عام واحد من التدريس في إحدى المدارس الابتدائية كان كفيلاً بصدمة حقيقية، لدرجة العنف الموجودة في المدارس والتي يقوم بها الأطفال أنفسهم! حتى ألعابهم في الباحة كانت ألعاب قتالية! تعتمد على الضرب وإلحاق الأذى ببعضهم البعض. لماذا طفل بهذا العمر يجد المتعة في ضرب صديقه؟ أو تخريب صنابير المياه؟ أو قلب كراسي الصف عند الذهاب للمنزل؟ ما السبب لهذا العنف المدرسي؟!

ساحة مدرسة

ساحة مدرسة

ما هو العنف؟

تعرف منظمة الصحة العالمية أن العنف هو الاستخدام المتعمد للسلطة أو القوة، أو هو التهديد الذي يقوم به شخص ضد آخر أو جماعة ضد شخص أو مجموعة ضد مجموعة. بحيث يكون العنف جسدي أو لفظي أو نفسي.

أشكال العنف المدرسي:

1. عنف التلميذ اتجاه تلميذ آخر:

وتتعدد مظاهر هذا العنف من سب وشتم وتنمر، وقد تصل إلى اشتباك وضرب وجرح واستخدام أسلحة كالحجارة والأدوات الحادة.

ملحوظة: قد يكون عنف التلميذ اتجاه نفسه، فقد لاحظت بعض التلاميذ يتعمد جرح نفسه بشفرة المبراة أو يطلب من أصدقاءه الهجوم عليه وضربه كنوع من اللعب!

2. عنف التلميذ اتجاه أعضاء الهيئة التدريسية:

يصل جموح التلميذ العنيف إلى التمرد على كل القوانين والتعدي على المدرس، فكثيراً ما نسمع أن تلميذاً هدد مدرساً لأنه ضربه، أو قام بالرد السريع على المدرس وإرسال لكمتين له بدل الواحدة دون أن يلجأ إلى الحلول السلمية كتقديم شكوى ضد الأستاذ مثلاً.

3. عنف التلميذ اتجاه الممتلكات المدرسية:

نجد التلميذ يتسلى بكسر صنابير المياه وتمزيق كرات حصة الرياضة، وتخريب زينة الصف وكسر زجاج النوافذ وحفر المقاعد والكتابة عليها وتمزيق الكتب قبل تسلميها للمدرسة.

كيف يصل طفل لهذه المرحلة من العنف؟

1. تعامل المدرس مع التلميذ:

دائماً ما كان الأطفال الذين يعانون من مشاكل دراسية عرضة للتعنيف النفسي من قبل المدرس عن طريق الإحباط والتحقير والعقاب البدني أحياناً، كما يعامل الطفل بطريقة بعيدة عن الطفولة تماماً فهو يقولب ويطلب منه ألا ينطق إلا بما يرغب المدرس بسماعه، فتعد الابتسامة أحياناً فعل مستفز يستوجب العقاب.

ويجب على المدرس إن كان مضطراً لمجابهة سلوك سيء من أحد التلاميذ أن يقوم بمحاورة التلميذ وإيضاح السلوك الخاطئ وبديله السليم، مع الاعتماد على التحفيز، وإن كان التلميذ يتعمد إحراج المدرس فعندها يجب أن يتولى طاقم الإرشاد النفسي أو الاجتماعي الموجود في المدرسة التعامل مع التلميذ، ولكن المرشد في المدارس غالباً موجود بلا وجود!

كما على المعلم أن يستوعب أن بعض التلاميذ يعانون من مشاكل فيزيولوجية تجعل التعلم بالنسبة لهم شاق ويحتاج وقت أكبر من غيرهم، لذا عليهم إيصال هذه الفكرة للأهل. فالعنف في هذه الحالة وغيرها لن يفعل شيء سوى جعل المدرسة والمدرّس عدو التلميذ الأول، بل وجعل التعليم والعلم شيء مكروه بالنسبة له.

