in

كيف تنجو من الحبس الانفرادي

يخبرك هنا سجين سابق كيف تنجح في تحرير عقلك داخل الحبس الانفرادي لتفادي الأفكار الجنونية التي قد تراودك هناك.

الحبس الانفرادي
صورة: Cam Floyd/The Verge

بتنهيدة طويلة، وقف (جوني بيريز) من كرسيه البلاستيكي، وانتصب بقامته الطويلة وقام بمد كلا ذراعيه أفقياً حتى لامست نهايات أصابعه الحائط، فقال: ”لقد كانت مساحتها من هنا إلى هنا“، وأضاف: ”أنا أعرف هذا لأنني اعتدت على القيام بهذه الحركة في كل مرة“. حتى وقت ليس ببعيد؛ كانت هذه الأبعاد —3 أمتار طولاً، ومترين تقريبا عرضاً— تمثل محيطه وعالمه كلّه.

منذ سنتين، أُطلق سراح (بيريز) على إثر استفادته من إطلاق سراح مشروط بعد قضائه مدة 13 سنة سجنا متنقلا بين سجون ومؤسسات إعادة التأهيل في شمال نيويورك و(رايكرز آيلاند)، وكان قد قضى ثلاثة سنوات من ضمن سنوات عقوبته في السجن الانفرادي.

لدى رؤيتك لـ(بيريز)، قد تتساءل كيف كان يشعر في هذا الفضاء الذي يتواجد فيه الآن: غرفة لقاءات صغيرة ذات إنارة خافتة على مستوى «مركز العدالة الحضرية» في (وول ستريت) في (مانهاتن) بنيويورك، هل كانت لتستحضر داخل ذهنه ذكريات عذاب مريرة؟ أم كانت لتبدو تماما مثل وطن له؟ أم كلاهما معاً؟

بينما لا يوجد هناك أي مفهوم متعارف عليه عالميا، فإن الحبس الانفرادي الحديث –الذي يطلق عليه كذلك ”الحراسة القصوى“، و”التفرقة المعزولة“، و”العلبة“– يُعرف لدى الجميع على أنه يتضمن الحبس الانفرادي داخل زنزانة صغيرة لمدة تتراوح من 22 ساعة إلى 24 ساعة يومياً.

لا يسمح للسجناء الذين يجدون أنفسهم في الحبس الانفرادي بالمشاركة في النشاطات الترفيهية، ولا أن تكون لديهم هوايات ليمارسوها، أو حتى أن يتحدثوا مع الآخرين، هم غالباً مكبلون بالأصفاد وبالأغلال حول أقدامهم عندما تتم مرافقتهم خارج زنزاناتهم —هذا إن تمكنوا من مغادرتها أصلاً. يقول (بيريز) في هذا الصدد بأنه توقف حتى عن الرغبة في الخروج من زنزانته.

جوني بيريز
يعتبر (جوني بيريز) ملابسه أمرا ثمينا وعزيزا جدا على قلبه، وذلك أنه على مر سنوات طويلة كان يُملى عليه ما يجب عليه ارتداؤه، يقول: ”في أيامنا هذه، أختار بعناية ما أرتديه“. صورة: Allegra Abramo

لطالما رُبط الحبس الانفرادي بمجموعة من النتائج السلبية العميقة التي تنتج عنه، بما في ذلك الميل نحو الانتحار، واضطراب الوظائف الحسية والإدراكية خاصة تلك المتعلقة بالمكان. دون ذلك، بإمكان الضغط الناتج عن الحبس الانفرادي أن يدفع بأجزاء من الدماغ، بما فيها قرن آمون المسؤول عن الذاكرة والتحكم في العواطف، إلى التقلص كثيراً.

بالإضافة إلى كل هذه الآثار القابل قياسها، غالبا ما يصف المساجين بعض التجارب التي تحدث معهم، والتي تكون غريبة ومزعجة ومثيرة للاضطراب بعد مغادرتهم للحبس الانفرادي، يقول بعض هؤلاء أن العالم في أعينهم يبدو لهم وكأنه ينهار على نفسه بشكل شبه دائم، وآخرون أفادوا بأنهم أصبحوا غير قادرين على الانخراط في محادثات عادية مع الآخرين، أو حتى مجرد التفكير بشكل عادي لمدة معينة.

