in

هل سمعت بالتجارب النووية التي أجرتها فرنسا في بلدتي رقان وعين إيكر الجزائريتين؟

صورة: AFP

رقان هي بلدية تتبع ولاية أدرار جنوب غرب الجزائر وتقع في منطقة صحراوية. كانت رقان وعين إيكر المحطات الرئيسة التي استخدمها الفرنسيون لإجراء التجارب النووية في ستينيات القرن الماضي، وهناك تجارب أخرى أجراها الفرنسيون في الحمودية أيضاً، جميع تلك المناطق في الجنوب الجزائري.

أجرت فرنسا 13 تفجيراً نووياً تحت الأرض في منطقة عين إيكر. سببت الطبيعة المتهورة لتلك التجارب تلوثاً إشعاعياً ضخماً في التربة، لدرجة أن الإشعاعات وصلت إلى غرب أفريقيا وجنوب أوروبا، وعلى الرغم من أن فرنسا حينها أكدت أن التجارب والنشاط الإشعاعي غير مؤذيين وأدنى من المستويات الخطيرة، لكن تقارير أخرى كُشفت لاحقاً أثبتت أن ما ادعته فرنسا غير صحيح، بل ربما وصل الإشعاع إلى المياه الجوفية، ما أدى إلى تعرّض السكان المحليين بشكل مباشر لمخاطر الإشعاع.

أجرت فرنسا 4 تفجيرات نووية بين عامي 1960 و1961. فُجرت تلك القنابل في مركز التجارب العسكرية الصحراوي. تعرّض الجنود والسكان المحليون والقبائل الرحل إلى مستويات عالية من البلوتونيوم، وهذا ما يؤدي إلى مخاطر صحية على المدى الطويل، كالسرطانات والعقم والتشوهات الجينية.

هل يتعذر عليك إكمال قراءة كل المقال الآن؟ يمكنك حفظه في المفضلة والعودة إليه لاحقا..

اليوم، بإمكانك إيجاد تلك المناطق التي أجرت فيها فرنسا تجاربها، وعلى الرغم من أنها مسوّرة وتحوي لافتات تحذر من الخطر الإشعاعي، لكن لا أحد يحرسها.

تاريخ التجارب النووية الفرنسية في رقان وعين إيكر

أول اختبار نووي أجراه الفرنسيون في رقان في الـ25 من شهر ديسمبر عام 1961. صورة: AFP

في عام 1945، أسست فرنسا مفوضية الطاقة الذرية الفرنسية المعروفة باسم CEA، كانت تلك المؤسسة مسؤولة عن جميع الشؤون النووية، سواءً كانت أبحاثاً علمية أو تجارية أو عسكرية.

بحلول خمسينيات القرن الماضي، امتلكت فرنسا القدرة على تصنيع قنبلة بلوتونيوم، وبدأت البحث والتنقيب عن اليورانيوم لإنتاج أسلحة نووية. خلال بضعة أعوام، استطاعت فرنسا امتلاك أول قنبلة نووية لها. فأسست قاعدة عسكرية على بعد 50 كيلومتر جنوب غرب بلدة رقان الصحراوية من أجل إجراء التجارب هناك.

دُعي الاختبار الأول بـ«اليربوع الأزرق»، وهو أول تعاون عسكري بين فرنسا وإسرائيل على أراضي الجزائر، وكانت القنبلة تعادل 70 كيلوطن من مادة الـ TNT المتفجرة، أي أقوى بـ 3 إلى 4 مرات من القنبلة الأمريكية التي أُلقيت على هيروشيما اليابانية، ووقع الانفجار في الـ 13 من شهر فبراير عام 1960. ووصل الأمر بالفرنسيين إلى استخدام الجزائريين كفئران تجارب بشرية لمعرفة تأثير الأشعة على البشر، وتشير شهادات المؤرخين إلى استخدام فرنسا نحو 42 ألف جزائري من أجل هذه التجارب.

أجرت فرنسا ثلاث اختبارات إضافية، عُرفت بالأسماء الرمزية التالية، وهي: اليربوع الأحمر واليربوع الأخضر واليربوع الأبيض. ولحسن الحظ، اندلعت مظاهرات معارضة للاختبارات النووية، وحصلت على زخمٍ كبيرٍ داخل الجزائر وفي فرنسا أيضاً.

