اجتماعيات

مواطنون بلا بلاد وبلا حقوق، قصة البدون في الكويت

البدون في الكويت

عند النظر إلى المنطقة العربية قبل مائة عام أو أكثر، فهي ستبدو مختلفة جغرافياً بشكل كبير عما هي عليه اليوم، فالحدود التي تفصل اليوم البلدان العربية وبالأخص القسم الآسيوي منها لم تكن موجودة سابقاً، وفي الواقع أتت كواحدة من المستوردات الأوروبية الأولى في فترة الانتداب البريطاني والفرنسي للمنطقة حيث صنعت الدول العربية الموجودة اليوم إما من تقسيمات مصالح المنتدبين أو بسبب زعامات أمراء القبائل.

كون البلدان العربية حديثة العهد من حيث كونها دولاً مستقلة، خلق مشكلة كبيرة عند استقلالها ورسم حدودها السياسية القائمة، ومع كون المنطقة الخليجية بدوية في معظمها (حيث القبائل موجودة حتى الآن) فالانتقال الكبير نحو التمدن أتى بشكل أساسي مع اكتشاف النفط في المنطقة وبدأ صناعات كاملة على أساسه جعلت المنطقة من أغنى الأماكن في العالم. هذا التحول السريع تجاه المدنية سبب ظهور مشكلة لدى بعض قبائل البدو الرحل الذين لم يحصلوا على جنسيات بلدانهم التي يقطنونها وسُمُّوا لاحقاً بالبدون اختصاراً لعبارة ”بدون جنسية“.

مشكلة عالمية بأسباب متعددة

أشخاص مجردون من الجنسية

يوجد أكثر من 10 ملايين شخص مجردين من الجنسية حول العالم اليوم.

مع أن حالة البدون في الكويت أسوأ بمراحل من الحالات الأخرى، فهي ليست الوحيدة في العالم، فحتى اليوم يوجد العديد من السكان حول العالم ممن يعيشون حياتهم دون أي جنسية ودون أي اعتراف دولي بهم حيث غالباً ما يعاملون كأجانب أحياناً، أو يحصلون على حقوق جزئية فقط، وواحد من أقرب هذه الصفات هو حال فلسطينيي الشتات في سوريا ولبنان حيث أنهم لا يستطيعون الحصول على جنسيات بلادهم من ناحية، ومعظم الدول حول العالم لا تعترف بالجنسية الفلسطينية أصلاً (في حال تمكنوا من الحصول عليها).

حالات المواطنين المجردين من الجنسية أو الذين خسروا جنسياتهم منتشرة في أماكن عديدة حول العالم، بداية من العالقين بين الهند وباكستان بعد نشوء الدولة الباكستانية عام 1947 بعد أن كانت جزءاً من الهند سابقاً، والأمر يتكرر في حالة المواطنين الكوريين الشماليين المقيمين باليابان حيث يعدون مجردين من الجنسية كون كوريا الشمالية لا يعترف بها أصلاً من قبل اليابان كدولة.

في غالبية الحالات، تنشأ مشاكل المواطنين المجردين من أي جنسية مع نشوء الدول والبلدان أصلاً أو نتيجة الحروب التي تؤدي إلى نشوء بلدان جديدة وأزمات لاجئين. غالباً هذه المشاكل تلاقي حلولاً لاحقاً مع إعطاء البلدان لجنسيتها للمستقرين على أراضيها دون جنسية كما هو الحال مع مواطني مدينة هونغ كونغ عند انتقالها من الحكم البريطاني للحكم الصيني عام 1998، لكن بعض الحالات تستمر على حالها دون علاج لتخلق مشاكلاً لاحقاً كحالة البدون واللاجئين الفلسطينيين منذ ستينات القرن العشرين.

بين المواطنة والإقامة غير الشرعية

جواز سفر كويتي

يعيش معظم البدون دون أي أوراق حكومية، فيما يحصل بعضهم على بطاقات ملونة تحدد ألوانها وضعهم.

