اجتماعيات

هل يعد سجن أبو غريب في العراق النسخة الحقيقية لتجربة سجن ستانفورد؟

تجربة سجن ستانفورد

تجربة سجن ستانفورد 1971 هي واحدة من أكثر الدراسات المثيرة للجدل في تاريخ علم النفس الاجتماعي، وتمت تحت إشراف فريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو من جامعة ستانفورد.

كان الهدف من التجربة معرفة إذا كانت وحشية الحراس في السجون الأمريكية سببها الشخصيات السادية للحراس (الميول) أو سببها بيئة السجن ”الظرفية“؟

هل يمكن أن يكون عدم احترام السجناء للقانون وتميز الحراس بالعدوانية والاستبداد سببه طبيعة شخصياتهم؟ أم أن تصرفهم تابع لهيكلية السلطة العدائية للبيئة الاجتماعية في السجن؟

إذا تصرف السجناء والحراس بطريقة غير عدوانية هذا سيدعم فرضية (الميل العدائي).. أما إذا تصرفوا بنفس الطريقة التي تتم بالسجون الحقيقية فهذا سيدعم (التفسير الظرفي).

تمت التجربة في الطابق السفلي في جامعة ستانفورد في مبنى علم النفس في سجن وهمي يحاكي السجن الحقيقي، بعد الإعلان وافق 70 طالبا وتم اختبارهم وإجراء مقابلات تشخيصية معهم واختبارات شخصية حيث تم إقصاء المرشحين الذين لديهم مشكلات نفسية وأمراض أو تاريخ مرتبط بالجريمة أو المخدرات حتى بقي 23 متطوعا، ويحصل كل متطوع على 15 دولار لليوم الواحد. تم تعيين المشاركين عشوائياً وفي النهاية كان التقسيم بين 10 سجناء و11 حارس و2 كاحتياط.

قسّم الحراس أنفسهم الى مجموعات يتناوبون كل 8 ساعات، أما السجناء فقد قسموا إلى 3 سجناء لكل زنزانة، وهناك زنزانة انفرادية للسجناء الذين يسيئون التصرف.

عندما وصل السجناء للسجن اُجبروا على التعري ومصادرة كل ممتلكاتهم الشخصية، وتم إعطائهم الزي الرسمي للسجن الذي يحمل رقما فقط، حيث كانت الغاية من استخدام الأرقام لكي يشعر السجناء بانعدام الهوية والانتماء فأصبحوا خانعين ومسلوبي الشخصية، ويُستدعى السجين عن طريق رقمه فقط. أما الحراس فكانوا يرتدون ملابس متطابقة ونظارات شمسية لمنع التواصل بالعين مع السجناء.

تجربة سجن ستانفورد

لم يتم اعطاء الحراس أي تعليمات محددة وتركوهم لحريتهم بالحفاظ على القانون والنظام، الأمر الوحيد الذي تم اعطائهم اياه هو عدم استخدام العنف الجسدي.

خلال الأيام القليلة المقبلة بدأ تصرف السجناء يصبح قريبا من تصرف السجين الحقيقي وتغيرت العلاقة بين السجناء والحراس حيث أن تغيُّر أحدهم يؤدى لتغير الآخر.

تزايد احتقار الحراس للسجناء جعل السجناء يصبحون أكثر إطاعة وانقيادا، وكلما أصبح السجناء أكثر خضوعا أصبح الحراس أكثر عدوانية وحزما وطالبوهم بالطاعة والخضوع بشكل أكبر من ذي قبل.

في اليوم الثاني من التجربة تمرد السجناء وخلعوا قبعاتهم وانفصلوا وتحصنوا داخل غرفهم ووضعوا الأَسرة أمام الباب، كان رد الحراس باستخدام طفاية الحريق وأطلقوا عليهم غاز ثاني أكسيد الكربون وأَجبَروا السجناء بالقوة أن يبتعدوا عن الباب. بعد ذلك اقتحم الحراس كل الغرف وجردوا السجناء من ملابسهم وأخرجوا أسرتهم وتم وضع زعماء التمرد في السجن المنفرد. صادر الحراس أفرشة النوم وجردوا السجناء من ملابسهم وأجبروهم على النوم أرضا.

