معلومات عامة

دخلك بتعرف مشروع النفق الذي سيربط بين المغرب وإسبانيا تحت البحر

مضيق جبل الطارق

إنه واحد من التصورات التي لطالما بدت ممكنة التحقيق من الناحية النظرية لأن المسافة بين النقطتين «أ» و«ب» قصيرة جدا، ومع ذلك فإن الأمر يشبه إلى حد بعيد رحلة خيالية من بين صفحات رواية (جولز فيرن) التي تتعدى الواقع وحدود ما يمكن لممالك الخيال استيعابه. يقبع هذا التصور بين حدّين اثنين، أولهما أنه ممكن التحقيق من الناحية النظرية، ثانيهما أنه من الناحية الهندسية أشبه بخلق تنّين أو حصان مجنح، فهو قريب جدا، لكنه في نفس الوقت شديد البعد.

قد تتساءل عزيزي القارئ عما نشير إليه بكل هذا الكلام السابق، فنجيبك بأننا عن فكرة الربط البري بين قارتين في هذا العالم نتحدث، تلك الفكرة التي لطالما تبلورت ونوقشت نظريا لكن أحدا لم يجرؤ على محاولة تجسيدها في أرض الواقع. إننا هنا نتحدث عن مشروع حفر وإنجاز نفق تحت قاع البحر الأبيض المتوسط يربط بين إسبانيا والمغرب عبر مضيق جبل الطارق، هذه الفكرة التي يصفها (جولز فيرن) نفسه في كتابه بعنوان: «عشرون ألف فرسخ تحت الماء»: ”كان من الواضح أن الأمر لابد أن يُحسم، وقد بدأت أشمئز من التملّص».

في بحر هذا الأسبوع، تم تداول بعض الأحاديث والأقاويل هنا وهناك حول كيفية وسبب وزمن إنشاء هذا المشروع المستقبلي، وقد أوضحت بعض الملاحظات، التي تم نشرها حصراً في الصحيفة الأندلسية الإسبانية (ديارو دي كاديز)، من إعداد مجموعة الهندسة والتخطيط الإسبانية SECEGSA ورئيسها (رافاييل غارثيا مونجي فيرنانديز) أن هذه الفكرة التي تتعلق بإنشاء همزة وصل أرضية تربط بين المغرب وإسبانيا ليست قابلة للإنجاز فقط، بل أن التيار صار يهبّ لصالح البت في المشروع في القريب العاجل، والمساعي تجري على قدم وساق من أجل ذلك لدرجة أنه قد تم إجراء الحسابات اللازمة لتحديد عدد آلات الحفر اللازمة لحفر النفق وكذا تكلفة صناعتها.

نعود لمجموعة SECEGSA لنشرح ماهيتها: إنها اختصار لـ«الجمعية الإسبانية لدراسات الاتصال الثابت عبر مضيق جبل الطارق» Sociedad Española de estudios para la Comunicación fija a través del Estrecho de Gibraltar, S.A، التي قالت في خلاصة أبحاثها أن هذا المشروع قابل للإنجاز والتحقيق وأن أبحاثا سابقة أجرتها خلصت إلى أن طوله سيكون 38.67 كيلومترا في مجمله، والذي سيكون 27 كيلومترا منه مغمورا تحت قاع البحر.

لو بدت لك هذه الأرقام واقعية عزيزي القارئ فهي لأنها كذلك بالفعل، والسبب أن الأنفاق التي تمتد تحت سطح البحر رابطة بين مناطق أرضية منفصلة كانت موجودة مسبقا وسبق تحقيقها وإنجازها، مثل «نفق القناة» الذي يمتد على مسافة 50 كيلومترا رابطا بين فرنسا وإنجلترا والذي تمتد مسافة 37 كيلومتر منه تحت قاع البحر، وكذا (نفق سايكان) الذي يربط بين الجزيرتين اليابانيتين (هونشو) و(هوكايدو) والذي يمتد على مسافة 53 كيلومتر مع 23 كيلومتر منه تحت سطح مضيق (تسوغارو).

