تاريخ

كيف أدت بندقية الـ(بونت) الأميركية إلى القضاء على أعدادٍ كبيرة من البط لدرجة جعلت وجودها مهددا بشكل خطير!

شخصان يحملان بندقية الـ(بونت)

حاول البشر على مر التاريخ صنع أسلحة أكبر وأفضل على أمل أن يوفر ذلك لهم قوة أكبر، وبالرغم من نجاح هذه المحاولات بين الحين والآخر إلا أن معظم الأفكار المجنونة انتهت بصنع أسلحة كبيرة ومضحكة وليست ذات فعالية كبيرة، ولكن تحديداً في حالتنا هذه كانت النتائج صادمة! فبدلاً من سلاحٍ كبير لا يمكن استخدامه بشكل فعال، كان سلاح الـ(بونت) قوياً إلى درجة مُنع استخدامه.

اختراع الـ(بونت):

تم اختراع بندقية الـ(بونت) في أوائل القرن التاسع عشر حيث كان صيد البط أمراً شائعاً، ويعود ذلك لارتفاع الطلب على لحوم وكذلك ريش الطيور لصنع القبعات النسائية، ونتيجةً لذلك عمل الباحثون على صنع سلاحٍ يجعل من صيد البط بكمياتٍ كبيرة ودفعة واحدة أمراً سهلاً، وهنا جاء دور بندقية الـ(بونت).

تستطيع هذه البندقية أن تقتل 50 طائراً بطلقة واحدة بتصميمها المميز وبطول أكثر من مترين ونصف وقُطر ماسورة يقدر بخمسة سنتيمترات، فهي قادرة على إطلاق نصف كيلوغرام من الذخيرة في الطلقة الواحدة تاركة أجساد الطيور طافية على سطح الماء ليجمعها الصيادون بعدها.

صورة لصياد يجلس في قاربه بجانب بندقية الـ(بونت).

صورة لصياد يجلس في قاربه بجانب بندقية الـ(بونت).

تبدو البندقية مثل نسخة كبيرة من بندقية الصيد العادية ولكنها كانت ذات فوهة واحدة بدلاً من فوهتين مثلما هو معهود في بنادق الصيد آنذاك، وبالرغم من وجود نسخة منها مزودة بفوهتين إلا أنها لم تكن على نفس الدرجة من القوة عند إطلاق النار من نظيرتها من ذوات الفوهة الواحدة.

عانت هذه البندقية من مشكلة كبيرة بالرغم من فعاليتها الجيدة، حيث كانت ضخمة جداً ولم يكن بمقدور شخصٍ واحدٍ استخدامها، لذلك طور الصيادون قوارباً يمكنها حمل هذه البندقية ذات الحجم والوزن الكبيرين، وصممت القوارب لتكون طويلة وواسعة لاستيعاب مساحة البندقية والصياد فقط، وعرفت باسم الـPunts، ومن هنا أتى اسم البندقية الـ(بونت)، ولشدة قوة البندقية ينزاح القارب عدة أمتار إلى الوراء عند إطلاق النار منها.

سرعان ما طور الصيادون طريقة صيدٍ تكسبهم أكبر قدرٍ من أرباح الصيد، حيث عملوا في مجموعات مؤلفة من 8 إلى 10 قوارب خلال رحلات الصيد الواحدة، فيعملون على الإحاطة بمجموعات الطيور المائية وينسقون عملية إطلاق النار بحيث يطلقونها دفعة واحدة، وفي أقل من دقيقة كانوا يتمكنون من اصطياد أسراب كاملة من هذه الطيور، التي كانت أعدادها في بعض الأحيان تصل إلى 500 طائرٍ.

رسم لصياد في قارب (بونت)، وهو قارب مخصص لحمل هذا السلاح.

رسم لصياد في قارب (بونت)، وهو قارب مخصص لحمل هذا السلاح.

اندثار هذا الاختراع:

لسوء الحظ، لم تستطع هذه البندقية الصمود طويلاً حيث لم يقم صناع الأسلحة بدعم هذا الاختراع العملاق والثقيل ناهيك عن الدمار الذي سببته، وفي فترة قصيرة بدأت أعداد الطيور المائية في الولايات المتحدة تتقلص إلى حد كبير بسبب فعالية هذا السلاح، فعملت الحكومة الأمريكية على إصدار تشريعٍ يجعل من صيد ونقل والاتجار في هذه الطيور عملا غير قانوني، وتم أيضاً بين عامي 1900 و1918 سنّ سلسلةٍ من القوانين الفدرالية التي حظرت بشكل فعال استخدام بندقية الـ(بونت) بالإضافة طبعاً إلى زوارق الـ(بونت). لقد كان هذا السلاح قوياً لدرجة أنه أهلك أعداد البط وكان على الحكومة تصحيح هذه المشكلة.

تعتبر بنادق الـ(بونت) اليوم مقتنيات أثرية لا يزيد عددها عن مئة بندقية في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من حظر استخدامها في الولايات المتحدة غير أنها بقيت تستعمل في بعض الأحيان في المملكة المتحدة، ولم تتوقف على كونها مجرد قطع أثرية تستقطب جامعي الأسلحة القديمة، حيث لا تزال حوالي 50 بندقية قيد الاستخدام في المملكة المتحدة في الاحتفالات فقط، لأن من شروط استعمال البنادق في المملكة أن تكون صغيرة الحجم.

رجل بجانب بندقية (بونت).

رجل بجانب بندقية (بونت).

من بين المجالات التي مازالت بندقية الـ(بونت) تستعمل فيها على سبيل المثال الاحتفالات الملكية، حيث كانت الملكة (فيكتوريا) قد طلبت أثناء احتفالها بـ”اليوبيل الماسي“ –احتفال ملكي في كل ستينية من كل حدث كبير– عام 1897 أن تتم تحيتها بتحية عسكرية بواسطة بندقية الـ(بونت)، ومنذ ذلك الحين تم إدراج هذه التحية العسكرية باستخدام بندقية الـ(بونت) في كل الاحتفالات الملكية ومراسيم تتويج الملوك والـ”يوبيلات“ في المملكة المتحدة، منها احتفال اليوبيل الماسي الخاص بالملكة إيليزابيث الثانية في عام 2012، حيث تم إطلاق النار من 21 بندقية (بونت) تحية لها.

المصادر

عدد القراءات: 855