نشأت مشكلة البدون منذ بداية الدولة الكويتية عام 1961 حيث استقلت الكويت عن الانتداب البريطاني وانضمت إلى الأمم المتحدة، فبعد صدور قانون الجنسية الكويتية عام 1959 أهمل موضوع التقدم للحصول على الجنسية من قبل الكثيرين من أبناء القبائل المتنقلة كون حياتهم تعتمد على الترحال عموماً.

بالنسبة للبدون، فهم يؤكدون على أنهم مواطنون كويتيون كونهم ولدوا في البلاد ويتحدرون أصلاً من عائلات كويتية وقبائل تسكن المنطقة منذ زمن طويل، إلا أن إهمال أسلافهم للتقدم بطلب الحصول على الجنسية الكويتية من جهة وعجزهم عن تأمين أي أوراق رسمية تثبت أن أسلافهم الذكور كانوا يسكنون المنطقة قبل عام 1959 تسبب في رفض الحكومة لتجنيسهم طوال السنوات، حيث يعيد البعض الأمر إلى تحيزات طائفية أو عرقية مع كون معظم البدون ينتمون للطائفة الشيعية.

الحكومة الكويتية بالمقابل، لا تعترف بكون البدون يستحقون الجنسية الكويتية إلا لفئة صغيرة من حوالي 32 ألف شخص، من أصل أكثر من 122 ألفاً يعيشون اليوم كسكان غير شرعيين للكويت، فالحكومة الكويتية أكدت في العديد من المناسبات على اتهامها للبدون بكونهم مواطنين سعوديين وعراقيين وسوريين هاجروا للكويت بعد استقلالها عام 1961 وتخلصوا من أوراقهم الثبوتية التي تربطهم ببلدانهم الأصلية.

30 عاماً من الحياة الكريمة، لكن الحرب غيرت كل شيء

بعد استقلال الكويت وحتى عام 1991 (بعد نهاية حرب الخليج الثانية وانسحاب القوات العراقية من الكويت) عاش البدون في حالة جيدة إلى حد بعيد حيث عوملوا كمواطنين كويتيين، وحصلوا على الامتيازات المعتادة للمواطنين حتى أن الكثير منهم شغلوا وظائف حكومية بالأخص ضمن قوى الجيش والشرطة.

خلال هذه الفترة حصل البدون على حقوق تسجيل حالات الزواج والطلاق والولادة والوفاة دون أي مشاكل، كما أن حقهم بالملكية وحصولهم على الوظائف الحكومية جعلهم في حالة سكون دون مطالب حقيقية بالجنسية في ظل تمتعهم بحقوق قريبة إلى حقوق المواطنين الكويتيين، حيث قدرت الإحصاءات أعدادهم حينها بين 220 و 320 ألفاً.

الأمور لم تستمر على حالها بعد ذلك، فبعد الغزو العراقي للكويت وهروب العائلة الحاكمة إلى الرياض عام 1990 ومن ثم انسحاب القوات العراقية مع نهاية حرب الخليج الثانية عام 1991، فالحرب قادت إلى تضييق حكومي كبير على البدون وعملياً تهجير أدت إلى خفض عددهم إلى ما بين 90 و110 آلاف شخص بحلول عام 2010، كما أنهم فقدوا معظم ميزاتهم خلال هذه الفترة بما فيها الحصول على الوظائف الحكومية أو الرعاية الصحية المجانية أو حتى تسجيل حالات الزواج والولادة.