تجربة سجن ستانفورد

تصرُف الحراس كان وحشياً وسادياً بدرجة لاتصدق فأصبح السجناء مصدر تسلية لهم، حيث سخروا منهم ووكلوهم بمهام مملة ولا فائدة منها عدا عن ضربهم والاعتداء عليهم وحرمانهم من دخول المرحاض وإذلالهم وإهانتهم بأبشع الطرق والوسائل.

اطلق سراح السجين 8612 بسبب بكائه وغضبه وصرخاته التي لا يمكن تحملها حيث أصبح تفكيره مضطربا ودخل في اكتئاب حاد. وفي غضون الأيام القليلة المقبلة، أطلق سراح 3 آخرين بعد إظهارهم علامات من الاضطراب العاطفي التي تسبب عواقب متأخرة.

أراد زيمباردو من التجربة أن تستمر لأسبوعين لكنها أنهيت في اليوم السادس لأن أشرطة الفيديو كشفت تصاعد سوء معاملة الحراس للسجناء خلال الليل ظناً منهم أن لا احد يراقبهم، ودفعهم الملل أيضا إلى إساءة وإهانة للسجناء بشكل أكبر. كان السجناء سعيدين جدا بإنتهاء التجربة على عكس الحراس الذين كانوا منزعجين.

الخلاصة:

الأغلبية من المشاركين وجدوا أنفسهم غير قادرين على التمييز بين أدوارهم وشخصيتهم الحقيقية، حيث أن الناس سينقادون بسهولة للأدوار الاجتماعية التي من المتوقع أن يتصرفوا وفقها، خصوصا إذا كانت هذه الأدوار نمطية ومبتذلة بشكل كبير كتلك التي لحراس السجون.

كانت بيئة السجن عاملا مهما في خلق السلوك الوحشي للحراس (ولا واحد من المشاركين الذين لعبوا دور الحراس أظهر ميول سادية قبل الدراسة) حيث قال أحد الحراس:

”كنت متفاجئا من نفسي، جعلتهم يشتمون بعضهم وجعلتهم ينظفون المراحيض بأيديهم، أنا عملياً كنت أعتبرهم رعاع وحافظت على تركيزي وانتباهي عليهم في حال جربوا فعل شيئ ما“.

وقال حارس أخر:

”إن التمثيل الديكتاتوري كان مسلياً، والسلطة يمكن أن تجلب لك السرور“.

دعمت النتائج التفسير الوظيفي أو الظرفي للسلوك بدلاً من الميل الطبيعي وأكدت فكرة التنسيب المكاني التي تقول ”إن الواقع هو الذي يسبب سلوك الأفراد، أكثر من أي شيء موروث في شخصيتهم“ أي أن الظلام والغريزة الحيوانية القابعة داخل الإنسان ستخرج إن وفرنا لها البيئة والظروف المناسبة.

خلقت التجربة الكثير من الأسئلة عن اللاأخلاقية والظلام الذي يسكن النفس البشرية، وأظهرت أن الناس العاديين سيتحولون إلى ناس ظالمين إذا تم إعطائهم السلطة المطلقة.

إسقاط هذه الدراسة على الرئيس العربي ببطشه وجبروته وتعديه على حقوق الناس وإذلاله وسجن كل من يقف في طريقه، هو الذي بيده السلطة المطلقة وهو الديكتاتور الأول في بلاده فسيكون تصرفه حتمي تابع لسلطته وتحكمه بكل شيئ لا رادع له ولا محاسب…

سجن ابو غريب

يعد سجن أبو غريب في العراق إبان الحرب الأمريكية تطبيقاً واقعيا لهذه لتجربة، حيث تم إنتاج فلم أمريكي (The Experiment) في 2010 عن هذه التجربة متناولا نفس القصة وفلم أخر في 2015 (The Stanford Prison Experiment).

مقال من إعداد

mm

حيدر عيسى عباس

عدد القراءات: 831