هو السؤال الانساني في داخلنا الذي لا يكف عن الصراخ. لما كل هذا الفقر؟ ولما قلة من البشر تكاد تملك كل شيء ولا تعمل، بينما الكثرة المدقعة في الفقر تحلم بالشبع؟ ولماذا يزج بنا بحروب غيرنا؟ ولماذا نستجيب بتلك البساطة والسذاجة؟

ولتقديم فهم أعمق للمسالة لا بد من تفكيك المشكلة إلى عناصرها الأولية، وكما قال الفلاسفة العرب يوما أن كل الامور المعقدة تعود لمفاهيم بسيطة بدهية، وكل ما علينا أن نفككها حتى نفهما بدقة، وعلى مر التاريخ كانت الاكتشافات العظيمة تنطلق من إعادة النظر بالبدهيات البسيطة، وجميع اقتصادات العالم منذ البداية إلى اليوم عبارة عن وحدات بسيطة تشكل بكليتها شكل الاقتصاد ونوعه، واقصد طبعا القيمة، التي ستفسر لنا مواطن الخلل الاقتصادي والاخلاقي معا.

فما هي القيمة؟

سلة من البيض

هي الكمية المادية التي تدفعها لقاء سلعة معدة للتداول، بمعنى آخر، فيما لو أنّ مزارعا عرض عليك سلة بيض، فما هو المقابل المادي الذي ستدفعه مقابل الحصول على البيض؟ وليكن وشاحا أعدته زوجتك الطيبة، أو كيسا من الطحين ..إلخ. والكلام لا يدور حول المال الذي ستدفعه بل أي شيء ممكن أن يعوض السلعة.

فمن أين تكسب الأشياء قيمتها؟

هل من الحاجة؟ فهل كل ما زادت حاجتنا لشيء زادت قيمته وكلما قلت حاجتنا له انخفضت؟ ومن الواضح أن مجرد حاجتنتا لشيء لا يحوله لسلعة، فحاجتك للهواء لا يجعل منه سلعة، ثم إن حاجتنا للماء عالية جدا لكن ذلك لا يجعل من ماء الشرب غال، بينما حاجتك للذهب أقل بكثير من قيمته. والقيمة التي تكسبها الاشياء بفعل الحاجة تسمى (بالقيمة الاستعمالية) وهي معنى آخر غير الذي تريده.

فهل من الندرة؟ بمعنى أنه كلما قل وجود الشيء زادت قيمته بينما لو توافر فتنقص قيمته؟ ومن الواضح كذلك أن ملايين الاعشاب النادرة المفيدة وغيرها بلا قيمة تذكر، ناهيك ملايين أخرى من الحشرات الغريبة والنادرة وبلا قيمة كذلك. وبالمقابل تجد النفط متوافر بينما لديه قيمة عالية نسبيا. والحقيقة أن القيمة هنا تسمى بـ(القيمة السوقية) بمعنى السعر الذي يخضع لقانون العرض والطلب، وهي لا تخلق من الاشياء سلعا ولكنها تؤثر فقط في أسعار السوق، والسعر شيء مختلف تماما عن القيمة.

العمل:

فيما لو استقرأت كل الاشياء التي لها قيمة ستجد من العمل شيئا مشتركا بينها، بمعنى أن العمل هو الذي يحول الاشياء من حولنا من إلى سلع لها قيمة، فكل شيء دخل العمل كعنصر فيه كسب قيمة وإلا فلا.

أما التفاوت في القيم بناء على ما سبق يأتي من ناحيتين: الأولى نوعية العمل، فمن الأعمال لا تحتاج إلى خبرات ومهارات عالية وهو العمل البسيط، وبعضها الآخر لا يمكن إلا بمهارات عالية وتعليم مسبق وهو العمل المركب، ومن الطبيعي أن تكون السلع المنتجة عن عمل مركب أعلى قيمة من مثيلاتها في العمل البسيط. هذا من الناحية الأولى.

أما الناحية الثانية فهي وحدة قياس العمل وهي ساعات العمل، فكلما استغرقت السلعة ساعات أكثر زادت قيمتها سواء بعمل بسيط أو مركب.

فكيف تتم سرقتك؟

سرقتككيف تتم سرقتك

صورة من مجلة thinkmoney

فيما لو أنتج العامل 10 مزهريات في 10 ساعات وكان مقابل كل مزهرية قيمة تساوي كيس طحين (وهي الأخرى تساوي ساعة عمل لعامل المطحنة) إي سيكون قد حول المادة الخام في عشر ساعات من العمل إلى ما يساوي 10 أكياس طحين، ولكن أجره في النهاية لن يتجاوز الكيس الواحد، بينما يذهب كيس لعمال النقل والشحن وباقي المساهمين في خروج السلعة للوجود، ويتبقى في النهاية 8 أكياس ستكون من نصيب شخص لم يساهم بشيء على الاطلاق وهو المالك، الذي كسب نصيب الأسد وتسمى الأكياس الثمانية اصطلاحا بـ(القيمة المضافة).

