اجتماعيات

الحرب وكرة قدم الشوارع

يحظر استخدام الأسلحة الكيميائية والسامة والبيولوجية وتلك التي تترك شظايا لا تكشفها الصور بالأشعة.

مع كوننا نسمع بشكل دائم بـ”القانون الدولي“ فنحن عادة ما نتعامل مع موضوع القوانين التي تنظم الحروب دون التفكير الملي بها، لكن لو فكرنا للحظات قليلة بالموضوع، فهل من المنطقي أن يكون هناك قانون يحدد الحروب أصلاً؟ وهل هناك فرق حقيقي بين القتل بسلاح كيميائي أو القتل بالسلاح التقليدي؟

يعد ”القانون الدولي“ مختلفاً بشكل كبير عن القوانين الأخرى التي تعرفها، فبينما القوانين عادة ما تكون ملزمة باستنادها لسلطات الحكومات المطبقة لها، فالقانون الدولي لا سند له سوى الأمم المتحدة التي هي أبعد ما يكون عن حكومة عالمية. وبالنتيجة فالقانون الدولي لا يزيد عن كونه مجموعة توصيات دون آليات حقيقية لتطبيقه في معظم الأحيان.

المقارنة بين الحرب وكرة قدم الشوارع قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، لكن عدا عن كون الحروب تؤدي إلى قتل البشر فالاختلاف في تنظيمها ليس بالكبير حقاً، فالحروب كما اللعبة الشعبية: محدودة بقوانين اسمية فقط غالباً ما يتم التغاضي عنها، خصوصاً عند ارتكاب المخالفة من لاعب قوي بدنياً مع شلة من الأصدقاء ”المشكلجية“ وهو ما يقابل الدول الكبرى هنا، فبينما تصبح جرائم الحرب أمراً جدياً لدى ارتكابها من دول صغيرة لا تمتلك قوة كبيرة على الصعيد العالمي، فتجتمع الدول الأخرى لفرض العقوبات وأحياناً حتى شن الحرب او محاكمة منفذي هذه المخالفات، فهي تمر مرور الكرام دون أن تلقى أي صدى حقيقيٍّ عند ارتكابها من دولة كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية اليوم.

بالطبع أنا لا أقول أن جرائم الحرب مبررة، لكن بنظري فالحرب أصلاً مجموعة كبيرة من الجرائم، والموت بالغاز السام في الكثير من الأحيان سيكون أكثر رحمة وإنسانية حتى من الموت بشظايا القنابل أو في حقول الألغام. هنا يصبح الخط المرسوم كحد بين ما هو حرب عادية وجريمة حرب غير منطقي أبداً، فالنتيجة واحدة وغالباً ما يكون التنفيذ غير مختلف بشكل كبير حتى والمحصلة الدائمة هي الموت والموت فقط.

في عالم الطبيعة يوجد ما يسمى بـ”العنف الطقسي – Ritualized Aggression“، وهو الصراع غير المميت الذي تخوضه عادة ذكور الحيوانات المتنافسة على الإناث في بعض الحيوانات كالذئاب والغوريلا والعديد من الحيوانات الاجتماعية الأخرى، حيث يكون الصراع الدموي الذي قد يتسبب بالموت أحياناً محدوداً بتصرفات معينة كعدم استخدام المخالب مثلاً أو المحاولة المباشرة للقتل، هذا العنف الطقسي يظهر بأحد أشكاله في الرياضات العنيفة للبشر كالملاكمة والمصارعة والفنون القتالية الأخرى، وفي الرياضات الأقل عنفاً حتى مثل كرة السلة وكرة القدم وغيرها.

مع أن ”العنف الطقسي“ لا يطابق حالة الحرب تماماً مع كونها تتسبب بالموت بشكل أساسي، على عكسه. عدا عن كون العنف الطقسي يستخدم لحل الخلافات ضمن الجماعة لا بين الجماعات المختلفة، فنظرتنا كبشر نحو الموضوع تبدو متشابهة بشكل كبير. فكما العنف الطقسي، نحن لا نهتم للممارسات المعتادة مهما كانت وحشية وسيئة كونها معتادة و”ضمن الخطة“، لكن بمجرد الانحراف عن الممارسات المتعارف عليها؛ ولو كان ذلك لن يغير حقاً من النتيجة، فالجميع يعترض فوراً ويصبح الأمر مثيراً للاهتمام ويتصدر العناوين وصفحات الأخبار.

الفكرة الأساسية من تحريم العديد من الأسلحة عبر التاريخ، سواء قاذفات اللهب أو النابالم أو الأفخاخ هو ”إلغاء المعاناة الغير ضرورية للضحايا“. الفكرة جيدة إلى حد بعيد وحدها، لكن هذه التشريعات والحظورات جميعاً كانت نتاج حقبة الحرب الباردة، الحقبة التي شهدت عدة دول توجه رئوساً نووية إلى الدول الأخرى مبقية الجحيم على بعد ضغطة زر، ومع أن هذا السلاح لم يستخدم في الحرب الباردة لحسن الحظ، فالتهيؤ لاستخدامه أكثر من كافٍ ليفقد الحرص على المعاناة معناه.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن

عدد القراءات: 294