ممالك ومشيخات متفرقة وخاضعة لنفوذات خارجية عموماً، هذا النوع من الأنظمة عنَى انتقالاً وراثياً للحكم مع كون الحاكم هو المشرع والمنفذ والمتحكم بكل نواحي البلاد، دون أي قدرة ولو نظرية على محاكمته أو محاسبته أو حتى الاعتراض على قراراته.

المعاهدة بين لبنان وفرنسا والتي مهدت لإعلان استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1936

المعاهدة بين لبنان وفرنسا والتي مهدت لإعلان استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1936

ومع أن الدول العربية اليوم لا تزال مقسومة غالباً بين ممالك تستخدم أساليب حكم من القرون الوسطى ودكتاتوريات عسكرية ذات حكم مطلق، فالحكم لم يعد فردياً وقطعياً تماماً كما كان الأمر قبل الإنتداب الأوروبي، أو أنه على الأقل مر بمرحلة ديموقراطية ولو قصيرة، أو أنه بات يحمل بعض ملامح الديموقراطية على شكل سياسات فصل السلطات ووجود مجالس نواب (برلمانات) منتخبة ولو أنها شكلية غالباً.

عند التفكير بطبيعة حكم الدول العربية حالياً وتاريخها الطويل في نمط الحكم المتوارث الملكي/الأميري/القبلي، فبإزالة تأثير القوى الأوروبية على المنطقة فعلى الأغلب أنها كانت لتبقى ضمن أساليب الحكم السابقة دون التقدم إلى أشكال أكثر ديموقراطية أو أكثر تمثيلاً للشعب ولو شكلياً فقط.

ومع أن النتيجة النهائية للمنطقة العربية أبعد ما تكون عن أن توصف بالديموقراطية اليوم، فالأرجح أنها كانت لتصبح أسوأ دون التدخل الأوروبي مع العديد من الملوك والمشايخ الحاكمين باسم الله والدين مع حريات فردية أضيق من الآن حتى (ولو أن الأمر قد يبدو عصياً على التخيل بالنسبة للكثيرين).

هل كان الانتداب/الاستعمار الأوربي جيداً أم سيئاً؟

بالنسبة لطرفي النقاش المنحازين لآرائهم فالاستعمار الأوروبي إما أنه مجرم متعطش للدماء لا يقابله أي إجرام آخر في التاريخ البشري أجمع، أو أنه وسيلة ضرورية قدمت الدول الأوروبية من خلالها أفضل ما هو ممكن لتطوير شعوب وبلدان يمكن القول عنها بشكل دقيق بدائية (مقارنة بأوروبا الصناعية) محاولة نقلها إلى العصر الحديث وإيصال نواحي التقدم المختلفة إليها. وبطبيعة الحال فكل من الطرفين قادران على جلب الكثير من الأمثلة التي تؤيد وتعزز وجهة نظرهم للقضية.

لكن مع وجود أدلة وأمثلة لكل من حجج الطرفين فربما التوصيف الأفضل لجودة أو سوء الاستعمار الأوروبي هو انه كان كما أي استعمار آخر من قوة حضارية مؤثرة على مناطق متأخرة عنها، الاستعمار لم يكن مقاداً لأسباب تتعلق بالتعطش للدم أو حب ظلم الآخرين دون هدف أو حتى الرسالة النبيلة التي تتعلق بتحسين حياة الآخرين. الأسباب كانت تتعلق بتقوية الاقتصاد والسلطة بالدرجة الأولى وكل الأشياء الأخرى مجرد نتائج جانبية أو أساليب مساعدة لتحقيق هذه الغاية.

في هذا المجال بالتحديد أجد نفسي موافقاً إلى حد بعيد للاقتباس المأخوذ من كتاب ”Sapiens: A Brief History of Humankind“ لـ”Yuval Noah Harari“:

في الواقع، أي من قصتي الاضطهاد والاستغلال أو ”عبئ الرجل الأبيض“ تطابق الحقائق. الامبراطوريات الأوروبية قامت بالعديد من التصرفات وعلى نطاقات واسعة، لكن من الممكن لك أن تعثر على العديد من الأمثلة لتدعم ما تريد قوله عنهم أياً كان.

هل تعتقد أن هذه الامبراطوريات كانت متوحشة وشريرة ونشرت الموت والقمع والظلم حول العالم؟ يمكنك بسهولة أن تملأ موسوعة بجرائمهم. هل تريد أن تناقش بحقيقة كونهم قد حسنو أوضاع رعاياهم مع الطب الحديث والظروف الاقتصادية الأفضل والأمن؟ يمكنك أن تملأ موسوعة أخرى بإنجازاتهم.

