in

8 أبطال حقيقيين أنقذوا العالم من الدمار المحتوم

إن إنقاذ العالم لا يتعلق دائماً باللحظات البطولية الأخيرة، على الرغم من أنه في بعض الأحيان يكون كذلك، وهؤلاء الأشخاص الثمانية في مقالنا هذا تمكنوا من إنقاذ العالم كلٌّ على طريقته الخاصة.

مغني البوب جايمس بلنت
مغني البوب (جايمس بلنت).

عندما يفكر معظم الناس في إنقاذ العالم، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو صورة (سوبرمان) وهو قادم بسرعة البرق في اللحظات الأخيرة ليمنع حدوث كارثة ما، أو فرقة تفكيك القنابل وهي تنجح في منع انفجار قنبلة في الثواني الأخيرة، وبعض العلماء وهم يكتشفون ويصنعون سلاحا إعجازياً في آخر لحظة من أجل محاربة وإبعاد المخلوقات الفضائية عن أرضنا، لكن ما نحن بصدد سرده عليكم أعزاءنا قراء «دخلك بتعرف» سيجعلكم تدركون جيدا أن الأبطال الحقيقيين الذين أنقذوا هذا العالم حقاً كانت لديهم قصص أفضل ليقصّوها.

بينما نجح البعض أحيانا في إنقاذ العالم في اللحظات الأخيرة قبل حلول الكوارث، فغالباً ما تمكنت البشرية من تفادي الدمار والخراب بفضل التفكير بأذهان صافية والصبر في وجه المخاطر. كانت بعض الأفعال البطولية قد جرت على مر سنوات أو عقود كاملة، وكانت نتيجة عمل شاق ومضني ومجهودات متفانية بدون كلل.

والمؤسف في الأمر أن بعض الأبطال ماتوا دون أن يعرفوا ما أنجزوه من أعمال بطولية، ودون أن يعرفوا كيف ستصبح أعمالهم مشهورة ويتم تذكرها على مر الأجيال.

بغض النظر عن الطريقة التي اتخذت بها أعمالهم البطولية شكلها، لا يسعنا سوى أن نجزم بأن هؤلاء الأبطال الثمانية الحقيقيين تمكنوا بالفعل من إنقاذ العالم:

1. ستانيسلاف بيتروف:

(ستانيسلاف بيتروف).
(ستانيسلاف بيتروف). صورة: Scott Peterson/Getty Images

في السادس والعشرين من شهر سبتمبر سنة 1983، تمكن البطل الحقيقي (ستانيسلاف بيتروف) لمفرده من تفادي وقوع حرب نووية عالمية عندما اتبع حدسه واختار أن يتجاهل رسالة تحذير عن وقوع هجوم بالصواريخ. كانت قد مضت على بدء نوبة (بيتروف) بضعة ساعات كضابط مسؤول على مستوى (سيربوكوف -15)، وهي مركز التحكم السري خارج موسكو الذي كان يتم من خلاله إدارة الأقمار الصناعية العسكرية السوفييتية فوق سماء الولايات المتحدة الأمريكية.

فجأة انطلقت صافرات الإنذار، مخطرة بقدوم خمسة صواريخ باليستية عابرة للقارات كانت قد انطلقت من قاعدة أمريكية. لم يصب (بيتروف) بالذعر، لقد كان يعلم أن أنظمة الإنذار كانت في بداياتها وكانت لا تزال حديثة العهد وكان شخصيا يعتقد بأن تلك الرسالة التحذيرية كانت خاطئة —على الرغم من أنه لاحقا قال بأن احتمال صحتها من عدمه كان 50/50.

بدلا من الإبلاغ عن الهجوم المزعوم، قام (بيتروف) بوقف تشغيل صافرات الإنذار وأخبر المسؤول المباشر عنه بأنه كان هناك خطب ما يشوب الأنظمة.

في حوار له مع قناة BBC، يتذكر (ستانيسلاف بيتروف) سماع صوت انطلاق صافرات الإنذار.

