اجتماعيات

لماذا تمتلك إيران أكبر معدل لعمليات تجميل الأنف؟ وهل للثورة الإسلامية دور فيها؟

عمليات تجميل الانف في ايران

تشارك دينا نايري، وهي مؤلفة أمريكية من أصول إيرانية، قصتها وتقول: ”قبل عامين، أثناء احتفالات عيد القديسين (الهالوين)، بعد قضائي بضعة أشهر مع مجتمع إيراني حديث الهجرة للولايات المتحدة، قررت أن أجرب التنكر كامرأة إيرانية عصرية.

قامت صديقاتي الجديدات – وهن في الواقع نساء عصريات من طهران – بمساعدتي كاستشاريات في هذه المهمة. تطلب التنكر مزيجًا من عناصر بديهية وأخرى غير متوقعة: صغطاء على الرأس يُدفع للخلف كما ارتدته جاكي كينيدي، وطبقات من مساحيق التجميل (لتعكس خُيلاء نساء طهران وما إلى ذلك)، وثوبٌ أسود ضيق جدًا (فنساء إيران يحببن تحدي الحدود التي ترسمها قوانين الجمهورية الإسلامية)، واسفنجة طويلة توضع في الرأس لزيادة حجم الشعر (فالشعر ذو الحجم الكبير هو من الصيحات الحضارية الجنونية هناك، مثل سراويل الرجال الضيقة في أوروبا. فوجود انتفاخ كبير في الشعر يعد من الأمور المثيرة جدًا في إيران).

وأخيرًا، اقترح علي فريقي من الخبيرات تفصيلًا دقيقًا ومصيريًا بذات الوقت ليجعلني أبدو كامرأة طهرانية من علية القوم بحق. بعد أن أخذن نظرة فاحصة لشكلي، قالت إحداهن: ’تحتاجين لاصقًا طبيًا على أنفك!‘.“

جمال الانف اليراني

امراة ترتدي لاصقا طبيا على أنفها

وتضيف دينا نايري قائلة: ”أجبتها بقولي ’أنا أصلًا أمتلك الأنف الذي أبتغيه‘ مشيرة إلى الجزء الوحيد من جسدي الذي اشتريته، أنفي الأنيق الذي لا يزال طرفه المدبب يشير للأعلى منذ أن كان عمري ثمانية عشر عاماً. أردت أن أقول لها أنني حتى لو كنت أمريكية، فأنا فارسية كذلك. وبالتأكيد قد أجريت عملية تجميلية لأنفي.“

سيرى الشخص عند التجول في شوارع طهران نساءً مُبهرات يرتدين حجابًا ونظارات شمسية ثمينة، بالإضافة إلى ”ضمادات فخرية“ معروضة بشكل واضح على أنوفهن، وتبقى هذه الضمادات أحيانًا بعد فترة طويلة من تعافي الجرح، متحدية غضب السلطات، فلم تعد النساء اللواتي يجرين عملية تجميل للأنوف في طهران مصدر انبهار، بل أصبحن المعيار بذاته.

قامت أوبرا وينفري في نوفمبر عام ٢٠٠٨ بعرض قصة عن عمليات التجميل الإيرانية: ”تجد النساء هذا الضماد الطبي كرمز على المكانة الاجتماعية، وتقول امرأة شابة من طهران ’أعرف صديقة قامت بعملية تجميل للأنف وأبقت على الضمادة الطبية بعد ذلك… لمدة سنتين حتى ليرى الجميع أنها قامت بتجميل أنفها‘.“ بالنسبة للكثير من الشابات الفارسيات، فهذه المظاهر مبررة تمامًا، خصوصًا عند أخذ المطلب الإجتماعي بإيجاد أزواج جيدين بنظر الإعتبار. فالضماد الطبي هذا يشير لكونك من عائلة تهتم بك وتوفر لك ما تحتاجينه – حتى إن لم تكوني بحاجة لتجميل أنفك، فامتلاكك لعائلة تستطيع أن تتحمل تكلفة عملية التجميل أفضل من كونك تمتلكين أنفًا صغيرًا بطبيعته.