اضطرت الحكومة الفرنسية إلى إيقاف تفجير القنابل النووية إثر الضغوط التي لاقتها، لكنها لم توقف الاختبارات ككل، بل سعت نحو إجراء تفجيرات تحت سطح الأرض في موقع جديد ضمن جبال الجزائر، وهو موقع عين إيكر.

بدأت سلسلة اختبارات عين إيكر بعد إغلاق موقع رقان. ومجدداً، اختارت فرنسا الموقع بسبب عزلته الجغرافية، لكنها لم تدرك على ما يبدو أن الموقع استوطنته القبائل الرحل، وسارت فيه على الدوام قوافل تجارية، بل يبدو أن السلطات الفرنسية لم تولِ الكثير من الاهتمام لهؤلاء الناس.

حتى شهر فبراير من عام 1966، فجّرت فرنسا 13 قنبلة نووية داخل أنفاق سلسلة جبال هقار الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي للجزائر في ولاية تمنراست. وبين شهري مايو عام 1964 ومارس عام 1966، أجرت فرنسا سلسلة من التجارب الخطيرة للغاية.

كان الفرنسيون يجبرون السكان المحليين على الوقوف مرتدين هذه الملابس لمعرفة تأثير الإشعاع النووي. صورة: Getty Images

دُعيت أول تجربة باسم «بلوتو»، وصُممت بطريقة تحاكي حادثة قنبلة البلوتونيوم. أمل الفرنسيون عند تفجير القنبلة أن تحمل رياح الصحراء المخلفات النووية وتبعثرها، ثم حاول الفرنسيون قياس نسبة الإشعاع بهذه الحالة كي يفهموا عواقب هكذا تفجير. ثم أجرت فرنسا أشهر اختبارٍ لها في عين إيكر، ودُعي باسم «بيريل»، في شهر مايو عام 1962.

فشلت إجراءات احتواء الإشعاع، ما أدى إلى تطاير الصخور المصهورة من الأنفاق بعد وقوع الانفجار، وانتشرت سحابة مشعة على ارتفاع 2.6 كيلومتر في الجو.

في ظروف أخرى طبيعية، كانت هذه الحادثة لتمرّ بدون الكثير من الضجة والجلبة. لكن في تلك المناسبة بالذات، اجتمع نحو 2000 متفرج (من بينهم وزراء فرنسيون) لمراقبة الحدث الذي اعتُبر أنه آمنٌ إذا وقف الشخص على مسافة بعيدة.

بالطبع، عند وقوع الانفجار، هرب الجميع خوفاً. لكن لسوء حظهم، كان معظم الناس والعاملين قريبين جداً من الانفجار، فتعرضوا لمستويات مرتفعة وخطيرة من الإشعاع. ونتيجة ذلك، عانى الكثيرون من السرطانات وأمراض أخرى مرتبطة بالإشعاع النووي. فعلى سبيل المثال، توفي وزير الدولة الفرنسي (غاستون باليفسكي) الذي حضر المناسبة ضيفاً فخرياً جراء إصابته باللوكيميا لاحقاً، ووافته المنية في عام 1984.

التأثيرات الصحية والبيئية للاختبارات النووية

نصب للتذكير بتجارب عين إيكر، الواقعة على بعد 170 كيلومتر جنوب بلدة تامنرست. صورة: Reuters

جراء التشققات الصخرية أو الإغلاق غير المحكم، أدت ما لا يقل عن 4 اختبارات –من أصل 13– إلى انبعاث كميات ضخمة من الغازات الإشعاعية وانتشارها في الجو. لم يكن تفجير «بيريل» السابق هو الوحيد، لكنه كان الأسوأ بلا شك، فبعد الانفجار، تعرّض نحو 100 مواطن فرنسي وعدد غير معروفٍ من الجزائريين في المنشأة إلى الإشعاع بشكل مباشر، حيث بلغت مستوياته ما بين 50 إلى 600 ميللي زيفرت –ما يعادل تعرض المرء لنحو 2500 إلى 30 ألف صورة صدرية بالأشعة السينية.