في نهاية المطاف اكتشف (بيتروف) أنه كان على حق: كانت صافرات الإنذار المعلنة عن هجوم الصواريخ المزعوم خاطئة، ولو أنه قام بالإبلاغ عن الهجوم لكانت قد اندلعت حرب نووية عالمية الآن، غير أنه من خلال المحافظة على هدوء أعصابه، واتخاذه الوقت اللازم لتقدير الوضع، تمكن من إنقاذ العالم، يقول (بيتروف): ”لقد انتابني شعور غريب في بطني“، وأضاف في حوار له مع صحيفة (واشنطن بوسط): ”لم أشأ ارتكاب خطأ، اتخذت قراراً، وكان صحيحاً“.

لقد ساعده في ذلك هدوء أعصابه وصفاء ذهنه، حيث أنه عندما أمعن التفكير في الأمر قدّر بأنه لو أن الأمريكيين كانوا حقا بصدد الشروع في حرب نووية، لكان الهجوم أكبر بكثير من مجرد خمسة صواريخ، وأكثر دماراً. حيث قال: ”عندما يبدأ الناس الحرب، لا يفعلون ذلك عادة بخمسة صواريخ فقط“.

2. فاسيلي أركيبوف:

خلال أزمة الصواريخ في كوبا في سنة 1962، اتخذ (فاسيلي أركيبوف) قراراً سيدوّنه المؤرخون لاحقاً على أنه من خلاله تمكن بمفرده من منع اندلاع حرب عالمية ثالثة.
خلال أزمة الصواريخ في كوبا في سنة 1962، اتخذ (فاسيلي أركيبوف) قراراً سيدوّنه المؤرخون لاحقاً على أنه من خلاله تمكن بمفرده من منع اندلاع حرب عالمية ثالثة. صورة: Wikimedia Commons

كان ضابط البحرية السوفييتي (فاسيلي أركيبوف) ذو 34 سنة واحداً من بين ثلاثة ضباط مسؤولين على متن غواصة B-59 في السابع والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1962، عندما تلقت أوامر من القيادة السوفييتية بأن تتوقف في البحر الكاريبي، على بعد مسافة قصيرة من الحاجز الأمريكي الذي كان يحيط بكوبا، وكانت مهمة الغواصة تتمثل في توفير الدعم اللازم لعملية إنزال سري لبعض الأسلحة على الجزيرة.

من أجل إخفاء موقعها عن رادارات الأمريكيين، قبعت الغواصة عميقا في البحر، لكن ليس عميقا بما فيه الكفاية؛ تمكنت البحرية الأمريكية من رصد وجود الغواصة السوفييتية وبدأت تلقي من بوارجها بشحنات متفجرة غير قاتلة في الأعماق من أجل إثارة فزع الطاقم وحمل قادته على الطفو إلى السطح من أجل تحديد هويتها، وما كان الأمريكيون يجهلونه آنذاك هو أن الغواصة B-59 كانت مسلحة بشكل مخيف، حيث كان على متنها صاروخ نووي بنفس قوة قنبلة هيروشيما التدميرية.

الغواصة السوفييتية B-59 في البحر الكاريبي بالقرب من كوبا في 28 أكتوبر 1962.
الغواصة السوفييتية B-59 في البحر الكاريبي بالقرب من كوبا في 28 أكتوبر 1962. صورة: Wikimedia Commons

عندما غاصت الغواصة B-52 إلى الأعماق، فقدت جميع اتصالاتها مع السطح؛ لم تكن تملك أي وسيلة للتواصل مع العاصمة موسكو من أجل تلقي الأوامر. بسبب كل تلك الاهتزازات التي كانت تسببها الشحنات التفجيرية الأمريكية التي كانت ترمي بها من السطح، والتي افترض السوفييت أنها كانت هجومات حقيقية، ولعجزهم عن التواصل مع أي كان على السطح، قرر اثنان من الضباط الثلاثة على متن الغواصة إطلاق الصاروخ النووي المجهز على متنها.

من أجل إطلاق ذلك الطوربيد المدمر، كان يتعين على جميع الضباط والقادة الثلاثة على متنها أن يتفقوا على رأي واحد وأن يوافقوا على قرار إطلاقه، وهنا جاء دور (فاسيلي أركيبوف).