نتيجة ارتباط هذه الامبراطوريات مع العلم، فقد تمكنت من جني قوة كبيرة وغيرت العالم إلى حد يجعل من غير الممكن وصفهم بالجودة أو السوء. لقد صنعوا العالم الذي نعرفه، وبما في ذلك الإيديولوجيات التي نستخدمها لنحكم عليهم.

هل كان الاستعمار الغربي أفضل أم أسوأ من غيره؟

بالنظر إلى التأثير المباشر لمختلف الفتوحات والاستعمارات عبر التاريخ، فالأمر دائماً سلبي حيث أن الاحتلال يتطلب حروباً ومعارك وإخماد ثورات، وبالنتيجة الكثير والكثير من القتل والقمع، وهذا الأمر معمم على جميع الفتوحات عبر التاريخ منذ توسع الآشوريين قبل بضعة آلاف من السنين حتى صعود الاسكندر المقدوني وهبوطه السريع ومن ثم الرومان والفرس فالعرب والترك وبعدهم الأوروبيون لاحقاً، فجميع هؤلاء يتشاركون بكونهم تسببوا بالكثير من الدمار على المدى القريب، لذا من المنطقي أكثر النظر إلى التأثيرات البعيدة المدى لهذه الاستعمارات على المناطق التي سيطرت عليها.

تقييم التأثير بعيد المدى يختلف بشكل كبير تبعاً للشخص الذي يقوم بالتقييم وتفضيلاته الشخصية، فبالنسبة للمتعصبين الدينيين مثلاً فالتكنولوجيا الحديثة هي تأثير سلبي للغاية، فيما أن الطمس الحضاري والثقافي في سبيل تمدد الدين هو أمر إيجابي حتماً. ومع كون وجهات النظر هنا تختلف بشكل كبير فتقييمي للاستعمارات الأساسية التي أثرت بالمنطقة يأتي من منطلق شخصي بالدرجة الأولى، أي أن تقييمي (كما تقييم أي شخص آخر) يعتمد على أسلوب تفكيري وتفضيلاتي وانحيازاتي المسبقة سواء تلك التي أعرفها أو الأخرى التي أقوم بها دون انتباه أو وعي.

بالمحصلة فبرأيي الشخصي على الأقل، أرى التأثير الإيجابي هو الانتقال للحداثة ونشر التقنية والعلم (كونها أمور أنحازُ تلقائياً لتفضيلها)، فيما أنني أرى التأثير السلبي يتمثل في الأصولية الدينية والثقافات الإقصائية بالإضافة للوقوف في المكان دون تقدم.

ووفقاً لمعاييري الشخصية ففترات الاحتلال الإسلامية سواء كانت عربية أو تركية (عثمانية) هي الأسوأ دون شك، ومع أن الفترة العثمانية هي الأسوأ بالتأكيد بسبب كونها الأكثر جموداً ومعاداة للتقدم، فالفترات الإسلامية المتعددة لعبت دوراً كبيراً في تجريد المنطقة من أي إرث حضاري سابق وصبغها بشكل تام بلون عروبي إسلامي ومن ثم إسلامي فقط.

بالمقابل، ففترات الهيمنة الفارسية والرومانية ربما كانت الأكثر حيادية، فتأثيراتها الثقافية والدينية كانت محدودة إلى حد بعيد، وعلى الرغم من كونها كما أي استعمار آخر من حيث المركزية واستغلال الأقاليم البعيدة لصالح المركز، فكون الباقي من تأثيرها محدوداً للغاية يجعلها غير جيدة أو سيئة، بل فقط حيادية، وربما يعود الأمر إلى كونها استعمارات تقليدية تعتمد الاقتصاد بالدرجة الأولى ولا تهتم بفرض دينها وثقافتها بشكل كبير، عدا عن كونها قريبة نسبياً من مستعمراتها من ناحية التقدم العلمي.

هنا نصل لوجهة نظري بالاستعمار الغربي، والذي على الرغم من كل ما مارسه بشكل مشابه لما سبقه من استعمارات من قتل واستغلال، فأثره الإيجابي يطغى بشكل كبير نظراً إلى كون التقنيات التي قدمها بفضل الثورة الصناعية كانت لتحتاج قروناً للوصول التدريجي إلى المنطقة العربي لولا الاستعمار، فالإرث الإسلامي الذي كان قد وصف الدراجة الهوائية بحصان إبليس وحرم القهوة وحاول إيقاف المطابع وغيرها؛ ما كان ليسمح بدخول التقنيات بسهولة، ولولا التأثير الغربي الكبير لكانت المنطقة بعيدة عن العالم المتحضر أكثر مما هي بعيدة عنه اليوم.

عدد القراءات: 3٬089