تاريخ

تعرف على ”باريس الثانية“ التي بنيت في نهاية الحرب العالمية الأولى لخداع الألمان

بُنيت النسخة الثانية من باريس مع كل تفاصيلها من شارع (الشانزليزيه) إلى محطة (غار دو نور) في نهاية الحرب العالمية الأولى لخداع القاذفات الألمانية، وقد كانت مطابقة تماماً لمدينة باريس.

تعرف على ”باريس الثانية“ التي بنيت في نهاية الحرب العالمية الأولى لخداع الألمان

بدأت تفاصيل منشآت باريس الثانية المذهلة بالظهور بينما كانت العاصمة الفرنسية تستعد للاحتفال بالذكرى الثالثة والتسعين للهدنة التي عقدت مع الألمان –الهدنة هي اتفاق رسمي بين الأطراف المتحاربة لوقف القتال، وليس بالضرورة أن تكون نهاية الحرب، لأنها تتمثل في وقف الأعمال العدائية بينما يتم إجراء محاولة للتفاوض على سلام دائم.

جاء في وثائق محفوظة من الحرب العالمية الأولى كشفت عنها صحيفة (لو فيجارو)، أن المخططين العسكريين الفرنسيين قاموا بتصميم وتنفيذ تلك الفكرة لسبب واحد، وهو اعتقادهم بأنهم سيستطيعون خداع الطيارين الألمان بتلك المدينة الوهمية، فيقومون بتدميرها بدلاً من المدينة الحقيقية إذا ما خططت ألمانيا لذلك.

تقرر بناء المدينة الوهمية في الضواحي الشمالية لباريس، وكانت تضم شوارعاً زائفة مبطنة بأضواء كهربائية ومباني منسوخة عن تلك الحقيقية، حتى أنها كانت تحوي على نسخة من محطة (غار دو نورد) –وهي المحطة الشهيرة التي تسافر منها القطارات فائقة السرعة الآن من وإلى لندن.

وقال البروفيسور (جان كلود ديلارو)، وهو مؤرخ بارز يقع مقره في العاصمة الفرنسية: ”إنها قصة غير عادية ولا يعرفها الكثيرون، حتى الباريسيون أنفسهم يجهلونها“، وأضاف: ”ظلَّ بناء المدينة المزيفة سراً لأسباب واضحة، وتلك السرية التامة التي حافظت عليها الخطة لسنوات تبين مدى جدية المخططين العسكريين في فرنسا، ومدى تخوفهم الفعلي من تهديد جديد للقصف الجوي الألماني“.

وقد تم وضع المخطط الأساسي لتلك المدينة المزيفة من قبل الدفاع الجوي الفرنسي Défense Contre Avions في عام 1918، وتحديداً في الوقت الذي شارفت فيه الحرب على نهايتها وبدأت فيه مرحلة الهدنه الطويلة تدق على الأبواب.

في عام 1918 كانت فكرة جهاز الرادار لا تزال حديثة عهدها، وكانت قاذفات غوتا الثقيلة طويلة المدى التي تستخدمها القوات الجوية الألمانية أيضا بدائية بشكل مماثل. لذلك توقع المخططون العسكريون الفرنسيون أن الألمان سيقومون بحمل القنابل بالإستعانة بزعانف التبريد ثم يسقطونها على أي هدف يمكن أن يروه خلال طلعات جوية سريعة على المدن الكبرى مثل باريس ولندن.

اختار المخططون الفرنسيون الموقع المثالي لـ”باريس الثانية“ في منطقة قريبة من مدينة (ميزون لافيت) Maisons-Laffitte السياحية، والتي تبعد حوالي 25 كيلومترا عن وسط باريس وعلى امتداد نهر (السين)، في مكان مشابه تماما لذلك الذي تقبع فيه العاصمة، وتم بعدها إنشاء الأحياء الشهيرة في باريس بما في ذلك قوس النصر و دار الأوبرا وكذلك الضواحي الصناعية مثل (سانت دينيس) و(أوبرفيلي).