مطالب بالتغيير، وردود مخيبة

مظاهرة للبدون للمطالبة بحقوقهم

مظاهرة للبدون للمطالبة بحقوقهم

مع بداية ثورات الربيع العربي عام 2011 ونجاحها في كل من تونس ومصر، بدأت بعض الاحتجاجات من قبل البدون على شكل مظاهرات للمطالبة بحقوقهم الضائعة ومنحهم الجنسية الكويتية، هذه المظاهرات ووجهت بتفريقها باستخدام الغاز المسيل للدموع والمياه من قبل القوات الكويتية، ومع أن الحكومة قدمت مقترحات عدة لإعطاء الجنسية لأعداد من البدون، فالغالبية العظمى منهم لم تشملهم هذه المقترحات أصلاً مما أدى إلى محاولات متكررة للاحتجاج والتظاهر حيث نشرت منظمة ”هيومن رايتس ووتش“ تقريرها عام 2013 منتقدة فيه الحكومة الكويتية على تعاملها العنيف مع البدون وحرمانهم من التظاهر للمطالبة بحقوقهم.

مع أن مساعي الحكومة الكويتية منذ عام 2011 لاقت ردود فعل إيجابية نسبياً، فقد أقرت أن 34 ألفاً من البدون يستحقون الجنسية الكويتية (وإن لم تذكر إجراءات تجنيسهم) كما تعهدت بتجنيس 4000 منهم خلال عام 2013 وسط ترحيب عالمي، كما أن الحكومة كانت قد أعادت قبول أبناء البدون في المدارس الرسمية، لكن أياً من هذه القرارات لم تحقق طموحات هذه الفئة التي لا تزال غالبيتها مهمشة.

في عام 2014 صدر تصريح مثير للجدل من مساعد وكيل وزارة الداخلية، حيث قال أن عشرات الآلاف من عديمي الجنسية (البدون) من الممكن أن يحصلوا على ”المواطنة الاقتصادية“ لجمهورية جزر القمر حيث يسجلون كمواطنين للبلد الأفريقي المكون من أربع جزر صغيرة في المحيط الهندي، حيث أن المقبلين على هذه الخطوة سيحصلون على تسهيلات حكومية تتمثل بإقامة دائمة وتعليم مجاني ورعاية صحية. بطبيعة الحال واجه التصريح ردوداً غاضبة من البدون الذين اعتبروه إهانة كبيرة لهم مما أدى إلى عدم تنفيذ أي من محتوياته.

بداية شهر أبريل\نيسان من عام 2017 وافقت الحكومة الكويتية على السماح للبدون بالانضمام لقوات الجيش الكويتي بسبب النقص الكبير في المنتسبين له، فمساعي الحكومة السابقة التي تمثلت بفتح باب الانضمام للجيش لأبناء الكويتيات المتزوجات من مواطنين خليجيين لم تكن كافية لسد النقص الكبير، ومع أن القرار سيسمح فقط للبدون من الفئة التي تمتلك إثباتاً لوجود أسلافها في الكويت خلال إحصاء عام 1965، فمن المتوقع أن يحل تجنيد البدون كبديل للخدمة الإلزامية التي طرحت مؤخراً ولاقت انتقادات واسعة.

ماذا يحمل المستقبل لهم؟

على مدار السنوات وبالأخص في الفترة منذ عام 1991 تعرض البدون للكثير من المشاكل والمضايقات، حتى أن المشاريع الحكومية لتغيير أوضاعهم كانت تواجه مشاكل في تجاوز مجلس النواب أو حتى تطبيقها بعد ذلك، فمع أن الحكومة الكويتية اعترفت بأن أكثر من 30 ألفاً من البدون يستحقون الجنسية الكويتية منذ عام 2011 فهم باقون على حالهم حتى اليوم.

القرار الجديد الذي سمح بتجنيد البدون (أو فئة منهم على الأقل) في قوات الجيش الكويتي، قد يكون بداية فصل جديد من تاريخهم في الكويت، ومع أن الأمور لا تبدو مشرقة من ناحية منحهم للجنسية في أي وقت قريب، ففتح باب العمل بشكل واسع لهم سيسهم في تحسين أوضاعهم الاقتصادية السيئة نسبياً على الأقل.