بقي الضابط المسؤول الثالث في الغواصة هادئا وحافظ على برودة أعصابه خلال كل تلك المحنة، وخلال كل تلك الاهتزازات التي كانت تتسبب فيها الشحنات على عمق منخفض. فقد كان يشتبه في أنها لم تكن هجومات صريحة بل كانت مجرد حيلة لحمل الغواصة على الطفو إلى السطح.

لقد كان تفكيره سليما مائة في المائة، فبعد الانتظار لطول المدة التي سمح بها مخزون الوقود والأكسجين على متن الغواصة، طافت الغواصة إلى السطح لتجد نفسها وسط السفن الحربية الأمريكية، لكن ليس في وضعية حربية.

عادت الغواصة أدراجها إلى روسيا، وتركت الأمريكيين على جهالة تامة بالخطر الذي كان يحدق بهم، ذلك أنهم كانوا قد تفادوا لتوهم هجوما نوويا كان سيعصف بهم دون علمهم، وذلك كله بفضل البطل الحقيقي (فاسيلي أركيبوف).

3. نورمان بورلوغ:

(بورلوغ) وهو يحمل عينات من سلالة القمح الجديدة التي طورها.
(بورلوغ) وهو يحمل عينات من سلالة القمح الجديدة التي طورها. صورة: Getty Images

قليل من العلماء من نال من الجوائز مثلما ناله (نورمان بورلوغ)، وتقريبا لا أحد يستحق تلك الجوائز أكثر من هذا البطل الحقيقي. بعد كل شيء، ليس الكثير من العلماء من يعود له الفضل في إنقاذ حياة أكثر من مليار إنسان في هذا العالم.

على خلاف (بيتروف) و(أركيبوف) اللذان سبق لنا سرد قصتيهما في هذا المقال، تمكن (بورلوغ) من إنقاذ العالم عبر الزمن عن طريق العمل الجاد والمضني، وليس من خلال اتخاذ قرارات مفصلية وسريعة في وقت قياسي وتحت ضغط كبير.

في أوائل القرن العشرين، عاش كوكبنا الأرض انخفاضا كبيرا في الإنتاج الزراعي، ولو أن الأمور لم تتغير نحو الأفضل في نهاية المطاف، لكانت النتيجة لتتمثل في مجاعة اجتياحية تنتشر عبر العالم، مع كون الدول النامية لتتحمل العبء الأكبر منها.

بعد تخرجه من جامعة (مينيسوتا) بشهادة جامعية في علم الغابات وأوبئة النباتات والجينات، توجه (نورمان بورلوغ) مباشرة للعمل على هذه المشكلة العويصة التي كانت تواجه العالم، بدأ أولا بدراسة عدة سلالات من القمح من أجل العثور على سلالة قادرة على النمو في مناخات متنوعة حول العالم، وعندما لم يعثر على ضالته، قام بتطوير سلالة لتقوم بهذه الوظيفة بالتحديد.

كان (نورمان بورلوغ) يعمل في الحقول عندما كان صبيا صغيرا، وعاد لينقذها من الزوال بعد أن صار شاباً.

بعد سنوات قليلة فقط من تخرجه من الجامعة، نجح (بورلوغ) في تطوير سلالة من القمح مقاومة للأمراض وقادرة على النمو والإنتاج بكثافة أكبر من أي سلالة من قبل، وأفضل من ذلك كله، عندما تم العمل عليها بتقنيات الزراعة الحديثة، كان باستطاعة هذه السلالة الجديدة النمو في البلدان النامية.

مع تطويره لسلالة القمح الجديدة هذه، ضمن (نورمان بورلوغ) للبلدان النامية مصدر صادرات مربح، ومصدر غذاء مستقر وثابت، ونموا اقتصاديا كبيرا. قبل تدخله هذا، كان يُعتقد أن معظم شبه القارة الهندية —أكثر من مليار نسمة— كان ليهلك قبل سنة 1980، الآن، يمكنك أن تشهد عزيزي القارئ النمو الكبير الذي شهدته المنطقة سواء من ناحية تعداد السكان أو النمو الاقتصادي.