كان وقع الأمر أكثر كارثية على الجزائريين، فلم يملك هؤلاء إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية الجيدة، ولا يمكن معرفة أعداد الجزائريين الذين تأثروا بهذه التجارب جراء عدم امتلاك سجلات أو دراسات رسمية. وفوق ذلك، تحوّلت مناطق كبيرة من الصحراء إلى مخلفات نووية أثرت بشدة على التربة والمياه الجوفية والواحات المجاورة. كما تشير تقارير إلى قيام الكثير من اللصوص والقبائل الرحل بنقل الحطام النووي الناجم عن الانفجار «بيريل» إلى أماكن أخرى، ما يعني المزيد من انتشار الإشعاع.

تعرّض عشرات آلاف الجنود والعمال من سكان المنطقة المحليين، وتحديداً الطوارق الذين يستوطنون الصحراء الكبرى، إلى إشعاع مباشرٍ ناجم عن الاختبارات، وتعرض عدد لا يمكن إحصاؤه من الناس إلى الغبار النووي المتساقط الذي انتشر عبر شمال أفريقيا. وصلت مستويات عالية من الإشعاع إلى العاصمة السودانية الخرطوم، والتي تبعد نحو 3200 كيلومتر عن رقان. جاء في تقريرٍ لمجلس الشيوخ الفرنسي أن الجنود الذين تواجدوا في مناطق الاختبارات تعرضوا لجرعات تتراوح بين 42 و100 ميلي زيفرت. جميع تلك الأرقام لا تشمل بالطبع مستويات الإشعاع الداخلي الناجم عن استنشاق البلوتونيوم المشع أو النظائر المشعة الأخرى المنتشرة في الغبار أو الرمال، والتي لعبت دوراً مهماً في إصابة العديد من البشر بالسرطانات، تحديداً أولئك الذين يقطنون في أماكن بعيدة عن مواقع الاختبارات.

إحدى اللافتات التي تحذر السكان من الاقتراب من تلك المناطق المسورة بسياج شائك.

بعد 45 سنة على انتهاء التجارب، عثرت الوكالة الدولية الطاقة الذرية على مستويات متزايدة من الإشعاع في منطقة رقان، وحذرت من استنشاق جزئيات الرمال المتطايرة جواً والملوثة بالإشعاع. على الرغم من وجود لافتات تحذيرية في تلك المناطق، لكن مواقع الاختبار السابقة ليست محمية بالشكل الكافي، حيث أكدت تقارير عديدة تعرّض الخردة المعدنية الملوثة بالإشعاع إلى السرقة ثم البيع في السوق السوداء.

حتى هذا اليوم، لا توجد دراسات دقيقة في علم الأوبئة لمعرفة المخاطر والتأثيرات الصحية الناجمة عن اختبارات رقان، ولم تُجر أي دراسات على الجنود أو الطوارق الذين تواجدوا هناك، باستثناء تقارير متعددة عن تزايد معدلات السرطانات والتشوهات الخلقية في المنطقة.

في عام 2008، أجرت رابطة «خبراء التجارب النووية الفرنسيون» والمعروفة باسم «أفين Aven» إحصاءً يشمل 1000 محارب قديم، ولوحظ أن 35% من المشاركين يعانون من نوع واحدٍ أو أكثر من انواع السرطانات، ولوحظ أن 1 من أصل 5 قد أصيب بالعقم. وفقاً لرابطة «أفين» نفسها، عانت مجموعة المحاربين القدامى في رقان من طيفٍ واسعٍ من الأمراض، مثل سرطان الدم (لوكيميا) والأمراض القلبية الوعائية، حتى أن أطفالهم وأحفادهم أظهروا مستويات عالية من المضاعفات الصحية الخطيرة، والتي يُمكن ربطها بالوراثة.

في عام 2009، عرضت الحكومة الفرنسية تقديم تعويضات للمتضررين من الاختبارات النووية، لكن الأشخاص المتضررين أكدوا أن شروط استحقاق التعويضات مشددة جداً ومن الصعب جداً الوصول إليها، تحديداً بالنسبة لشعب الطوارق، أكثر المتضررين من تلك الاختبارات.

من الضروري اليوم إجراء دراسات في علم الأوبئة لتقييم مدى الضرر الذي ألحقته تلك الاختبارات النووية، سواء بالنسبة للمشاركين فيها أو السكان المحليين الذين تعرضوا لها. ويبدو أن ملف رقان وعين إيكر لا يزال مفتوحاً، ولا يجب أن تطوى صفحاته ويُنسى بلا تعويضات.

مقالات إعلانية