وبذلك تكون تمت سرقت العمال والمدراء والفنيين معا وبكل امتنان، فبالنهاية ليسوا ضمن جيوش العاطلين عن العمل أصلا.

ليس الأمر بهذه البساطة:

فكل النظام العالمي فيما بعد القرن التاسع عشر يقوم على تغطية هذه السرقة المفضوحة، فبعد أن سطا صاحبنا على القيمة المضافة، أزاد ثراءه فحشا وتملك السلطة وخلق نظاما يحمي مسروقاته، فالشرطة ستحميه من محاولة الفقراء من استعادت أموالهم، فتكفل المشرعون بتسميتها (سرقة) وحفظها المحامون عن ظهر قلب وتقاضوا أجورا على الحزم بها بينما تعهد القضاة بعدم التهاون، بينما سيقوم السياسيون بتقديم الوعود والخطط الناجعة الكفيلة باستمرار عمليات السطو الكبرى والتي يسمونها (الاقتصاد الوطني) فتمول الحملات الانتخابية لأكثر البرامج السياسية قدرة على خلق فرص سطو أكبر وتسمى (فرص عمل)، بينما سيعمل الدين بالدور الأكبر في تغطية السرقات العظمى، فقد جمع رجل الدين حوله مجموعة من الحمقى فاغرين أفواههم لبلاغته، ظنا منهم أن القيمة المنهوبة ستعود إليهم في يوم القيامة بعد اتمامهم تلك الطقوس العجيبة.. بينما يتحاذق رجال دين أخرون بنسب المظالم لمنظمة سرية تابعة للدين الآخر العدو، ولكن السيد المخلص سيعود ويسحقهم عن بكرة أبيهم، فنال بالتالي رضا أسياده وحفظ حصته من القيمة المضافة هذا من جهة، ومن جهة أخرى زج أتباعه الفقراء في حرب غير مفهومة ضد فقراء الدين العدو المفترض، وسيطحن الفقراء في آتون حرب طائفية عبثية ولا طائل.

وبكلمة مختصرة فإن المؤسسات التشريعية والسياسية والدينية إنما مهمتها الحفاظ على النظام القائم وتعتاش على ما تتقاضاه من السيد المالك.

من الظلم إلى طعن العدالة:

جرت البشرية منذ عهود ليست بالقليلة على تحديد الذهب للتعويض عن القيمة، ولذا سنستبدل أكياس القمح سابقة الذكر بالذهب، بالتالي فسيكون العامل قد عمل بما قيمته 10 غرامات ذهب، نهب منها ثمانية أو ما يقابلها من عملة ورقية، حتى سنة 1971 حين ألغى الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون الربط بين الدولار والذهب. وهو الاجراء الوحيد الذي تلقفته دول العالم برحابة صدر غريبة. فلم تعد العملة تساوي الورق المطبوعة عليه، ولم يعد الكائن البشري يتقاضى شيئا على الإطلاق. فقبل الـ71 كان المرء يتقبل غرامين من الذهب أما بعده فليس لديه سوى وريقات تافهة لا تعني شيئا. والمشكلة تتعاظم مع طرق النقد الالكترونية التي لا يقابلها ولا حتى الورق بل مجموعة أرقام وخوارزميات على أحد حواسب بنك ما.

العملات

كاتب هذا المقال لا يملك الجرأة المعرفية ليقترح نظاما بديلا، كما أن التاريخ البشري يعج بالمقترحات التي لم تعمل ولم تثبت كفاءتها، ولكن لا بد من وجود خطوات إجرائية من الممكن أن تخفف من وطئ العنف الاجتماعي اليومي، بداية مع التحذير بأن عدم قدرة النظام العالمي المعاصر على تحقيق العدالة لا يعني على الاطلاق العودة إلى العصور الوسطى وحكم العوائل الاقطاعية وسيطرة المؤسسة الدينية واساطيرها، إلا أنه بالإمكان المطالبة الدؤوبة وبلا كلل بتحديد ساعات العمل ورفع الحد الادنى للأجور، على أن لا تكون من خلال مبادرات فردية بحتة، بل من خلال تجمعات منظمة بدقة ومحددة البرامج والأهداف تعي الأساليب المناسبة لتحقيق أهدافها.

كما أن مناهضة الحروب الطائفية والدينية غاية في الأهمية ولا سيما في شرقنا، لإسكات التشويش الذي يثيره الدجالون من رجال الدين على المظلمة البشرية الحقيقية، بل والعمل المنظم لتجريم التحريض الديني والطائفي قانونيا، ولننتقل من مرحلة النقد إلى الفعل القانوني، والتأثير على السلطات القضائية لتشريع القوانين الصارمة ضد خطاب الكراهية دينيا كان أو عرقيا.

مناهضة المشاريع البنكية الدولية والاقليمية التي لا تتواني عن تدمير البيئة من حولنا أو إثارة الحروب بين الفقراء في سبيل المزيد من الربح، بما فيها مشاريع الاستثمار في مشاريع الحرب والاتجار بالأرواح البشرية.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي، ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع دخلك بتعرف.

مقال من إعداد

mm

غياث عباس

باحث عربي.