تصف الطبيبة النفسانية (ساندرا شانك) هذا الأمر بالكلمات التالية: ”إنه لمفهوم نفسي معياري.. لو تضع الناس في عزلة؛ يصبحون مجانين“.

ومع ذلك، يتوقف (بيريز) للتفكير لبرهة عند سؤاله عن شعوره حول تجربته في الحبس الانفرادي كل هذه المدة الطويلة، يقول: ”إنه لسؤال مثير للاهتمام“، ويضيف: ”ذلك أنه من ناحية ما أنت مسجون، ومن ناحية أخرى أنت حر“.

يقول (بيريز) أنه خرج من الحبس الانفرادي شخصاً أفضل مما دخله، لقد أعيد تأهيله بشكل كامل الآن، وهو يعمل لدى «مركز العدالة الحضرية» في نيويورك حيث تتوقف مهمته على مساعدة خريجي السجون حديثي العهد على التكيف مع العالم الخارجي. يصف (بيريز) نفسه بالـ”خارج عن المألوف“، وهو يقول أن كل ما يسعه هو أن يحزر العوامل التي مكّنته من النجاح حيث فشل الكثيرون غيره، غير أنه مهما كان ما مكنه من فعلها، فإنه من الواضح أن عملية نجاته داخل الحبس الانفرادي كانت قد بدأت من داخل مخيلته الخاصة.

في نهاية هذه الفقرة الصغيرة عزيزي القارئ، توقف عن القراءة، وأغلق عينيك، وتخيل نفسك تضرب كرة تنس. قم بذلك مجددا.. هل بإمكانك رؤية نفسك تضرب الكرة؟ هل بإمكانك رؤية المسار المنحني الذي تتخذه الكرة في السماء؟ هل تنحرف عن مسارها المقصود؟ هل بإمكانك تخيل نفسك تضربها بشكل أفضل في المرة القادمة؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنت هنا تستعين بتقنية ساعدت الكثيرين على النجاة داخل السجون.

— كانت (إيديث بون)، وهي بروفيسورة في علوم الطب ومترجمة تتحدث ستة لغات بطلاقة، تتخيل نفسها تعد خبزاً غير طازج، كما كانت تعدّ جرداً كاملاً للمفردات الواسعة التي ينضح بها عقلها بينما كانت مسجونة في هنغاريا عقب الحرب العالمية الثانية.

— عانى حسين الشهرستاني، وهو الذي كان يشغل منصب رئيس لجنة الاستشارة العلمية لدى صدام حسين، من عشرية كاملة في الحبس الانفرادي داخل سجن أبو غريب المشهور، وكان قد نجى، وفقا للـBBC، من خلال: ”اللجوء إلى عالم من المجرّدات، من خلال ابتكار مسائل رياضية ثم محاولة إيجاد الحلول لها“، هو يشغل الآن منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي في العراق.

— بينما كان مسجونا في محتشد ألماني نازي إبان الحرب العالمية الثانية؛ كان بروفيسور الرياضيات الروسي اليهودي (جاكوف تراتشنبيرغ) يشاهد رفاقه من المساجين: ”يستسلمون لليأس ويموتون حتى قبل اقتيادهم لهلاكهم“، ومن أجل النجاة في ظروف مثل تلك، قام بتطوير طريقة مبتكرة لإجراء حسابات رياضية ذهنية سريعة، التي صارت اليوم تعرف باسم «نظام تراتشنبرغ».