2. تعامل الأهل مع الطفل:

نجد أن الأهل المعنفين في طفولتهم يميلون لتطبيق العنف على أطفالهم أكثر من غيرهم، وهكذا يستمر العنف داخل الأسرة جيلاً بعد جيل، كما أن العامل الاقتصادي والفقر يولد التوتر نتيجة عدم القدرة على تلبية احتياجات الأسرة المادية، مما يدفع رب الأسرة لممارسة العنف اللفظي والجسدي على أفرادها.

عنف الاهل

عنف الاهل

كما أن عاداتنا وتقاليدنا التي تقول: ”العصاية من الجنة“، ”قتلة بتفوت وماحدا بموت“، ”اللحم إلك والعضم إلنا“ أحد أسباب الحض على العنف بل وجعله من سمات التربية والتأديب. فلكي تشعر أن ابنك ”مربى“ من المفترض أن تكون أب يضربه على كل خطأ!

3. وسائل الإعلام:

يعج التلفاز ببرامج الأطفال المعتمدة على العنف والقتل والضرب بأشكاله بأسلوب ممتع وشيق، مما يجعل الطفل يميل للتجريب ولأخذ دور بطل هذا الفيلم أو ذاك، كما أن الأهل أحياناً يتابعون نشرات الأخبار المليئة بمشاهد العنف والدم أمام أطفالهم مما يؤثر على نفسيتهم، وعلى نظرتهم للعنف كشيء طبيعي جداً… بل ومتداول.

وقد فاجأني عدد من الأطفال عندما حاولت فض اشتباكهم وأبديت استغرابي من ضربهم لبعضهم بالرغم من أنهم أصدقاء بجوابهم أنهم يلعبوا المصارعة، مثل WWE التي يتابعونها على التلفاز، بحيث اختار كل منهم دور مصارع وبدأت اللعبة!

4. مقارنة الطفل بإخوته وزملائه:

المقارنة أسلوب يؤثر على نفسية الطفل ويحبطه ويجعله يشعر بالحسد والحقد والغيرة، فأنا أتذكر دائماً أن المتفوقين كانوا ينبذون من البقية لدرجة مديح الأساتذة لهم ومقارنتهم مع غيرهم، مما يولد الحسد والدافع للانتقام لدى البقية من هذا الذي يفضله المدرس عليهم، كما أن الأسرة قد ترتكب ذات الخطأ وتقارن التلميذ بأخيه الأكثر اجتهادا، مما يعزز الشعور لديه الشعور بأنه منبوذ وغير مرغوب فيسلك سلوكاً عنيفاً كرد فعل على تفضيلهم وتمرد على تقييمهم.

وقد نصت اتفاقية حقوق الطفل 1989 قواعد تحظر جميع أشكال العنف ضد الأطفال، بحيث أوضحت المادة 28 أن على الدول المصادقة على القرار ضمان إدارة النظام في المدارس على نحو يتماشى مع حفظ كرامة الطفل.

وفي النهاية المدارس بشكل عام تحتاج لإعادة هيكلة، فمهمة المدرسة ليس فقط تعليم الطفل بل دمجه أيضاً مع المجتمع. وعلينا أن نعلم أن من غير المنطقي أن يكون الجميع بذات المستوى التعليمي سواء من أبناءنا أو من تلاميذنا. لنحترم ميول كل طفل ولنبتعد عن الضغط عليه فوق طاقته للوصول لتحصيل دراسي عالي! النتائج الدراسية الجيدة ليست كل شيء ولا تصنع عالماً!

لنساعد أطفالنا ولنكتشف ميولهم لننتج علماء حقيقين وفنانين وموهوبين بشتى مجالات الحياة، فالإبداع أكبر من درجة جيدة في مقرر مدرسي.

هذا المقال يحتوي على بعض الآراء الشخصية التي لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر موقع دخلك بتعرف.

مقال من إعداد

mm

أصالة عثمان

طالبة في جامعة دمشق كلية العلوم قسم الرياضيات.