جمال الانف اليراني

دينا نايري وهي ترتدي ثياب النساء الإيرانيات المدني، المظهر الذي اكتمل مع إسفنجه لنفخ الشعر ولاصق طبي من عملية تجميلية للأنف، الصورة التقطها مايكل مرسيل.

تمتلك إيران أعلى معدل لعمليات الأنف التجميلية مقارنة بعدد السكان، فحسب أغلب التقادير، يقوم الإيرانيون بعمليات تجميل الأنف أكثر من الأمريكيين بأربعة أضعاف، وهذا أمر صاعق بالنسبة لدولة إسلامية.

بحسب مقالة نشرتها صحيفة الغارديان في مارس من عام ٢٠١٣، فإن تجميل الأنف لا يقتصر على الأغنياء فحسب، إذ يقوم الموظفون الاعتياديون وأصحاب محلات بيع الملابس وطلاب الجامعات وحتى المراهقون بإنفاق كل مدخراتهم أو حتى الاستدانة للقيام بهذه العمليات. وعلى الرغم من تغلغل الجراحات التجميلية في الثقافة الإيرانية، إلا أن السلطة الإسلامية لم تقم سوى بتلميحات بسيطة تعبر عن عدم رضاها.

أقر آية الله الخميني تقبله لعمليات تجميل الأنف في ثمانينيات القرن المنصرم، مستندًا على الحديث النبوي القائل ”إن الله جميل يحب الجمال“، لكن على الرغم من هذا، أصدرت البي بي سي في يونيو من عام ٢٠١٤ تقريرًا مفاده أن قناة تلفزيونية تديرها الدولة (قناة طهران) قد منعت أن يظهر على شاشتها أي ممثل أو ممثلة أجرى عملية تجميل.

لم تصبح طهران عاصمة عمليات تجميل الأنف في العالم إلا بعد عام ١٩٧٩ بعد الثورة التي أطاحت بالشاه وأتت بالجمهورية الإسلامية. فلماذا تظهر مثل هذه الصيحة الغريبة في دولة إسلامية؟

لا مجال للشك أن الثقافة الإيرانية تؤثر على تصرفات الناس أكثر من الإسلام، وبأخذ هذا بنظر الاعتبار، فهناك تفسير يقول: ”أن النساء الإيرانيات مهووسات بوجوههن لأن الحجاب الإجباري لا يترك شيئًا سوى الوجه للدلالة على الجمال والتعبير عن الذات، يردن أن تكون ملامحهن رقيقة ومتناظرة وأوروبية“. وبالنظر لاستعداد الكثير من النساء لتحمل المشرط الجراحي والدخول في ديون من أجل الجمال، فقد أصبحت عمليات تجميل الأنف طريقًا تسلكه النساء كطقس للعبور والتجدد.

انتشرت الصيحة بعد عدة عقود بين الإيرانيين المهاجرين، الذين يعتزون أيضًا بأصولهم الفارسية ويتأثرون بتقاليد مجتمعاتهم الأصلية. بالنسبة للنساء الإيرانيات، وبعض الرجال كذلك، فإن عملية تجميل الأنف تعد أكثر من كونها إضافة للجمال الجسدي، بل هي إشارة للثروة والأولويات الاجتماعية. إن الدافع الحقيقي ليس التفاخر، بل الرغبة في الانضمام لطبقة اجتماعية من الإيرانيين ممن يبدون الأوروبيين، ويقرأون الكتب الأمريكية ويسافرون ويعيشون أسلوب الحياة الغربي.

الحقيقة الساخرة أن إزالة ذلك التقوس من الأنف الفارسي المعقوف يساهم في تكوين الهوية الثقافية للفرد. فالشكل التقليدي للوجه الإيراني قد تغير، وعلى الرغم من كون العملية التجميلية تُغيّر ملمحًا شرق أوسطيًا بحتًا، فإن القرار لإجراء مثل هذا التغيير يبقى قرارًا إيرانيًا بحتًا.