إن استحضار التصور الذهني هو: ”تجربة شبه إدراكية حسية“، فهو يعمل على تحفيز الفص الجبهي في الدماغ، وهو ما يعنى بعمليات إدراكية وكذا أفكار مجرّدة عليا، بالإضافة إلى الإدراك والتحكم الحركي، مما قد يجعل من الأمر [كل تلك الصور الذهنية والتخيلات] يبدو حقيقيا تماماً. يقول (إيمانويل مالي)، وهو عالم في مجال علم الأعصاب المعرفي لدى «المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي»: ”إن العمليات الإدراكية التي تُجرى على الصور، على شاكلة المسح الصوري الذهني أو المقارنة عن بعد، تعرض أنماطاً شبيهة بتلك التي يتم تنفيذها على صور تعيد تشغيل المعلومات الصورية المخزنة“.

كنتيجة على ذلك، يمكن اعتبار التصوّر الذهني أداة تدريب متنقلة ومثالية، فقط تخيل نفسك تركل كرة، وستكون متحكما بشكل أفضل بالطريقة التي ستتحرك بها قدمك.

في إحدى الدراسات، تمكن الباحثون من تفعيل بعض الأنماط العضلية في سيقان ممارسي رياضة التزلج على الثلج من خلال إجراء دروس تصورية فقط، هذه الأنماط التي كانت شبيهة بتلك التي تحدث عندما يمارسون التزلج فعلاً.

تمت ملاحظة هذه الظاهرة، التي تعرف باسم ”تأثير (كاربنتر)“، في دراسات أجريت على فرق التنس والكرة الطائرة، فقد أصبح منظر الرياضيين معصوبي العينين يتمايلون ضمن مسار تصوري مشهدا طبيعيا وشائعا في الكثير من الأوقات التي تسبق انطلاق سباقات التزلج.

بإمكان التصور الذهني تغذية المدخلات الحسية، كما أنها قد تكون مفيدة بشكل مماثل عندما تكون المدخلات الحسية مسببة للألم، أو الضجر، أو تكون ناقصة.

بإمكان سجين يقبع في الحبس الانفرادي أن يستعين بالتصور الذهني من أجل خلق مكان وزمان كان قد حرمه منهما هذا الحبس الإنفرادي بشكل طبيعي، فبينما كان في ”العلبة“، كان (بيريز) يحدث نفسه جهراً، كما كان يدون يومياته بصورة دائمة، ولمدة معتبرة من الزمن، كان يكتب ويحلّل بعض الاقتباسات التاريخية الشهيرة.

كراس يوميات
التفكير الإيجابي: مدخل من دفتر اليوميات التي كان (بيريز) يدونها عندما كان في الحبس الانفرادي، والتي تتلخص في اقتباس عن الإمبراطور الروماني (ماركوس أوريليوس). صورة: Susie Neilson

استخدم (بيريز) كذلك مخيلته للسفر عبر الزمن، فقد كان يتخيل ”نهايات بديلة للقاءات سابقة جمعته بالناس في الخارج: ماذا لو كنت قد قلت هذا؟ أو ماذا لو كنت قد دعوتها إلى تناول القهوة أو شيء من هذا القبيل؟“ لقد كان يكتب حول العلاقات التي سببت له ألماً، وحلقات من حياته السابقة ظل يعيد حياكتها ويعدّل عليها حتى يستخلص منها دروساً في الحياة.

قد تكون الذاكرة بنّاءة وتساهم كثيرا في الانتاجية ومردود الفرد، وهو ما يوافق عليه (آليكس شليجل)، عالم في مجال علم الأعصاب المعرفي في جامعة (سانتا باربارا) في كاليفورنيا. في الواقع؛ تعمل الذاكرة والمخيلة وفق مسارين متوازيين في الدماغ، من خلال تفعيل المخيلة كان (بيريز) قادراً على ”إعادة كتابة“ ماضيه على ضوء أكثر إيجابية، ومنه قام بالتعديل على مستقبله.

كتب (دان شاكتر)، بروفيسور علم النفس لدى جامعة (هارفرد): ”بما أن المستقبل ليس تكرارا دقيقا للماضي، فإن محاكاة حلقات من المستقبل تتطلب نظاما بإمكانه إعادة رسم الماضي بصورة تعمل بمرونة على استخلاص وإعادة ربط العناصر الخاصة بتجارب سابقة“.