4. هينريتا لاكس:

عندما قصدت (هينريتا لاكس) مستشفى (جونز هوبكينز) من أجل العلاج ضد ورم سرطاني، قامت بإسهام منقطع النظير في سبيل العلم.
عندما قصدت (هينريتا لاكس) مستشفى (جونز هوبكينز) من أجل العلاج ضد ورم سرطاني، قامت بإسهام منقطع النظير في سبيل العلم. صورة: Wikimedia Commons

في سنة 1951، قامت امرأة أمريكية من أصول إفريقية، فقيرة وأم لخمسة أطفال تدعى (هينريتا لاكس) بإنقاذ العالم دون حتى أن تدري ذلك، كانت السيدة (لاكس) قد قصدت مستشفى (جونز هوبكينز) من أجل أن يفحصها الأطباء بعد أن كانت قد لاحظت وجود كتلة غريبة بالقرب من عنق الرحم لديها.

قام طبيبها بأخذ خزعة وبعد وقت ما أبلغها متأسفاً بأن ما كانت تعانيه في الواقع هو سرطان الرحم، وأن تلك الكتلة الغريبة كانت عبارة عن ورم. لم يكن علاج السرطان في الخمسينيات الماضية أقرب لمجال التشبيه بما هو الحال عليه اليوم، وكانت خيارات (لاكس) محدودة جدا.

عندما أخذ وضع (لاكس) يسوء، لاحظ طبيبها أمرا غريبا بينما كان يدرس عينة النسيج التي أخذها منها؛ كانت الخلايا في العينات التي جمعها من مرضى آخرين تموت بسرعة كبيرة لدرجة لم يكن قادرا على دراستها، لكن خلايا (لاكس) استمرت في الانقسام والتضاعف بوتيرة غير اعتيادية.

للأسف الشديد، كانت هذه الظاهرة الخارقة للعادة تعني في نفس الوقت أن الخلايا السرطانية لديها كانت تتضاعف وتنقسم بسرعة كبيرة مما يجعل علاجها مستحيلاً، وبعد سبعة أشهر من دخولها المستشفى، توفيت (هينريتا لاكس).

صورة (هينريتا لاكس) في المعرض الوطني الأمريكي للشخصيات.
صورة (هينريتا لاكس) في المعرض الوطني الأمريكي للشخصيات. صورة: National Portrait Gallery

غير أن خلايا (هينريتا) استمرت على قيد الحياة حتى بعد وفاتها، ومما أثار صدمة كل الأطباء في مستشفى (جونز هوبكينز)، أن قتل خلايا (لاكس) بدا أمراً مستحيلاً، فقد كانت تنمو وتتضاعف بوتيرة غير مسبوقة.

قام الأطباء بإرسال عينات إلى أطباء وعلماء في الطب في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، الذين طلبوها من أجل مراجعتها وكل واحد كان متشوقا لمعرفة أنّى لها أن تخدم أبحاثه التي كان يقوم بها. واحد من هؤلاء العلماء كان (جوناس سالك) الذي استخدمها من أجل تطوير لقاح شلل الأطفال.

باستعمال خلايا (هينريتا لاكس)، تم تحقيق عشرات الإنجازات الكبيرة في عالم الطب، ومن بينها كانت لقاحات شلل الأطفال وفيروس الورم الحليمي البشري، وفيروس (زيكا) في مراحله الأولية، و«مشروع الجينوم البشري» الذي تمكن العلماء من خلاله من إنشاء خريطة مفصلة عن الجينوم البشري، والعديد من الاكتشافات حول شيخوخة الخلايا، وكذا خلق ميدان جديد كليا في عالم الطب وهو «علم الأمراض».

لم تكن (هينريتا لاكس) لتعلم أبدا أنها كانت ستساهم بشكل كبير جدا في تقدم علم الطب، حيث كانت عينات من خلاياها تؤخذ ويتم توزيعها بدون علمها وبدون علم عائلتها، وهي الممارسة التي كانت شائعة آنذاك والتي تسببت في انتشار عدة تساؤلات أخلاقية حول ما قامت به المختبرات آنذاك.

