in

خطوات اتبعها هؤلاء السجناء من أجل الفرار من سجن ألكاتراز مشدد الحراسة

في حيثيات فيلم X-Men: The Last Stand، يمثل طفل صغير مركز جدل وطني، هذا الطفل الذي على الرغم من كونه متحوراً إلا أنه كان يتمتع بقوى فريدة من نوعها تخوله من الاستحواذ على القدرات الخاصة التي يتمتع بها المتحورون الآخرون ويحرمهم منها، لذلك استخدمته الحكومة من أجل خلق ”دواء“ لجميع المتحورين حتى لا يمثلوا تهديدا للأمن القومي بعد ذلك.

كان هذا الصبي الصغير على قدر عظيم من الأهمية لدرجة أنه كان يُحتفظ به في أعظم سجن مشدد الحراسة في العالم: إنه سجن ألكاتراز، فاندلعت معركة تدمر على إثرها ليس السجن وحده بل الجزيرة كلها في سبيل تحرير الصبي.

لابد من أن هناك سببا مقنعاً جعل من ألكاتراز يحتل مكانته في التاريخ على أنه أشهر سجن مشدد الحراسة في العالم: لقد كان هذا السجن مسرحاً لعملية فرار لم يكن من المفترض أن تحدث أصلاً نظراً لمناعته الطبيعية والهيكلية.

كانت مجموعة المجرمين التي نجحت في تنفيذ عملية الفرار هذه تملك تاريخاً مشتركاً يجمع بين أفرادها، فقد عُرف عن كل فرد فيها بأنه يمثل خطرا على الأمن واستقرار السجن، غير أنه بعد كل شيء، كان من المفترض من سجن ألكاتراز أن يكون منيعاً من الفرار، لذا لم يكن أحد من الحراس يكترث لبعض التفاصيل الصغيرة التي ركزت عليها مجموعة المجرمين هذه من أجل إنجاح عملية الفرار.

تابع معنا القراءة لتعرف الخطوات التي اتبعها هؤلاء حتى يتمكنوا من تنفيذ أشهر عملية فرار من سجن في العالم:

نبذة عن ”الصخرة“:

صورة سجن للمجرم الشهير (آل كابوني) عندما كان سجينا في سجن ألكاتراز:
صورة سجن للمجرم الشهير (آل كابوني) عندما كان سجينا في سجن ألكاتراز:

كان سجن ألكاتراز، الذي اشتهر باسم ”الصخرة“، يقع على جزيرة تحمل نفس الاسم في حوض (سان فرانسيسكو)، وقد كانت جزيرة جرداء قاحلة. كانت الجزيرة في سنوات استغلالها الأولى موقعاً لسجن عسكري ثم ثكنة عبر القرن التاسع عشر، خاصة خلال الحرب الأمريكية الإسبانية والحرب الأهلية الأمريكية. في سنة 1934، خصص مكتب السجون الفدرالي الجزيرة من أجل تشييد سجن مشدد الحراسة. جعلت منها عزلتها وصعوبة الوصول إليها موقعاً مثاليا لحبس بعض أسوأ المجرمين في أمريكا، الذين كان من بينهم مجرمون مشهورون على شاكلة رجل العصابات سيئ السمعة (آل كابوني)، و(وايتي بولغر)، و(فرانك بانغار).

اعتُبر سجن ألكاتراز المحطة الأخيرة للسجناء الذين لم يكن مقدرا لهم رؤية العالم الخارجي بعد ذلك في حياتهم ولم يكن سيسمح لهم بالعودة إلى المجتمع من جديد. لم يكن كل سجين يجد نفسه بين أسوار الصخرة يملك أي شيء ليخسره، لذا حاول على الأقل 36 سجينا عبر مر تاريخ السجن الفرار منه.

في إحدى محاولات الفرار، التي عرفت باسم ”معركة ألكاتراز“، قام بعض المساجين بإطلاق سلسلة من أعمال الشغب التي قادت إلى مقتل ثلاثة سجناء واثنين من ضباط الحراسة. لم تنته أعمال الشغب إلا حين وصول البحرية الأمريكية التي قصفت السجن.