بالنسبة لأعمال البناء، فقد تم تعيين شركات خاصة لإنشاء المدينة بشرط التحلي بالسرية التامة، وتمت الإستعانة أيضاً بمهندس كهربائي يدعى (فيرنارد جاكوبوزي) الذي كانت مهمته تتمثل في تركيب الأضواء في كل مكان من ”مدينة النور“ الثانية بعد انتهاء العمال من نسخ المباني الباريسية الخشبية مع تفاصيلها الرائعة.

الخريطة على اليسار توضح الطرق المزيفة والسكة الحديدية المموهة التي كانت تضيء في الليل لإعطاء وهم بوجود قطار متحرك - صورة: أخبار لندن

الخريطة على اليسار توضح الطرق المزيفة والسكة الحديدية المموهة التي كانت تضيء في الليل لإعطاء وهم بوجود قطار متحرك – صورة: London news

كانت النتيجة مذهلة فقد أصبحت المدينة الجديدة مطابقة للعاصمة الفرنسية بشكل دقيق للغاية، حتى أن المصانع فيها بدت كأنها قديمة وتعمل منذ زمن طويل، حيث أنهم قاموا بطلاء أسطحها بلون شبه شفاف ما جعلها تبدو تماما كتلك الحقيقية التي تحتوي على زجاج متسخ يعلو أسطحها.

ولمحاكات ”مدينة النور“ الرائعة استُخدمت العديد من أنواع الإنارة مثل مصابيح مختلفة الألوان بيضاء وصفراء وحمراء لخلق تأثير الآلات التي تعمل في الليل، في حين أن القطارات الزائفة والمسارات الحديدية كانت أيضا مضاءة جزئيا في الليل.

على الرغم من اكتمال العديد من الأعمال بتفاصيلها الدقيقة تلك، لم تكن النسخة المطابقة لمدينة باريس قد انتهت تمامًا قبل أن يقوم الألمان بشن آخر غارة جوية على باريس في سبتمبر 1918، هذا يعني أن المدينة المزيفة لم تختبر أبدًا.

صورة من القصف الألماني على باريس يوم 29 مارس 1918 - صورة: Agence Rol / WikiCommons

صورة من القصف الألماني على باريس يوم 29 مارس 1918 – صورة: Agence Rol/Wikimedia Commons

قال البروفيسور (ديلاروه): ”إن باريس المزيفة سرعان ما تم تفكيكها بعد انتهاء الحرب“، مشيراً إلى أنها كانت قد بنيت منذ فترة طويلة.

بينما بقيت باريس سالمة إلى حد كبير من الحربين العالميتين؛ خلفت الحرب أضرارا بالغة في مدينة لندن حيث قتل وجرح المئات من سكانها بعد أن شهدت العاصمة الإنجليزية غارة قامت بها القوات الألمانية بواسطة قاذفة القنابل الليلية (جوثاس) في يونيو 1917 وتسببت في مقتل 162 شخصًا، من بينهم 46 طفلاً، وأصيب ما يصل إلى 500 شخص آخر بجروح بليغة.

كان أحد أسباب ارتفاع عدد الإصابات والضحايا والخسائر التي خلفتها غارات القصف الألمانية في بريطانيا أن الحدث كان جديداً نسبيا على المدنيين الذين تجمعوا ليشاهدوا ما يحصل، وهذا ما أدى إلى إصابة العديد منهم.

في المقابل كانت باريس مستعدة بشكل أفضل بكثير. وفي نهاية الحرب تم تكريم المهندس (جاكوبوزي) على ما قام به من أعمال بارعة ساعدت في إنجاح الخطة الدفاعية الفرنسية، ونال بعدها شهرة أوسع عندما قام بتصميم الإضاءة الكاملة التي أنارت برج (إيفل) الشهير لأول مرة.

المصادر

عدد القراءات: 1٬487