على الرغم من أن عدم اليقين الأخلاقي الذي يحيط بالقضية كان قد أسدل عليها ظلالاً من الشكوك، فيبقى من دون شك استحقاق (هينريتا) لمكان خاص بها بين هذه القائمة القصيرة للأبطال الحقيقيين الذين أنقذوا العالم.

5. جايمس هاريسون:

صورة (جايمس هاريسون) الذي عكف على التبرع بالدم كل أسبوع لمدة ستين سنة تقريباً
صورة (جايمس هاريسون) الذي عكف على التبرع بالدم كل أسبوع لمدة ستين سنة تقريباً.

(جايمس هاريسون) مواطن أسترالي، الذي تماما مثل (هينريتا لاكس)، مُنح القوة لإنقاذ العالم عن طريق الصدفة، غير أنه على خلاف (هينريتا) كان له القرار في حرية التصرف في القوة التي منحت له لإنقاذ العالم، وهو ما جعل منه بطلا حقيقياً آخر على قائمتنا هذه.

بدأ (جايمس هاريسون) التبرع بالدم منذ سن الثامنة عشر، ولم يكن يعلم أنه كان يقوم بأمر مذهل، ولم يكن حتى منتصف ستينات القرن الماضي، أي بعد سنوات من بدئه التبرع بالدم، حتى لاحظ أطباؤه أن دمه كان يحتوي على أمر مميز.

كان دم (هاريسون) يحتوي على جسم مضاد غير مألوف سيتم استعماله لاحقا من أجل محاربة مرض قاتل ونادر يصيب خلايا الدم عند الأطفال الرضع يعرف باسم مرض (ريسوس).

عندما كانت النساء اللواتي كان عامل البندر Rhesus Factor لديهن سالباً يحملن بأطفال ذوي عامل بندر موجب، كان جسم المرأة يتخذ ردة فعل على دم الرضيع على أنه تهديد خارجي، وبينما لم تكن الأمهات يعانين من أي خطب، كان المرض قادرا على إنهاء حياة الأطفال أو جعلهم يولدون بأمراض متنوعة على شاكلة الأنيميا أو اليرقان.

(جايمس هاريسون) يتبرع بآخر لتر من دمه ويتذكر أول تبرع له بالدم.

دون ذلك، عندما كان يتم حقن الأمهات بعقار يعرف باسم (الجلوبيولين المناعي)، كان ذلك يحل المشكلة وكان الأطفال يولدون أصحّاءً، ولم يكن بالإمكان إنتاج هذا العقار لولا أشخاص مثل (جايمس هاريسون)، الذي كان يملك توليفة مميزة من بندر الدم السالب والأجسام المضادة الموجبة.

باختصار، كان دم (جايمس هاريسون) منقذاً للحياة، وبعد أن تم إخطاره بهذا الأمر، كان (هاريسون) على قدر التحدي، ومنذ منتصف الستينات الماضية حتى سنة 2018، كان يتبرع بالدم مرة كل أسبوع، كل أسبوع، مما أسفر عنه 1173 عملية تبرع بالدم.

أُطلق عليه لقب ”الرجل ذو الذراع الذهبية“، ويقدر الأطباء أنه بما أن حوالي ثلاثة ملايين جرعة من عقار (الجلوبيولين المناعي) تحتوي على دمه، فإنه ساهم في إنقاذ حياة أكثر من 2.4 مليون طفل.

6. ألكسندر أكيموف:

ما تلى كارثة (تشيرنوبل)
ما تلى كارثة (تشيرنوبل). صورة: AP

تعتبر حادثة (تشيرنوبل) واحدة من أشهر الكوارث النووية في العالم، لكن الكثير من الناس الذين سمعوا عنها يجهلون أنه لولا رجل واحد معين، لكانت تبعاتها أوخم وكانت شدتها أسوء.

