علوم

10 حقائق علمية حول النكاية ”الجكارة“ نراهن أنك لم تسمع بها من قبل

الجكارة
صورة: shutterstock

وفقا لإحدى الأساطير من العصور الوسطى، حوالي سنة 870 ميلادي بالضبط، فإن لأكثر الأقوال المأثورة شهرة حول النكاية قصة قديمة جدا تضرب جذورها في عمق التاريخ، تفيد هذه القصة أنه عندما وصل الغزاة الفايكينغ لأحد الأديرة في إسكتلندا؛ أخبرت الراهبة القديسة (آبي الصغرى) أخواتها الراهبات الأخريات أن يشوهن مظاهرهن، أخبرتهن أن ذلك سيمنع الغزاة عن اغتصابهن، ثم حملت سكيناً وعمدت إلى قطع أنفها وشفتها، وحذوت حذوها أخواتها الراهبات.

عندما دخل عليهن الفايكينغ، ارتدوا وذعروا لهول ما رأوه: لقد قامت جميع الراهبات بقطع أنوفهن وشفاههن نكاية وتنكيلا بمظاهرهن حتى لا يبدين جذابات في نظر الغزاة المغتصبين، ويبدو أن حيلتهن قد نجحت، حيث امتنع الفايكينغ عن اغتصابهن، لكنهم كان لهم نصيبهم من النكاية، حيث بدلا من اغتصاب الراهبات، أحرق الفايكينغ الدير وأحرقوا معه الراهبات وهن على قيد الحياة!

إن النكاية و”الجكارة“ هو تصرف عمدي بهدف إلحاق الأذى بأحدهم حتى وإن لم تكن هناك أية منفعة ترجى من ذلك، بل وحتى وإن كانت تلك الأفعال قد تعود بالمضرة على فاعلها نفسه، وهو فعل لابد أن أي واحد منا قد فعله في مرحلة ما من حياته، وقد تتنوع أعمال النكاية من بسيطة لا تتعدى مجرد السير بسرعة بطيئة جدا في الطريق بالسيارة من أجل إعاقة السائق خلفك الذي ظل يطلق بوق سيارته، لتكون كبيرة كأن ينفق أحدهم أموالا طائلة من أجل بناء منزل كبير لا لشيء إلا لحجب منزل جاره وحجب ضوء الشمس عنه.

الجكارة

وعلى الرغم من أن منافع النكاية لا تكون آنية عادة ولا يمكن رؤية مكاسبها لحظة القيام بها، فإنها كذلك ليست مجرد سلوك شاذ يحملنا على التصرف بسوء: فهي قد تكون عبارة عن وسيلة نستخدمها لصالح فائدتنا. في مقالنا هذا على موقعنا ”دخلك بتعرف“ جمعنا لكم أعزاءنا القراء عشرة حقائق يخبرنا بها العلم عن النكاية:

1. تمتد جذور النكاية إلى الماضي السحيق، إلى البكتيريا الأولى بالتحديد:

بالمفهوم التطوري، فإن البشر تطوروا منذ زمن بعيد عن البكتيريا، ومع ذلك ما زالت بعض هذه الكائنات الحية الدقيقة تظهر سلوكات يمكننا أن نصفها بالنكاية. تفرز بعض أنواع البكتيريا مواداً سامة تعرف باسم Bacteriocins أو «المبيد الجرثومي» الذي يتجلى عمله الخاص في مهاجمة وقتل البكتيريا الأخرى.

والمثير في الأمر هو أنه بالنسبة للعديد من أنواعها، تؤدي هذه المواد السامة المفرزة إلى موت البكتيريا المهاجمة التي أفرزتها، وهو ما دفع العلماء إلى الاعتقاد بضرورة وجود منفعة تطورية خلف هذا السلوك، ومنه فإن العلماء الاجتماعيين يدققون النظر والبحث عن سلوكات النكاية لدى كائنات حية أخرى لمعرفة ما إن كان بإمكاننا فهم هذه الظاهرة لدى نوعنا نحن البشر.

2. توجد هناك مدرستان فكريتان عن النكاية:

توجد ما يعرف بـ«المدرسة الهاميلتونية عن النكاية» التي ترى بأن أفعال النكاية تكون ضد أفراد لا تربطك علاقة قرابة بهم أو تربطك علاقة قرابة بعيدة معهم، والتي نالت تسميتها هذه من عالم البيولوجيا (ويليام دونالد هاميلتون)، وهناك أيضا «المدرسة الويلسونية» تيمنا بالعالم البيولوجي (إيدوارد أوزبورن ويلسون) التي ترى بأن أفعال النكاية التي تقوم بها تعود بالمنفعة غير المباشرة على شخص تربط به علاقة قربى.