لم يعرف السجن إلا محاولة فرار واحدة قد تكون ناجحة، والتي عرفت لاحقاً باسم ”الفرار من ألكاتراز“ مثلما اشتهرت في عالم السينما والثقافة الأمريكية، وهي مخطط ربما يكون ناجحا نفذه ثلاثة مساجين هم (فرانك موريس)، والشقيقان (كلارينس) و(جون أنجلين). لكننا مازلنا نجهل ما إن كانوا قد نجحوا بالفعل في الفرار من السجن أم لا.

محاولة الفرار:

رسالة تدعي أن مرسلها (جون أنغلين) إلى شرطة (سان فرنسيسكو)
رسالة تدعي أن مرسلها (جون أنغلين) إلى شرطة (سان فرنسيسكو)

في الثاني عشر من يونيو سنة 1962، نجح (فرانك موريس) إلى جانب الشقيقان (آنجلين) في الفرار من سجن ألكاتراز. غير أننا لا نعرف ما إن كانوا قد نجوا في محاولة الفرار تلك لأن مياه حوض (سان فرانسيسكو) كانت خطيرة جدا، خاصة في الساعات الأولى للصباح. منذ تاريخ اكتشاف هروبهم من زنزاناتهم ومن السجن، لم ترهم عين إلى يومنا هذا. خلص مكتب التحقيقات الفدرالي إلى الاستنتاج بأنهم غرقوا في حوض سان فرانسيسكو، غير أن هذه القصة الرسمية غير حاسمة في الكثير من النواحي، خاصة أن المحققين لم يعثروا أبدا على جثثهم، وعلى مر العقود التالية، راح الناس يخمنون ويتكهنون حول مجريات تلك الليلة المحتومة.

في سنة 2013، تلقى مركز (ريتشموند) للشرطة في (سان فرنسيسكو) رسالة مشفرة ورد فيها: ”إسمي (جون آنغلين)، لقد نجحت في الفرار من سجن ألكاتراز في يونيو سنة 1962 إلى جانب شقيقي (كلارنس) و(فرانك موريس)“، واصلت الرسالة لتفيد بأن الفرار كان عملية ناجحة غير أنها كانت محفوفة بالمخاطر وأنهم بالكاد نجوا بأنفسهم. لم يعلن عن وجود الرسالة للشعب إلا بعد خمسة سنوات، أي في يناير من سنة 2018، وساهمت السرية التي أحاطت بالرسالة، وكذا نقص الأدلة الجنائية والحاسمة التي قد تشير إلى هوية مرسلها إلى إطلاق المزيد من التكهنات والتخمينات حول ما إن كان ذلك الثلاثي قد نجح فعلا في الفرار من السجن. اعتقد الكثيرون أن ذلك الثلاثي قد تمكن من تحقيق المستحيل ونجح في الفرار من سجن ”الصخرة“ المنيع.

إعادة فتح التحقيق:

غداة تلقي الرسالة، اتصل مركز شرطة (ريتشموند) في (سان فرنسيسكو) بمكتب التحقيقات الفدرالي الذي قام رسميا بإعادة فتح التحقيق في القضية التي ظلت مغلقة على مر أربعة عقود. قام المحققون بتفحص خط الكتابة بعمق بناء على عينات كتابة تخص كلا من الفارّين الثلاثة، غير أن نتائجهم لم تكن قاطعة. مما زاد الأمور تعقيداً، لم يكن هناك من دليل يعارض كون (جون آنغلين) وشريكيه قد نجحوا في الفرار من السجن، لم يتم استرجاع جثثهم أبدا من حوض (سان فرنسيسكو)، لكن هذا لا ينفي احتمال كون الجثث قد طفت إلى عرض المحيط الهادئ.

قد تكون أشهر عملية فرار من سجن في التاريخ ناجحة، لكن لا يوجد هناك من دليل ليدعم هذا الاحتمال أو يدحضه.

غير أن ما هو محتمل جدا هو أن الشخص الذي كتب الرسالة وادعى كونه (جون آنغلين) قال فيها بأنه كان في الثمانينات من عمره وأنه كان مصابا بالسرطان وكان يرغب في الحصول على الرعاية الصحية، غير أن المثير للجدل حيال هذا هو أنه في حالة تسليم نفسه للسلطات وثبت كونه من يدعيه سيتم إعادته للسجن حيث سينال الرعاية الصحية التي يحتاجها على نفقة العم سام.