في ليلة السادس والعشرين من أبريل سنة 1986، كان (ألكسندر أكيموف) يعمل في مناوبته الليلية كرئيس ومشرف على الطاقم الليلي لدى الوحدة الرابعة في منشأة (تشيرنوبل) النووية. عندما تلقى لأول مرة أخباراً عن أن شيئا ما لم يكن على ما يرام، لم يصدق (أكيموف) الأمر، بل أنه قام حتى بالإبلاغ عن تلك الأخبار على أنها إنذارات خاطئة للمسؤولين عنه لمدة عدة ساعات، وهو خطأ فادح سيقوم بكل ما بوسعه للتعويض عنه في المستقبل القريب.

عندما أدرك مدى فداحة الضرر الحاصل على مستوى المفاعلات النووية، بقي متخلفا من أجل تقليل حجم الأضرار قدر الإمكان.

كان (أكيموف) هو الرجل الذي أعلن عن حالة الطوارئ بمجرد ما أُغلق المفاعل النووي، على الرغم من أنه بحلول ذلك الوقت كان الضرر قد وقع بالفعل، فقد كان المفاعل النووي قد انفجر وكانت تتسرب منه مستويات هائلة من الإشعاعات النووية.

بدلا من الفرار وإخلاء الساحة، بقي (أكيموف) في المنشأة وطلب من طاقمه تشغيل مضخات مياه الطوارئ من أجل إغراق المفاعل النووي بها، غير أن مصدر الطاقة لم يعد متاحا بعد الانفجار، ومنه قام هو وعدة من أفراد طاقمه المهندسين بالبقاء في ذلك المناخ السام داخل منشأة المفاعل النووي، يقومون بضخ مياه الطوارئ يدويا إلى المفاعل بدون حيازة أية معدات تحميهم من الإشعاعات.

في نهاية المطاف، لقي (أكيموف) ورفقائه من المهندسين مصرعهم في خضم كل تلك المجهودات، لكنهم نجحوا بشكل درامي في التخفيف من وطأة الكارثة، حيث ساهمت تضحيتهم بحياتهم في إنقاذ حياة الكثيرين من الآخرين.

7. زبينيف برزيزينسكي:

(زبينيف بيرزيزينسكي) رفقة وزير الشؤون الداخلية (سايروس فانس).
(زبينيف بيرزيزينسكي) رفقة وزير الشؤون الداخلية (سايروس فانس). صورة: Wikimedia Commons

يعد (زبينيف بيرزيزينسكي) واحدا من هؤلاء الأبطال الحقيقيين الذين استعانوا بالحدس والتفكير بذهن صافٍ في لحظة أزمة من أجل إنقاذ أمة كاملة.

في تمام الثالثة صباحا من يوم 9 نوفمبر سنة 1979، تلقى (بيرزيزينسكي) اتصالا لا يتمنى أي مستشار للأمن القومي أن يتلقاه، فقد اتصل به مساعده العسكري (ويليام أودوم) ليخبره بأن قيادة الدفاع الجوي الأمريكية الشمالية كانت قد أبلغت عن هجوم سوفييتي بالصواريخ.

أخبر المساعد العسكري أن قيادة الدفاع الجوي الآنفة عدّت حوالي 250 صاروخا تم إطلاقه من غواصة سوفييتية، والتي كانت متجهة نحو البر الرئيسي في الولايات المتحدة الأمريكية. طلب (بيرزيزينسكي) منهم أن يعيدوا عدّ الصواريخ القادمة وأن يؤكدوا صحة الهجوم قبل أن يتمكن من إصدار أمر بهجوم دفاعي مضاد.

عاد إليه المساعد العسكري برقم أكبر بكثير، لقد كانت 2200 صاروخا وليس 250، لقد بدا الأمر مثل هجوم لم يسبق له نظير، أشبه بغزو اجتياحي كامل.

تردد (بيرزيزينسكي) لوهلة، ولم يقم حتى بإيقاظ زوجته لنذرها بأن نهاية العالم وشيكة، وبينما بقي مترددا، وراح يهيئ نفسه ويتحضر للاتصال بالرئيس (جيمي كارتر) للبت في إطلاق الصواريخ الأمريكية نحو الاتحاد السوفييتي، اتصل به مساعده مجددا فقط هذه المرة ليخطره بأن هجوم الصواريخ ذاك كان عبارة عن رسالة إنذار خاطئة، حيث لم تكن هناك أية صواريخ متجهة نحو الولايات المتحدة.

