علوم

لا إقحام، لا جنين، لا مشكلة… وبنفس اللذة كاملةً

نطاف

تطوّرت الواقيات الذكرية كثيرًا عما كانت عليه في السابق أين كانت تستخدم مثانات الحيوانات والكتان في تصنيعها في زمن الإغريق والرومان والمصريين، لكن رغم هذا لا تزال مبادئها الأساسية ثابتة اليوم كما في السابق: إبقاء النطاف بعيدة عن البويضة.

في الولايات المتحدة مثلًا، تعتمد حوالي 5.7 مليون امرأة على الواقي الذكري كوسيلة أساسية لمنع الحمل، لكن إقامة حاجز عزل ليس الحل الوحيد لمنع النطاف من تلقيح البويضة، يجب على النطاف أن تحسن القيام بشيئين للنجاح في مهمتها: ”السباحة والحفر“. معظم وسائل منع الحمل بما فيها الواقيات الذكرية تستهدف مهارة النطاف في السباحة لأن العلماء لم يستطيعوا تعطيل قدرة النطاف على الحفر، حتى الآن.

عثر العلماء أخيرًا عن طريق قياس التيارات الشاردية في نطفة واحدة على زر التشغيل، ووسيلة لايقافه، والنتيجة على حد زعمهم هي وسيلة منع حمل أكثر فعالية تعمل عند كلا الجنسين بنفس الفاعلية.

تضرب النطاف بذيلها كالأفاعي لتستطيع السباحة عبر عنق الرحم، والرحم ذاته، وإحدى قناتي فالوب لتستطيع الوصول إلى البويضة، هذه وسيلة فعّالة نظرًا لنتائجها، آخذين بعين الإعتبار أن عليها أن تسبح 24,000 مرة طولها، أي حوالي 10-12 سم، لكن هذا الجهد يذهب هباء بيد أنه غير كاف لاختراق المنطقة الشفافة ”منطقة بلوسيدا“، ذلك الغشاء الغليظ الذي يحول دون البويضة.

لا يبلغ طول رأس الحيوان المنوي البشري سوى خمس ميكرونات ضئيلة، وليتجاوز قشرة البويضة التي يبلغ سمكها 30 ميكرون عليه أن يحوّل ذيله إلى محرّك مثقاب متمكّن، فيتحول من التلويح بين اتجاهين إلى الدوران بسرعة باتجاه واحد، مقحمًا الرأس ودافعًا إياه عبر طبقة تسمى المنطقة الشفافة، وهي منطقة كثيفة لزجة تحيط بالبويضة.

والآن، مالذي ينشّط تلك العملية؟ ضخّ كميات كبيرة من شوارد الكالسيوم هو الحواب، علمًا أنّ شوارد الكالسيوم مهمة جدًا في الحركة الميكانيكيّة.

يعتمد ذاك التغيير في اتجاه وأسلوب حركة الذيل على قناة شاردية واحدة فقط رغم وجود الآلاف من أنواع قنوات الشوارد في جسم الإنسان، توجد حصرًا في النطاف، وتسمى ”كاتسبر“، تعمل قنوات كاتسبر حصريًا في الوقت المناسب لتفعيل هذه الآلية عندما تقترب من البويضة وتتعرض للبروجسترون، كما ويعرف العلماء بشأن هذه القنوات منذ عام 2001 حيث عثروا عليها صدفة أثناء بحثهم في أسباب عقم الذكور، كانت نتيجة بحثهم أنّه عند المرضى طفرة في واحد على الأقل من أصل تسعة شفرات تحمل معلومات قناة كاتسبر.

هل يمكن اعتبار هذا زرا لتشغيل النطاف، ووسيلة لأيقافها؟

نشر باحثون من UC Berkeley ورقة بحثية مؤخرًا في مجلّة PNAS، تتضمن نتائج اختبار أكثر من خمسين مركبًا كيميائيًا لتحديد أيّها يرتبط بشكل محكم بكاتسبر، مغلقًا تلك القناة ومانعًا دخول الكالسيوم الضروري لبدء الإقحام، والنتيجة هي العثور على مركبين واعدين موجودين طبيعيًا في حميتنا اليومية: مركب اللوبيول الموجود في المانجو، والعنب، والزيتون، ومركب البريستيميرين الموجود في عشبة طبية قديمة تعرف بعريشة إله الرعد.

تقول مترأسّة الدراسة بولينا ليشكو ”قد يستخدم هذا بشكل مباشر للحصول على مانع حمل طارئ أكثر فعالية“، وتشير إلى أن واحدة من أكبر نقاط الجدل حول هذا النوع من موانع الحمل هو أنها تمنع البويضة المخصّبة أحيانًا من التشبث بجدار الرحم، ما جعلها عرضة للنقد من طرف مناهضي الإجهاض الذين يعتقدون أنّ الحياة تبدأ لحظة الإلقاح.

وتضيف ليشكو ”لا تكتفي هذه الطريقة بكونها أكثر فعالية بعشر مرّات من أفضل ما يتوافر في السوق، بل وتمنع التلقيح أصلًا، لا يوجد جنين إطلاقًا“.

لكنّ ما أثار باحث الجزيئات الحيوية والنطاف أيروين غولدبيرغ هو إمكانية الحصول على مانع حمل ذكري فعّال، ويقول أنّ الدراسة، من منظور علمي، ستكون مقنعة لمطوّري الأدوية والعقاقير.

يقول غولدبيرغ ”ليس لدينا شيء جديد من ناحية موانع الحمل الذكرية منذ اختراع الواقي الذكري“، علمًا أنّ عددًا كبيرا من موانع الحمل الذكرية الهرمونية قد فشلت خلال السنوات الماضية أو قد تم إيقافها خوفًا من أعراضها الجانبية، مع استثناء فاسالجيل، الذي هو حاجز هلامي يحقن في القناة الناقلة للنطاف لحجزها، والذي قد تجاوز التجارب السريرية على الرئيسيات، ويتجه حاليًا إلى التجارب السريرية البشرية، وحيث أنّهم متأخرون بضع خطوات وراء فاسالجيل يعتقد غولدبيرغ أن ليشكو وفريقها سيقدمون شيئًا مهمًا، لكنه أشار إلى وجوب اقتناع شركات الأدوية بوجود طلب على هذا النوع قبل أن يموّلوا التجارب السريرية ​المكلفة.

أتت النتائج التي نشرتها ليشكو وفريقها من فحوصات قاموا بها على نطاف بشرية في المخبر، لكنهم بدؤوا مؤخرًا بتجارب على الرئيسيات لمعرفة مدى استمرارية تأثير تلك المواد، وتتوقع ظهور النتائج خلال هذه السنة، والتي ستكون مهمة لخططها في إنشاء شركتها الخاصة لانتاج وتسويق هذا المنتج خلال السنوات الثلاث المقبلة. تقول ليشكو أنّ هدفها ما تسميه مانع حمل مطلق، للرجال والنساء، يؤخذ عن طريق الفم أو يحرّر على مهل من حلقة مزروعة، الأمر الذي سيؤمن مساواة جنسية ضرورية في ساحة موانع الحمل.

مقال من إعداد

mm

فارس المقداد

شاب في العشرينات، طالب طب بشري، وقارئ ومترجم.

المصادر

عدد القراءات: 18٬203