يقول (بيريز): ”اعتدت على الاستلقاء في سريري وعيناي مغمضتان“، ويضيف: ”كنت أفكر في ماضيّ، وأفكر في مستقبلي، وأخطط للمستقبل. كان بعض من ذلك مبنيا على الواقع، والبعض الآخر محض تخيلات“، لقد دخل (بيريز) في تجربة أشبه بالدخول في نفق، فخلق لنفسه فضاءً خاصاً به داخل ذلك الحيّز المكاني الصغير الذي تتصف به زنزانته.

مع مرور الوقت، أصبح هادفا أكثر في الطريقة التي كان يستغل بها وقته في ”ورشته الذهنية“، وهو ما يشير به (شليجل) لتلك الشبكات المتداخلة التي تسمح بتفعيل المخيلة الهادفة، وبعد مرور بعض الوقت، أصبح (بيريز) يرى فيما يقوم به أشبه بالتأمل.

كان لدى (ماكس جويل)، وهو سجين سابق من تكساس، تجربة مماثلة. بعدما تم تخفيف عقوبته في سنة 1970 من حكم بالإعدام إلى السجن المؤبد؛ قضى 40 سنة في السجن، سبعة منها في الحبس الانفرادي في عزلة شبه تامة، يقول بأنه اعتاد على تمضية الوقت لمدة ساعات كاملة كان يقضيها في تخيلات وتصورات مفصّلة كان هو بطلها، كانت تجري في واقع بديل أكثر حيوية وأكثر نبضاً بالحياة، حيث كان بإمكانه العيش في أماكن مفتوحة أكثر، حيث يتبادل أطراف الحديث مع الناس.

يقول (جويل): ”كنت أتخيل نفسي في المتنزه ثم أصادف شخصا جالسا على كرسي“، ويضيف: ”ثم كنت لأسأل هذا الشخص عما إذا كان يمانع إن جلست بجانبه، وكنت لأقول أمرا على شاكلة: ’الطقس رائع اليوم‘، وكان الشخص الآخر ليجيب على النحو التالي: ’إنه رائع بالفعل.. آمل أن يستمر على هذا النحو حتى موعد المباراة‘، ثم أقول: ’أعلم ما تعنيه، في غضون بضعة أسابيع من الآن، سيكون الطقس شديد البرد‘. بتبادلنا أطراف الحديث، كنت أشاهد المارة وهم يهرولون، ويركبون الدراجات الهوائية، ويتزلجون على ألواح التزلج. كانت المحادثة لتأخذ ساعة من الزمن أو ما شابه، وعندما كنت أفتح عيناني وأنهض من سريري، كنت أشعر بالانتعاش، وأشعر حتى بطاقة كبيرة“.

تماما مثلما هو الحال لدى (بيريز)، فقد كانت النتيجة مع (جويل) هي تحسين الذات وتطويرها في أسوء الظروف الممكنة. يتابع (جويل): ”لقد كنت أمثّل استثناء للقاعدة“، ويضيف: ”لقد خرجت من السجن شخصا أفضل مما دخلته“، إلا أنه من ناحية ما يمكننا اعتبار أنه لم يكن لـ(جويل) الكثير من الخيارات في هذا الشأن بالتحديد.

كان (جويل) شخصاً نجى من طفولة قاسية مملوءة بالتعسف والاستغلال والصدمات النفسية، ويقول بأنه كان دائما يشعر بوجود غيلان في عقله تهدد بالاستحواذ عليه عندما كان يتم إدخاله السجن الانفرادي. لقد كانت قوة إرادته ومخيلته الهادفة التي وجهها إلى السبيل الصحيح عبارة عن رد فعل تجاه هذه الغيلان، وساعدته على هزيمتها.

اليوم؛ استفاد (جويل) من إطلاق سراح مشروط، وهو من الناشطين لدى العديد من الجمعيات التي تنادي بإصلاح السجون، كما أنه مدير لمنظمة تحمل اسم «تيكساس كيور» Texas Cure، التي تعمل على إصلاح السجون.