وما هو محتمل كذلك هو أن الرجال الثلاثة ربما نجحوا بالفعل في النجاة من عملية الفرار تلك غير أن الرسالة لم تكن من طرفهم.

في نهاية المطاف، اعتبر المحققون لدى الـFBI أن الرسالة خادعة وكرروا خلاصتهم السابقة: توفي الرجال غرقا في مياه حوض (سان فرنسيسكو) المتجمدة.

(جون أنغلين) و(كلارنس أنغلين)

محققون يبحثون عن أدلة فيما يتعلق بعملية الفرار.
محققون يبحثون عن أدلة فيما يتعلق بعملية الفرار.

وفقاً لكل من عرفهما؛ كان (جون) و(كلارنس) لا يفترقان أبداً، وما كانا ليهربا من السجن إلا إذا كانا مع بعضهما حيث يستحيل أن يترك أي منهما الآخر خلفه. لقد كانا أخوين من أصل 12 شقيقاً لعائلة مزارعة مهاجرة، ومنذ صغرهما، كان (جون) و(كلارنس) مقربين من بعضهما البعض كثيراً.

مما يثير الاهتمام أنهما قضيا معظم فصول الصيف خلال طفولتهما في بحيرة (ميتشيغان)، حيث تعلما السباحة بمهارة في مياه البحيرة الباردة وتياراتها القوية، وهي المهارة التي قد تكون ساعدتهما كثيراً أثناء فرارهما من السجن وسباحتهما في مياه حوض سان فرنسيسكو.

أصبح الشقيقان مع بعضهما البعض مجرمان محترفان منذ حداثة سنهما وحظيا بسجل إجرامي حافل. كانا يفضلان السطو على البنوك والمحلات التجارية عادة عندما تكون هذه الأخيرة مغلقة حتى لا يتحتم عليهما استخدام الأسلحة، في الواقع، لم يستعينا بسلاح إلا مرة واحدة، الذي كان عبارة عن مسدس دمية.

قضيا الكثير من الوقت في عدة سجون فدرالية قبل أن ينتهي بهما المطاف في سجن ألكاتراز الشهير. تماما مثل الكثير من المجرمين المحترفين سيئي السمعة، كان من المفترض من سجن ألكاتراز أن يمثل محطتهما الأخيرة، غير أن محطتهما الأخيرة تبين أنها ستكون أشهر عملية فرار من السجن على الإطلاق.

(فرانك موريس)

واحدة من أوائل صور الاعتقال القديمة الخاصة بـ(فرانك موريس).
واحدة من أوائل صور الاعتقال القديمة الخاصة بـ(فرانك موريس).

أُدخل (فرانك موريس) لدار أيتام في العاصمة واشنطن عندما كان يبلغ من العمر 11 سنة. ولم يمض وقت طويل قبل أن يتخذ من حياة الإجرام حرفة له، ودخل أول سجن في حياته وعمره لا يتجاوز 13 سنة. بحلول سنته العشرين من عمره، كان (فرانك موريس) يعتبر مجرما محترفاً. على خلاف المجرمين المحترفين الآخرين كان (فرانك موريس) بعيدا كل البعد عن كونه شخصاً قليل الحيلة أو الذكاء، لقد كان يتمتع بمعدل ذكاء 133 وهو ما يصنفه ضمن نخبة 2 في المائة من سكان الولايات المتحدة. استخدم (موريس) ذكاءه الحاد لمساعدته على تسهيل حياة الإجرام خاصته وكذا للفرار من عدة سجون في حياته، حيث لم يكن سجن ألكاتراز أول سجن يفر منه في حياته، لكنه ربما كان الأخير.