تقول المدرسة الأولى بأن الحيوانات تعمد إلى التصرف بنكاية لأن درجة الضرر الذي يقع عليها يكون أخف من الضرر الذي تلحقه بعدوها ”غير القريب“، بينما تجادل المدرسة الثانية أن صفة التصرف بنكاية استمرت في الوجود حتى الآن لأن الضرر الذي تحدثه بالآخرين –حتى لو وقع بعض الضرر على فاعلها– يعود بالمنفعة على أفراد آخرين يهتم لهم فاعلها.

3. النكاية لا تختلف جداً عن الإيثار مثلما قد تعتقده:

بالنسبة للشخص العادي، فإن التصرف بنكاية يكون عندما يرغب في إلحاق الأذى بشخص آخر، لكن للعلماء الاجتماعيين مفهوما خاصاً آخر: بالنسبة لهم فإن النكاية تصرف: ”يكلّف كلاً من الفاعل ومتلقي الفعل“، وهو واحد من أربعة ”سلوكات اجتماعية“ من تصنيف (هاميلتون)، أما السلوكات الثلاثة الأخرى فهي: الإيثار (له تأثير إيجابي على المتلقي وتأثير سلبي على فاعله)، والأنانية (لها تأثير سلبي على المتلقي وتأثير إيجابي على فاعلها)، والمنفعة المتبادلة (لها تأثير نافع وإيجابي على كل من الفاعل ومتلقي الفعل).

بالنظر إلى الأمر من هذا المنظور، أطلق الباحثون على النكاية لقب ”شقيقة الإيثار القبيحة والمهملة“، وذلك لسبب جيد؛ فكلا الفعلين يخلفان تأثيراً سلبياً على فاعليهما، وفي كليهما لا يكترث الفاعل عادة بما سيحصل له لأنه لا يتصرف بذلك من أجل تحقيق أية مكاسب شخصية، كما لا يزعجه واقع ما سيحدث للطرف المتلقي.

وفقا لورقة بحثية من سنة 2006: ”كل صفة اجتماعية ناكية تكون في نفس الوقت مؤثرة، بكلمات أخرى أي خاصية تعمل على إنقاص منفعة الأفراد غير الأقرباء تزيد من منفعة الأفراد الأقرباء بالضرورة.“

4. قد تكون السلوكات الناكية دلالة على السيكوباثية:

في علم النفس، يتلخص ”ثالوث الظلام“ للصفات الشخصية في كل من: السيكوباثية (عدم القدرة على الشعور بالتعاطف تجاه الآخرين والندم على إلحاق الضرر بهم)، والنرجسية (هوس الشخص بنفسه)، والميكيافيلية (الاستعداد للقيام بأفعال بغض النظر عن مطابقتها للأخلاق بهدف تحقيق الأهداف الشخصية ”الغاية تبرر الوسيلة“).

في سنة 2014، قام باحثون في جامعة واشنطن الحكومية بقيادة عالم النفس (دافيد ماركوس) بإخضاع أكثر من 1200 شخص مشارك لاختبار صفات الشخصية، وقدم خلال هذا الاختبار للمشاركين سبعة عشر تصريحا من نوع: ”سأكون مستعدا لتلقي لكمة في الوجه إذا كان ذلك يعني أن شخصا أكرهه سيتلقى لكمتين“، و”إذا تذمر جاري من مظهر باحتي الأمامية، فسأقوم بتشويه منظرها أكثر فقط لإزعاجه أكثر“، وكان على المشاركين تبيان مدى موافقتهم على هذه التصريحات.

بينت النتائج التي نشرت في مجلة «التقدير النفسي» أن تحقيق نقاط كبيرة على سلم النكاية ارتبط بشكل وثيق بالسيكوباثية، إلى جانب الخاصيتين الأخريين في ”ثالوث الظلام“ للشخصية البشرية.