ولكن إن كانت معايير الجمهورية الإسلامية المتشددة هي ما ساهم باستمرارية هذه الصيحة بشكل ما، فما سر انتشارها بين الإيرانيين المهاجرين أيضًا؟ ولماذا لم تنتشر قبل عام ١٩٧٩؟

تقول دينا نايري: ”قامت أمي وجدتي وخالتي بتجميل أنوفهن منذ عمرٍ صغير على الرغم من كونهن نساء محافظات. عانت جدتي، التي أجرت العملية في طهران في أواخر الستينيات، من حادثة كسرت أنفها – وهذه القصة شائعة بين النساء عند سؤالهن عن السبب. والقصة تستمر ليسألها الدكتور قبل أن يعالج الكسر ’بما أننا سنجري عملية بكل الأحوال، فهلا صغرت لك أنفك؟‘ قامت أمي و خالتي باتباع نهج أمهما، وتقول أمي التي حسدتها على شكل أنفها منذ الصغر ’قلة من الفتيات أجرين مثل هذه العملية في ذاك الوقت، فقد كانت بمثابة رفاهية، ولكنني كنت في كلية الطب ولذلك استطعت أن أجمل أنفي مجانًا‘. على الرغم من ندرة اتخاذ هكذا قرار في ذاك الوقت، فقد كان السبب كما هو اليوم ناتج عرضي للمعايير الإيرانية في الزواج والمواعدة. وتكمل أمي ’بعد أن قامت خالتك بتجميل أنفها، أراد الجميع أن يتزوجها.. أنفها القديم كان حقًا “ناجور”‘. لا توجد ترجمة مثالية لهذه الكلمة الرائعة، وتدل على شيء غير متناسق لدرجة مأساوية.“

عمليات تجميل الانف في ايران

إنفها القديم كان حقا ”ناجورا“

شرح الدكتور الجراح بنيامين رفيعي، وهو طبيب أنف وأذن وحجرة في لوس أنجلوس، أن سبب هذه الظاهرة ليس الإسلام. حيث يقول ”امتلك الإيرانيون في الخمسين عام الماضية ارتباطًا ثقافيًا قويًا بأوروبا، بالنظر لمعايير الجمال الأوروبية، فإن النساء الإيرانيات يمتلكن ملامح شكلية مرغوبة كالعيون التي تشبه اللوز والحواجب ذات التقوس العالي وعظام الوجنات البارزة، لكن يبقى الأنف بارزًا وغير متناسق الشكل، وغالبًا ما يمتلكن جسرًا أنفيًا مقوسًا بشكل بارز، وهذه المنطقة من السهل ’تعديلها‘ بعملية جراحية“.

عمليات تجميل الأنف في إيران مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية

وتقول دينا: ”قبل الثورة وقبل الحجاب الإجباري، دفع هذا التأثير الأوروبي الكثير من المشاهير الإيرانيين لإجراء عمليات تجميل، حيث تغير شكل المشاهير في ذاك وكان يمكن للشخص أن يلاحظ بسهولة أن ممثلات كحميرا وفروزان قد قامتا بعملية تجميل للأنف، وقام بها أيضًا المغني رامش والراقصة جميله..“ ثم أضافت نفس التفسير الذي قدمه الدكتور رفيعي بعد أن فكرت قليلًا ”نحن فرس، أنوفنا شكلها سيء“.