خلال سجنه عدة مرات في حياته، استعان (موريس) بذكائه المتفوق من أجل حياكة عدة مخططات للفرار منها. بعد أن قضى فترة سجن في كل من (جورجيا) و(فلوريدا)، فر من سجن (لويزيانا) الفدرالي. وعندما ألقي عليه القبض بعد سنة من فراره، تم إرساله إلى سجن (ألكاتراز) لأن السلطات اعتبرته منيعاً ويستحيل الفرار منه، وهناك كان (موريس) العقل المدبر وراء أشهر عملية فرار وأنجحها من هذا السجن المنيع.

سجن (أتلانتا) الفدرالي:

الشقيقان (آنجلين).
الشقيقان (آنجلين).

بينما كان يقضي فترة عقوبته في سجن (أتلانتا) الفدرالي، حدث أن التقى (فرانك موريس) بالشقيقان (آنجلين). كان الثلاثي عبارة عن مجموعة مجرمين محترفين وقرروا أن يبقوا مع بعضهم البعض. كان وضع مجرمين محترفين مع بعضهم البعض ثم نقلهم مع بعضهم إلى نفس السجن المشدد الحراسة، خاصة عندما يكون أحدهم نابغة فيما يتعلق بالفرار من السجون، خطأ فادحا من جانب السلطات.

أرسل جميعهم إلى سجن ألكاتراز في نهاية المطاف، وكانت المجموعة تملك فيما بينها مقومات النجاح في الفرار من ”الصخرة“، حيث كان (موريس) يتمتع بالذكاء اللازم بينما كان للشقيقان (أنجلين) القوة الجسدية الضرورية لإنجاح العملية.

أرسل الثلاثي إلى سجن الصخرة، وكان سبب إرسال (موريس) هو سجله الحافل في عمليات الفرار من السجون الأخرى، بينما أرسل الشقيقان (آنجلين) إلى هناك بسبب عدم احترامهما التام للسلطات والقانون. لقد كانت جزيرة ألكاتراز بالفعل حصنا منيعاً: كان يستحيل على كل من يسجن فيها أن يغادرها، لقد كانت تحيط بها مياه باردة جدا مع تيارات مضطربة وقوية، وكان كل من ينجح في الخروج من أسوار السجن يواجه الموت المحتوم في مياه الحوض المتجمدة.

اعتبر سجن الصخرة منيعا من الفرار، وهو الأمر الذي ربما اعتبره (فرانك موريس) ورفاقه تحديا جديرا بالاعتبار خاصة بعد النظر إلى فترات عقوباتهم الطويلة.

إعادة لم الشمل في سجن ألكاتراز:

”الصخرة“ في مياه حوض سان فرنسيسكو.
”الصخرة“ في مياه حوض سان فرنسيسكو.

حاول الشقيقان (آنغلين) عدة مرات الفرار من سجن (أتلانتا) الفدرالي لكن كل محاولاتهم باءت بالفشل. بينما نُقل (فرانك موريس) إلى سجن آخر وهو سجن (لويزيانا) الفدرالي الذي نجح في الفرار منه في نهاية المطاف، وعندما أعيد إلقاء القبض عليه مرة أخرى أرسل إلى سجن ألكاتراز بعقوبة 10 سنوات.

سرعان ما التحق به الشقيقان (أنجلين) ليقضي كل واحد منهما عقوبة بين 15 إلى 20 سنة هناك، فوصل (جون) أولا ثم التحق (كلارنس) بعد ثلاثة أشهر. ربما كانت فترات العقوبة التي حكم بها عليهم الدافع الأكبر الذي جعل الثلاثي يخطط للفرار من السجن، حيث لم يكن هناك من شيء ليخسروه.

كان هناك رجل يدعى (آلين ويست) الذي وصل إلى سجن ألكاتراز قبل ثلاثة سنوات من وصول (موريس) ورفاقه، فأرسل به في سنة 1957 إلى هناك بعد أن حاول الفرار من سجن (فلوريدا) الحكومي وفشل في ذلك. تم سجنه بجريمة سرقة سيارات، وقبل أن يتم نقله إلى سجن ألكاتراز كان هو الآخر سجينا في سجن (أتلانتا) الفدرالي مع كل من (موريس) والشقيقان (آنجلين).