غير أن واقع أن يملك كل من (بيريز) و(جويل) حياة خيالية نشيطة في الحبس الانفرادي لا يعتبر مفاجئاً لدى بعض أهل الخبرة، حيث أن العزلة تشجع بشكل طبيعي على توليد المخيلة الذهنية، لأن التخيل والإدراك يحدثان على طول سبل عصبية متوازية، كما أنهما في منافسة مستمرة على الاستحواذ على العقل ونيل اهتمامه.

كلما كان هناك المزيد ليدركه المرء ويحس به؛ كلما كان تصوره الذهني أقل حدّة. على نقيض ذلك، فإن انخفاض التحفيز الحسي والإدراكي قد يسمح بنشوء ما يسميه الدكتور (دافيد بيرسون)، وهو عالم نفس إدراكي لدى جامعة (أنغليا روسكين): ”تصور ذهني مستقر ونابض بالحياة“، كما أن صلة الارتباط بين الإدراك والتصور الذهني التخيلي كان قد تم توثيقها من قبل، وذلك في مجال الإبداع الذي لطالما تم ربطه بالعزلة.

الحبس الانفرادي
صورة: NautilusThink

غير أن مجرد تخيل أمر ما لا يعني بالضرورة تحسين ظروف المرء وحالته ورفاهيته. في الواقع، قد تكون الصور الذهنية الخارجة عن السيطرة أو الاجتياحية سواءً سبباً أو عرضاً من أعراض الأمراض العقلية. تراود الأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي على سبيل المثال تصورات خارجة عن السيطرة عن أنفسهم، التي تراودهم ويرون فيها أنفسهم يبلون بلاء سيئا في بعض الوضعيات الاجتماعية، قد يتخيل على إثر ذلك شخص مُتهتِه (ثقيل اللسان) نفسه وهو يتعثر لدى محاولته النطق بكلمة معينة بشكل متكرر.

تتعاظم هذه المشكلة وتزداد حدتها في السجون: يعاني 55٪ من السجناء الذكور و73٪ من السجينات الإناث في سجون الولايات المتحدة الأمريكية من الأمراض العقلية، يفيد ثلاثة أرباع جميع السجناء في الولايات المتحدة عن علامات وأعراض للأمراض النفسية، بما في ذلك الهلوسات، و82٪ من المساجين الذين حاولوا الانتحار خلال الحبس الانفرادي ذكروا شيئا عن تصورات ذهنية راودتهم ورأوا فيها أنفسهم يقدمون على الانتحار.

تؤدي المخيلة غير المتحكم فيها وغير الهادفة إلى نتائج مختلفة اختلافا جذريا، كما أنها تقوم حتى بتفعيل أجزاء مختلفة من الدماغ: ترتبط الشبكة العصبية العادية التي تتفعل عندما نسرح بخيالنا بـ”التخيل غير المتحكم فيه“، بينما تفعّل المخيلة الهادفة والمتحكم فيها الشبكة الظهرية، التي ترتبط بالتحكم في النفس، والتي لدى اضطرابها تحدث الأمراض النفسية مثل: الإدمان بمختلف أنواعه، واضطرابات نقص الانتباه.

كانت (أنجيلا دوكوورث) تدرّس الرياضيات لتلاميذ الصف السابع في مدرسة عمومية في نيويورك عندما لاحظت أن الذكاء لم يكن دائما أفضل سبيل لتوقع نجاح تلاميذها من عدمه، لقد كان هناك عامل آخر: ألا وهو القدرة على بذل نفس المقدار من المجهود وإظهار نفس الشغف على مرّ الزمن، وهي صفة أطلقت عليها اسم ”العزيمة“.

نالت (دوكوورث) شهادة الدكتوراه في علم النفس في جامعة (بينسيلفانيا)، وقامت بتطوير رسالتها وتحسينها، ومنذ ذلك الحين أجرت العديد من الأبحاث على تلاميذ الأكاديمية العسكرية في (ويست بوينت)، والمتنافسين في مسابقات تهجئة الكلمات، والمعلّمين المبتدئين في الأحياء ذات المداخيل المنخفضة، ووكلاء المبيعات لدى كبريات الشركات، وضمن كل هذه المجالات المختلفة السابقة؛ اكتشفت أن ”العزيمة“ كانت مكوّنا رئيسيا لتحقيق الإنجازات، فقد كان الطلبة الذين كانت لديهم مستويات عالية من العزيمة أكثر احتمالا للنجاح في الدراسة من الطلبة الذين كانت تنقصهم العزيمة، حتى لو كانوا متفوقين في الذكاء.