5. يبدو أن الرجال يتصرفون بنكاية أكثر من النساء:

أظهرت نفس الدراسة أن مستويات النكاية كانت أعلى لدى الرجال أكثر منها عند النساء، ويبقى السبب وراء ذلك غير واضح تماماً، لكن الدكتور (ماركوس) يملك بعض النظريات حول الأمر: وفقاً لتصريح صحفي أدلى به لدى جامعة واشنطن الحكومية، قد يكون السبب في كون الرجال حققوا نقاطاً عالية على سلم النكاية بسبب: ”كونهم حققوا نقاطاً عالية كذلك على سلم صفات ثالوث الظلام للشخصية بصفة عامة“.

رسم يوضح مفهوم النكاية

لكنه يتساءل كذلك عما إذا كان وهو وزملاؤه قد استعانوا بسيناريوهات ناكية ”أكثر ذكورية“ وتناسب بشكل أكبر الرجال من النساء في هذه الدراسة التي قاموا بها، وهو يرجح أنهم على الأرجح كانوا ليستعينوا ببعض الوضعيات المتعلقة بالعلاقات بين الأزواج التي تتصرف فيها النساء عادة بنكاية.

6. الأطفال الصغار والمسنّون يتصرفون بنكاية أقل من الفئات العمرية الأخرى:

يميل الأطفال إلى رفض الأنظمة غير العادلة مثل البالغين تماما، لكن وفقا لـ(ماركوس)، فإن مراجعة بحثية علمية أظهرت أن الأطفال يرفضون الأنظمة غير العادلة حتى عندما تكون تعمل لصالحهم ويستفيدون منها، قال (ماركوس) في تصريح صحفي: ”يبدو أنه في سن مبكرة جدا، يتعلق الأمر بالنسبة للأطفال دائما بالعدالة“، واستطرد: ”فإن قاموا بتقسيم الحلوى على سبيل المثال وحصلوا على قدر أكبر منها من الأطفال الذين يلعبون ضدهم [في لعبة تنافسية مثلاً] فهم غالبا ما يكون تفكيرهم كالآتي: ’لا، لن يتحصل أي منا على أي شيء في هذه الحالة‘.“

حيث لم يتفاعل الأطفال بكل بساطة مع سلوكات النكاية كما لم يحبذوا رؤية الآخرين يتضررون؛ بالنسبة لهم أن يفوز الجميع أو لا أحد يفوز، ووجد بحث (ماركوس) كذلك أن الأشخاص المسنين كانوا يتصرفون بنكاية أقل من البالغين الشباب والبالغين في منتصف العمر بصفة عامة.

7. قد تساعد النكاية على إحلال العدل:

على الرغم من أن النكاية تحيّر العلماء التطوريين وتربكهم، فإن العلماء المختصين في نظريات الألعاب يفهمون بشكل أفضل كيفية عملها، فهي في نظرهم تشجع على اللعب العادل —ربما لم يكن ذلك آنياً لكن في نهاية المطاف هي تفضي إلى اللعب العادل— ضمن النظام بصورته الكاملة.

في سنة 2014، قام اثنان من العلماء الأمريكيين ببناء نموذج كمبيوتري عن لاعبين افتراضيين أوعزت لهما مهمة تقسيم مبلغ من المال بينهما، كان اللاعب الأول هو من يختار الطريقة التي سيتم وفقا لها تقسيم المال، واللاعب الثاني يبدي رأيه بالموافقة أو الرفض، ففي حالة أجاب بالقبول فإن تقسيم المال يكون وفقا لما اقترحه اللاعب الأول، وفي حالة رفضه طريقة التقسيم، فإن المال لا يقسّم بينهم نهائيا

اكتشف الباحثان أنه على الرغم من أن النكاية الشديدة لدى كلا الطرفين دحضت أي أمل في اللعب بشكل تعاوني بصورة لا يمكن إصلاحها، فإن مستويات معتدلة من النكاية شجعت على التبادل العادل بين اللاعبين بشكل أكثر، وهو تفكير معقول جدا، فإن تصرف أشخاص بنكاية وحرموا أياً كان الحصول على جائزة ما، فإن نكاية الآخرين فيهم ستكون بأن يتصرفوا بشكل أكثر عدلا ويضمنوا أن يحصل كلا الطرفين على جائزة.

8. ليس البشر الكائنات الوحيدة التي تتصرف بنكاية:

يبقى موضوع ما إن كانت الحيوانات تشعر وتتصرف بالنكاية مثلما نفعله نحن البشر أم لا موضوع نقاش وجدل بين العلماء، غير أن المفهوم الكلاسيكي لهذه الخاصية الذي يعرّفها على أنها فعل يعود بالسلب على كلا الطرفين [الفاعل ومتلقي الفعل]، بإمكاننا العثور على بعض أشكال النكاية في الطبيعة.