في بداية السبعينيات، لم تكن عمليات تجميل الأنف متطورة. وبدلًا من استخدام جبيرة، كان على النساء تحمل حشو ما يقارب ثلاثة أمتار من الشاش الطبي في أنوفهن وصولًا إلى الحنجرة، كان أمهر الجراحين الإيرانيين يعتبرون كفنانين وكانوا مطلوبين بشدة من قبل الطبقة الثرية الإيرانية، كانوا يدعونهم ”الكفوف الذهبية“. كان لكل طبيب أسلوب مختلف لإجراء عملية تجميل الأنف، حيث تقول نايري ”كل من أجرى العملية عند طبيب خالتي خرج بنفس أنف خالتي، أنف مسطح قليلًا، طرفه غير مدبب. وامتلكت كل من أمي وخالتي وجدتي أنفًا يختلف عن أنف الأخرى في نهاية المطاف. يسمح الآن الدكاترة لك باختيار الشكل الذي تريده، أما في ذاك الوقت فقد كان لكل طبيب شكل خاص به.

…ابتليت أنا أيضًا بالأنف الفارسي. وعندما كنت في السابعة عشرة من عمري في أوكلاهوما، كنت عاشقة للكتب والدراسة، بدأت بالتفكير بكيف سيكون شكلي عندما أذهب لجامعة برينستون؟ لم تشجعني أمي أبدًا على المواعدة أو استخدام مساحيق التجميل أو غيرها من مظاهر التفاخر الزائف، ولكنها أخذتني بنفسها لعيادة الجراح وقالت لي أنني أستطيع أن أجري عملية التجميل إن أردت، ووافقت أنا بكل سرور.

الآن، لدي خالة واحدة تمتلك أنف العائلة الحقيقي بدون عملية تجميل، وأحيانا أنظر إليها وإلى أبنائها بحسد، لأن جزء مني يتمنى أن يعرف كيف كان سيبدو شكلي كبالغة بأنفي الطبيعي. بالتأكيد، في أغلب أيامي لا أريد أن أتخيل شكلي بذاك الأنف، لقد اعتدت بشكل كبير على مدىً معين من الجمال الذي يراه الآخرين، وأحب أن أتظاهر أحيانًا بأن هذا الجمال هو ملك لي، وهبة من ثقافتي الإيرانية.

لن أتنازل عن الثقة التي أمتلكها الآن، حتى وإن كنت أسأل نفسي أحيانا إن كنت سأكتسب هذه الثقة بمرور السنين بكل الأحوال حتى إن لم أجر العملية. أحيانًا أقول لنفسي أن شكلي الآن إيراني أكثر بسبب العملية، إنه طقس عبور أتشاركه مع أمي وخالتي وجدتي وآلاف النساء الإيرانيات الأخريات من بلدي الأم. فأي نسخة مني هي فارسية أكثر؟ هذا سؤال معقد، أملك حججي ولكن تفسيراتي النفسية لا تزال فوضوية، في كل مرة واعدت صديقًا أو حبيبًا إيرانيًا له أنف كأنفي القديم كنت أقع في الحب بدرجة غير طبيعية، هل هذا يعني أنني أشتاق لوجهي القديم؟ هل يمتلك هؤلاء أجسادًا إيرانية حقيقية غير ملوثة؟

لقد كان هناك شيء غير مريح في عيد القديسين ذاك، أن أضع ضمادًا طبيًا على وجهي بهذه الطريقة الهزلية. هل اخترت هذه الثياب لأثبت شيئًا؟ انظروا لي! أنا إيرانية! هل أردت أن أعود للأيام التي قررت فيها أن أقوم بالعملية الجراحية؟ بقيت طوال الليل ألتمس اللصاقة الطبية، وفي ذاك الوقت وحتى الآن أجد نفسي أبررها استباقيًا. أخيرًا… أزلتها عن وجهي، فقد بدا شكلي إيراني بما فيه الكفاية بدونها. فلي عيون كاللوز وحواجب ذات قوس مرتفع، وأجيد اللغة وأرتدي الحجاب الثوري الراجع إلى الوراء. مرت خمس عشرة سنة، وجهي هو وجهي.“

المصادر

عدد القراءات: 19٬504

تدقيق لغوي: عصام بيطار.