تعرض للاعتقال على الأقل عشرين مرة في حياته، وتماما مثل الشقيقان (آنجلين) و(فرانك موريس)، كان يعتبر مجرما محترفاً، وعلى الرغم من أنه لم يكن جزءا من عملية الفرار المشهورة لكنه لعب فيها دورا محوريا.

بداية العملية:

أودع الرجال الأربعة، الذين كان جميعهم قد قضى وقتا مشتركا في سجن (أتلانتا) الحكومي، في زنزانات متجاورة. ربما كان هذا سهوا من السلطات، لكن يجب أن لا ننسى أنها كانت تظن أن المكان منيع. بعد كل شيء، كان جميع من أودع في سجن ألكاتراز قد حاول الفرار على الأقل من سجن آخر من قبل. لقد منحت الزنزانات المتجاورة لهؤلاء الرجال الوسائل الضرورية للعمل على مخططهم مع بعضهم البعض.

كانت شفرات المنشار القديمة أمرا شائعا في سجن ألكاتراز، ذلك أن السلطات كانت تسمح للسجناء بالعمل في الورشات من أجل صناعة أغراض على غرار الأثاث. أدرك (آلين ويست) الشريك الرابع للفارين الثلاثة أنه بإمكانهم تهريب البعض من تلك الأدوات خارج الورشات إلى زنزاناتهم. ولأن السجناء الأربعة أُرسل بهم إلى ألكاتراز لأنهم كانوا يحاولون الهروب من السجون الأخرى وليس بسبب جرائم عنيفة أو ما شابه، لم يعرهم الحراس ذلك القدر الكافي من الانتباه عندما كانوا في زنزاناتهم.

استخدم الشركاء الأربعة تلك الشفرات من أجل الشروع في شق طريقهم عبر الجدران المهترئة لزنزاناتهم، وبدونها ما كانت عملية الفرار لتنجح أبدا.

كان السجن أقل مناعة مما كانت السلطات تعتقده:

الحالة المهترئة للسجن ساعدت الفارين على النجاح في عمليتهم.
الحالة المهترئة للسجن ساعدت الفارين على النجاح في عمليتهم.

بحلول الزمن الذي وصل فيه (آلين ويست) و(فرانك موريس) والشقيقان (آنجلين) إلى سجن ألكاتراز، كان المكان برمته في حاجة ماسة لأعمال ترميم وإصلاح. كانت المياه تتسرب من الأنابيب المتصدئة باستمرار، وكانت مياه البحر المالحة قد قامت بحت القنوات والمجارير والجدران وفتحات التهوية المعدنية. على الرغم من الحالة المهترئة التي كان فيها السجن، لم تحرك السلطات ساكنا فيما يخص أعمال الإصلاح والترميم الضرورية.،بل اعتمدت على موقع ”الصخرة“ في حوض سان فرنسيسكو لردع كل محاولة فرار.

بما أن (ويست) كان قد وصل إلى ألكاتراز قبل ثلاثة سنوات من التحاق الثلاثة الآخرين، فقد كان ربما على دراية واسعة بالضعف الهيكلي الذي كان مبنى السجن يعاني منه.

أول تحدٍّ يواجه الشركاء الفارين الأربعة:

كان (فرانك موريس) يعزف على آلة الأكورديون لإخفاء الضجيج الصادر عن أعمال شركائه في عملية الفرار.
كان (فرانك موريس) يعزف على آلة الأكورديون لإخفاء الضجيج الصادر عن أعمال شركائه في عملية الفرار.

سرعان ما أدرك الشركاء الأربعة أن عملية الحفر في جدران الزنزانات وقطع الأنابيب المعدنية خلفها بواسطة شفرات المنشار كانت تحدث الكثير من الضجيج المريب، وبما أنهم قرروا أن لا يضعوا ثقتهم في بقية السجناء فيما يتعلق بسرّهم، جاء (فرانك موريس) العقل المدبر للعملية بحيلة ذكية لإخفاء ذلك الضجيج.

منحت بعض التعديلات الجديدة على مستوى إدارة السجن السجناء الحرية في العزف على آلاتهم الموسيقية المفضلة كل مساء بدل القعود في زنزاناتهم مكتوفي الأيدي، لذا من أجل إخفاء ضجيج أعمال الحفر التي كانوا يقومون بها، كان (موريس) يعزف على آلته الموسيقية المفضلة وهي الأكورديون، فكان صوت الموسيقى الصادرة عن الآلة صاخبا لدرجة أن لا أحد كان بإمكانه سماع الشقيقان (آنجلين) أو الشريك الرابع (ويست) يقومون بأعمال الحفر.