اكتشفت التحقيقات التي تلت ذلك أن رقاقة كمبيوتر رخيصة كانت هي سبب تلك المشكلة التي تسببت في اضطراب أنظمة الاتصال ضمن قيادة الدفاع الجوي الشمالية الأمريكية، وبفضل تردد (بيرزيزينسكي)، لم تقم الولايات المتحدة بإطلاق صواريخ دفاعية مضادة لهجوم لم يحدث أصلاً.

8. جايمس بلنت:

جايمس بلنت
كان (جايمس بلنت) أكثر من مجرد مغني.

في سنة 1999، وقبل أن يصبح نجم البوب البريطاني (جايمس بلنت) نجما مشهورا بأغنيته الحزينة You’re Beautiful، كان ضابطا مسؤولا في الجيش البريطاني.

في شهر يونيو من تلك السنة، حال (بلنت) دون وقوع ما وصفه البعض ببداية حرب عالمية ثالثة، وذلك عندما تجاهل أمرا مباشرا من جنرال في الجيش الأمريكي، وخاطر بذلك بتعرضه لمحاكمة عسكرية قد تزج به في السجن لمدة طويلة.

بعد انتهاء حرب كوسوفو في روسيا، تم إرسال مجموعة من القوات من أجل حفظ السلام، وهي القوات التي تشكلت من جنود تابعين لحلف شمال الأطلسي «الناتو» وجنود روسيين، تلقت الوحدات أمرا بالتموقع في المنطقة، وكانت مهمتها تقتضي بالإبقاء على التوتر السائد في أدنى مستوياته ومنع تحوله إلى أعمال عنف.

كان الروسيون يعتقدون أنه سيتم منحهم منطقة خاصة بهم منفردين عن قوات الناتو، لكن هذا الأمر لم يحدث، لذا اتخذوا قاعدة وجدوها مناسبة وهي مطار خارج (كوسوفو) يطلق عليه اسم مطار (بريستينا).

للأسف، كان لقوات الناتو نفس المخطط، حيث كان مطار (بريستينا) موقعا مركزيا كان ليمنحهم تموقعا أفضل بعيدا عن أعين واتصالات سكان (بريستينا).

(جايمس بلنت) على الحدود اليوغسلافية - المقدونية في سنة 1999. خدم هناك لمدة ستة سنوات.
(جايمس بلنت) على الحدود اليوغسلافية – المقدونية في سنة 1999. خدم هناك لمدة ستة سنوات.

عندما وصلت قوات الناتو من بينها (جايمس بلنت) على رأس قيادة وحدته من القوات إلى مطار (بريستينا)، وجدوا بأن الروسيين كانوا قد احتلوه مسبقا، وبدا وكأن نشوب قتال ما كان مسألة وقت فقط.

بدا الصراع محتوما عندما أُمرت قوات الناتو باحتلال المطار وطرد الجنود الروسيين منه، غير أن (بلنت) عبر عن عدم موافقته على هذا الأمر، فقد شعر بأن الاجتياح سيتسبب في توتر العلاقات مع الروس، وربما سيتسبب في وضع حد لمساعي حفظ السلام في المنطقة، التي لم تنعم بالسلام إلا منذ أيام قليلة فقط.

عندما أُمر مباشرة باجتياح المطار، رفض رفضا قاطعاً، وهذا على الرغم من أن مصدر الأمر كان جنرالا في الجيش الأمريكي، ومن خلال رفضه لأمر مباشر، خاطر (بلنت) بالتعرض لمحاكمة عسكرية.

لحسن الحظ، وافق جنرال آخر كان في (بريستينا) على وجهة نظر (بلنت) واعترف بخطر الاجتياح الكبير، وفي غضون عدة ساعات، سحب كل القوات من المطار، مما أسفر عنه حل النزاع بطريقة مسالمة.

جاري التحميل…

0