تقوم قرود الكبوشي على سبيل المثال بإحلال العقاب على القرود الأخرى التي تتصرف بشكل غير عادل تجاه بقية أفراد المجموعة الاجتماعية التي تعيش ضمنها، حتى وإن كان الأمر يعني خسارة عامة في الموارد والغذاء، ثم لدينا أحد أنواع الدبابير الطفيلية التي تعرف باسمها العلمي Copidosoma Floridanum، والذي يقوم بوضع بيوضه داخل بيضة حشرة العتة، وبعد مدة تظهر داخلها عدة أجنة يصل عددها أحيانا إلى ثلاثة آلاف جنين في البيضة الواحدة.

عندما تفقس يرقات حشرة العتة المضيفة، تبدأ يرقات الدبور في التكاثر لكنها لا تتطور كلها لتصبح دبابيراً، فبعضها الذي يطلق عليه اسم ”اليرقات الجنود“ عقيمة وغير قابلة للإخصاب، وهي تتواجد لسبب وحيد هو قتل يرقات الدبابير الأخرى (من غير الأقرباء) من أجل حماية شقيقاتها، وعندما تغادر هذه الأخيرة الحشرة المضيفة، تموت ”اليرقات الجنود“ على الفور.

9. النكاية والانتقام أمران مختلفان تماما:

في دراسة أجريت سنة 2007 قام فيها علماء ألمانيون بتجربة وضعوا خلالها قرود الشيمبانزي واحدا تلو الآخر في أقفاص وجعلوا الغذاء متاحا لها من خلال طاولة منزلقة خارج القفص، كانت طاولات الغذاء هذه مربوطة بحبال لدى سحبها تنقلب ويسقط منها الغذاء إلى الأرض. لاحظ العلماء أن القرود لم تكن تسحب الحبال أبدا عندما كانت تأكل، لكن عندما كان قرد آخر في قفص مجاور يسرق طعامها قبل أوان دوره في الأكل كانت تسحب الحبل وتتسبب في سقوط الطعام عن الطاولة في حوالي خمسين بالمائة من المرات.

أما إن كان أحد القرود يأكل من الطاولة وحاول القرد الثاني أن يأكل معه ومنعه هذا الأول من ذلك، فإن هذا القرد المحروم لم يكن يسحب الحبل ليوقع غذاء القرد الأول على الأرض. بكلمات أخرى، استنتج العلماء أن: ”قرود الشيمبانزي كانت تتصرف بانتقام لكنها لم تكن تتصرف بنكاية“، فهي كانت تعاقب القرود الأخرى في حالة واحدة فقط هي عندما تكون تستفيد من معاناتها الشخصية أو من خلال إيقاع الضرر بها.

10. قد تكون النكاية لعبة قديمة جدا، قدم الحياة على الأرض:

بالمفهموم الكلاسيكي، تعني النكاية أن فاعلها لا يتحصل على أية منفعة آنية، بل في الواقع قد يفقد أفضلية بتصرفه بطريقة ناكية، لكن السبب الذي جعل صفة النكاية تستمر في الوجود خلال المسار التطوري وتناقلها من جيل إلى آخر بين الأنواع هو لأنه كان لها منفعة كبيرة على المدى البعيد: إذا رأى فيك محيطك على أنك شخص قد ينتقم من شخص آخر حتى لو كان سيضر بنفسه في هذه الحالة، فسيعلم الناس جيدا هنا أنك شخص لا يجب العبث معه إطلاقا.

كما سيكون أفراد آخرون أقل احتمالا في منافستك ومجاراتك، لأنهم يعلمون أن العبث معك قد يعني هلاكهم، ومنه ستسبقك سمعتك كشخص يتصرف بنكاية حيثما تحلّ، يقول (فرانك مارلوي) عالم أنثروبولوجيا بيولوجية في جامعة كامبريدج لصحيفة النيويورك تايمز بهذا الصدد: ”لربما لا يعتبر الأمر نكاية بالنظر إلى المدى البعيد“، وأضاف: ”إذا حظيت بسمعة ذلك الشخص الذي لا يجب العبث معه، ولا أحد يعبث معك تباعاً، إذن فالأمر كان يستحق ذلك العناء [عناء الخسارة في بعض الأحيان وإلحاق الضرر بنفسك]“.

المصادر

عدد القراءات: 8٬721