تحديات أخرى في وجه نجاح العملية:

صورة تظهر المكان الذي حفر فيه الرجال عبر فتحة التهوية لمغادرة زنزاناتهم.
صورة تظهر المكان الذي حفر فيه الرجال عبر فتحة التهوية لمغادرة زنزاناتهم.

كانت أبعاد فتحات التهوية المعدنية الموجودة في كل زنزانة، والتي شق الرجال الأربعة طريقهم عبرها لا تتعدى 18×27 سنتمتراً، لذا لم تكن تتسع لهم للخروج عبرها. بمجرد ما تمكنوا من إزاحتها، بدأوا يعملون على توسيع فتحتها عبر الحفر في الجدار المحيط بها. كل ليلة، كانوا يعوضون الجدار الذي قاموا بحفره بلوح خشبي معدّ ليشبهه تماماً حتى لا يتمكن أي أحد من رؤية ما كانوا يقومون به.

بمجرد أن يتمكنوا من الخروج من زنزاناتهم ثم من أسوار السجن، كان يتعين عليهم العثور على طريقة آمنة لعبور حوض سان فرنسيسكو ومياهه المضطربة. من أجل تحقيق هذه المهمة التي اعتبرها الجميع مستحيلة، تمكنوا من الحصول على حوالي 50 معطفاً مضادا للمطر، التي قاموا بخياطتها مع بعضها البعض من أجل إعداد طوف تقليدي قابل للنفخ.

إخفاء آثارهم:

داخل جدران ألكاتراز حيث أدى السجناء الفارون معظم عملهم.
داخل جدران ألكاتراز حيث أدى السجناء الفارون معظم عملهم.

كانت مشكلة واحدة من بين المشاكل التي تعين على شركاء الفرار من السجن التعامل معها هي واقع أنهم كانوا خلف جدران زنزاناتهم يخططون ويدبرون وليسوا في أسرّتهم نائمين، فقد كانوا مضطرين لمغادرة زنزاناتهم سرا لساعات كاملة كل ليلة حتى يعملوا على مخططهم.

كان ضباط حراسة السجن يقومون بدوريات تفقدية روتينية كل بضعة ساعات، من أجل تجاوز هذا التحدي، أعد السجناء الأربعة دمى بشرية من مواد بسيطة وظلوا يضعونها في أسرّتهم عند مغادرة زنزاناتهم. لم تكن تلك الدمى لتقنع أي عين عند تفقدها بتمعن لكنها كانت كافية بالنسبة للحراس الذين لم يكونوا يعيرون اهتماما للتفاصيل، وكان كل ما يتفقدونه هو وجود السجين في سريره لا غير.

كان الجزء الأسهل من مخطط الفرار هو الخروج عبر فتحات التهوية الموجودة في الزنزانات، حيث كانوا يقومون بأعمال أخرى على شاكلة خياطة الطوف التقليدي المعد من عدة معاطف مضادة للمطر. كان السجناء يغادرون زنزاناتهم في كل ليلة للقيام بهذا، لكن من أجل أن يكون الفرار ناجحا كان يتوجب عليهم الخروج من مبنى السجن، وهنا يأتي دور فتحات التهوية الكبرى في السجن.

لقد كانت فتحات التهوية تؤدي عند السير بداخلها إلى رواق عام داخل السجن، والأمر المثير حياله هو أنه لم يكن محروساً. تسلق المساجين الفارون عددا من أنابيب الصرف داخل هذا الرواق حتى يتمكنوا من الوصول إلى السقف الذي كان على ارتفاع 30 قدماً، وقد كان قيامهم بذلك بأنفسهم أمراً، والقيام به وهم يحملون ما وزنه 50 معطفاً مضاداً للمطر أمر آخر.