لكن العزيمة لا تقتصر على تحقيق الإنجازات فقط. في الواقع، بإمكان الإنجازات أن تحجب العزيمة وتثبطها، كتبت (دوكوورث): ”بينما يسعى الأفراد التواقون لتحقيق الإنجازات إلى الأهداف التي لا تكون لا سهلة للغاية ولا صعبة للغاية، فإن الأفراد ذوو العزيمة الكبيرة يعدون لأنفسهم أهدافا على المدى البعيد جدا، التي لا ينحرفون عنها أبداً حتى عند غياب التغذية الراجعة الإيجابية –ردود الفعل الإيجابية من المجتمع–“.

في الواقع؛ لا يوجد الكثير من التغذية الراجعة الإيجابية بين جدران زنزانات الحبس الانفرادي، فالنجاح هناك لا يعترف به أبدا من طرف الآخرين ويعتمد بشكل أساسي على الأهداف الشخصية التي تضعها لنفسك ونصب عينيك. يقول (شليجل) بأن المساجين الذين يرتقون ويزدهرون في الحبس الإنفرادي يملكون مستويات عالية جدا من العزيمة، وذلك في قوله: ”هنالك هذا الجانب التحفيزي للإبداع الذي هو منفصل حقا عن أي شيء ذا علاقة بالتخيل والمخيلة“، ويضيف: ”إن فكرة التحفيز هذه لا تنال التقدير الذي تستحقه“.

لقد خضع كل من (بيريز) و(جويل) لاختبار لفائدة «مختبر العزيمة» لدى جامعة (بينسيلفانيا)، حيث تم قياس مستويات العزيمة لديهما على سلم من 1 إلى 5. يقوم هذا الاختبار على قياس بعض الصفات والخصال مثل استمرارية الاهتمام بموضوع ما لدى الفرد، على سبيل المثال ما إن كان يستمر في محاولة تحقيق الهدف الذي يضعه نصب عينيه أم يحيد عنه ويختار لنفسه أهدافا جديدة في كل مرة، وكذا قياس المواضبة والمثابرة والحفاظ على المجهود اللازم، مثال ذلك تحقيق هدف ما استغرق سنوات من العمل.

في هذا الاختبار حقق كل من (جويل) و(بيريز) معدل 4.25 نقطة، مما يعني أن عزيمتهما كانت أقوى من 90٪ من سكان الولايات المتحدة الأمريكية جميعاً.

يرى (جويل) بأنه قد يكون للعزيمة دور هام في نجاته من تجربته الخاصة في الحبس الانفرادي، ويقول بأن نشأته قد يكون لها الفضل في جعله ”أكثر عزماً من نظرائه“. بالنسبة له؛ يقول (بيريز) بأن تجربة الحبس الانفرادي جعلت منه أكثر عزما هو الآخر، في قوله: ”أنا أرى الأمر على النحو التالي: لقد وجدت نفسي في قاع البرميل الذي خرجت منه أكثر قوة وتحملا، وأكثر ذكاء، وأكثر عزما على النجاح، وأكثر تقديرا للأشياء الصغيرة في الحياة. لقد تعلمت إزالة الألم من خلال العثور على المتعة فيه، تعلمت تحويل الروث إلى سكر“.

لقد ساعدته العزيمة وقوة المخيلة على تجاوز محنته داخل الحبس الانفرادي وساعدت على جعله الشخص الذي هو عليه اليوم. في نفس الوقت، يقول (بيريز) بأنه لم يكن في حاجة إلى كل تلك السنوات في السجن حتى ”يفهم هذه الرسالة“.

جاري التحميل…

0