ساعة الفرار:

صورة لما عثر عليه حراس السجن عندما تفقدوا زنزانات (موريس) والشقيقان (آنجلين) في صبيحة يوم الفرار.
صورة لما عثر عليه حراس السجن عندما تفقدوا زنزانات (موريس) والشقيقان (آنجلين) في صبيحة يوم الفرار.

في مساء يوم الحادي عشر من يونيو سنة 1962، بدأت أشهر عملية فرار من السجن في التاريخ الأمريكي. دخل الرجال الأربعة إلى زنزاناتهم، ووضعوا الدمى البشرية في أماكنها في أسرّتهم، ثم خرجوا عبر فتحات التهوية التي قاموا بتوسيعها. في آخر لحظة طرأت مشكلة حالت دون مغادرة (ويست) لزنزانته، والسبب أنه كان يستخدم الإسمنت بدل الألواح الخشبية في إخفاء أعمال الحفر التي قام بها في حائط زنزانته عن أعين الحراس، فجف ذلك الإسمنت وجعل من المستحيل عليه التخلص منه والمرور إلى الجهة الأخرى من الجدار، وبعد كل تلك الأشهر الستة من التخطيط والعمل المضني لم يتمكن حتى من مغادرة زنزانته.

طلب (ويست) يد المساعدة من رفاقه، فجاء (فرانك) لإنقاذه، لكن لسوء حظه عندما تمكن أخيرا من مغادرة زنزانته والوصول إلى الرواق العام غير المحروس في السجن الذي كان يتعين عليهم تسلقه وصولا إلى السقف، كان الرجال الثلاثة قد غادروا. عرف (ويست) أنه كان من المستحيل عليه أن ينجو في مياه محيط سان فرنسيسكو المضطربة لوحده، لذا عاد إلى زنزانته وغط في نوم عميق. مقابل عدم معاقبته جراء محاولة الفرار، اتفق (ويست) مع المحققين على أن يمدهم بالطريقة المفصلة التي حاكت بها المجموعة مخطط الهروب.

ويستمر الغموض..

لم تتضمن الأدلة التي لفظتها أمواج البحر جثث السجناء الفارين الذين أعلنت السلطات عن غرقهم في مياه الحوض.
لم تتضمن الأدلة التي لفظتها أمواج البحر جثث السجناء الفارين الذين أعلنت السلطات عن غرقهم في مياه الحوض.

ورد في الرسالة التي أرسل بها إلى مركز شرطة (ريتشموند) سنة 2013 ما يلي: ”أنا أبلغ من العمر 83 سنة وأنا في حالة سيئة. أنا أعاني من مرض السرطان. لو أنكم تعلنون في التلفاز بأنني لن أسجن لمدة تزيد عن السنة وأن ألقى الرعاية الصحية الملائمة، سأراسلكم مرة أخرى لأخبركم عن مكاني. أنا لا أمزح“. امتنع المحققون عن الإدلاء بأي إعلان على شاشات التلفاز، ربما لأنهم لم يرغبوا في أن يلعبوا أية ألعاب مع سجين فارّ. إلى يومنا هذا لا يعلم أحد عن يقين من كان كاتب ومرسل الرسالة الآنفة، لكن كانت هناك أدلة تشير إلى أن (موريس) والشقيقان (آنجلين) ربما نجحوا في عملية الفرار.

في شهر ديسمبر من سنة 1962، تلقت والدة الشقيقان (آنجلين) بطاقة بريدية ورد فيها: ”إلى أمي، من (جون). عيد ميلاد مجيد“، غير أن الرسالة لم تتضمن أي تلميح عن مكان تواجده، حدث هذا بينما ادعى شقيقهما الثالث (روبيرت) أنه ظل على اتصال مع كل منهما لمدة طويلة قبل أن تنقطع أخبارهما. تقول إحدى القصص أنهما انتقلا إلى البرازيل للعيش هناك.

حتى على الرغم من أن مكتب التحقيقات الفدرالي قد أغلق القضية رسميا، فإن مكتب مارشالات الولايات المتحدة مازال في بحث دائم عن الفارين الثلاثة إلى أن يبلغوا من العمر 99 سنة فيتم اعتبارهم موتى في نظر القانون وتغلق قضيتهم إلى الأبد.