نفق مضيق جبل الطارق الرابط بين (تاريفا) في إسبانيا وطنجة في المغرب أقل طولا من نفق القناة الرابط بين فرنسا وإنجلترا المبين بالصورة.

نفق مضيق جبل الطارق الرابط بين (تاريفا) في إسبانيا وطنجة في المغرب أقل طولا من نفق القناة الرابط بين فرنسا وإنجلترا المبين بالصورة – صورة: Ludovic Maisant

ومنه يمكن الجزم أن الأسباب التي تعيق مشروع نفق يمتد تحت البحر ليربط بين المملكة الإسبانية والمملكة المغربية ليست تقنية، وليست لأنه مستحيل أو غير قابل للإنجاز، لذا ما هي هذه الأسباب يا ترى؟

أول مشكلة تعيق إنجاز هذا المشروع هي التمويل، فمن سيمول إنجاز هذا المشروع؟ تقول مجموعة SECEGSA أن كلاّ من إسبانيا والمغرب مهتمتان كثيرا بهذا المشروع، وبما أن مجموعة SECEGSA هي هيئة حكومية إسبانية، فبإمكاننا الوثوق في صحة كلامها هذا فيما يخص الطرف الإسباني فقط.

لكن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها رئيس المجموعة (فيرنانديز) حول أن تقديراته لتكلفة إنجاز مثل هذا المشروع تقف عند حدود 8 مليارات يورو تعني أنه ستكون هناك حاجة أساسية لتمويل إضافي من الاتحاد الأوروبي، وكذا كل تمويل ممكن من القطاع الخاص، وهو ما سيؤدي بمشروع هذا النفق إلى الدخول في متاهات من البيروقراطية والتلاعبات، هذه المتاهات التي لن يرى بعدها النور أبدا على الأرجح.

وقد قُدر سعر إنجاز نماذج أولية عن واحدة من آلات الحفر الثمانية اللازمة لحفر النفق تحت أضيق نقطة من البحر المتوسط بحوالي 32 مليون يورو وحدها.

(نفق سايكان) الرابط بين جزيرتي (هونشو) و(هوكايدو) في اليابان.

(نفق سايكان) الرابط بين جزيرتي (هونشو) و(هوكايدو) في اليابان – صورة: Risto Kaijaluoto

ثم هناك المشكلات التي تتعلق بالحسابات الفيزيائية، فبينما من المقرر أن يكون هذا النفق أقصر طولا من نظيره في اليابان، وذلك الذي يربط بين (فولكستون) في إنجلترا و(با دو كالي) في فرنسا، فإن وضعية قاع البحر بين إسبانيا والمغرب مثلت مصدر قلق للمهندسين، حيث أظهرت الاستبيانات والدراسات لأقصر خط من هذا النفق منطقتين اثنتين بارزتين على امتداد أربعة كيلومترات كان نوع التربة السائدة فيهما من الطين الهش الذي يصعب البناء فوقه، غير أن مجموعة SECEGSA قالت بأن تلك عقبة بالإمكان تجاوزها، لكنها ستتسبب في تأخير مدة إنجاز المشروع بدون شك، وهو ما دعمه فيها باحثون في جامعة (زوريخ) وشركة بناء الأنفاق الألمانية (هيرينكنيخت).

توجد كذلك بعض التعقيدات الإضافية التي تحوم حول هذا المشروع، فباعتبار طول النفق المقترح حاليا فإن الزاوية التي يخرج وفقاً لها من البحر إلى سطح الأرض في كلا الجانبين تكون عند حدود 3٪، وهو ما يعتبر انحدارا حادا جدا بالنسبة لخط سكة حديدية سريع [حيث سيتم فتح هذا النفق الذي شيد في المقام الأول من أجل القطارات]، ومن أجل تحقيق انحناءة أقل انحدارا وحدّة يجب أن تكون زاويتها بحوالي 1.2٪ التي تعد بصفة عامة أقصى زاوية قد تسير عليها القطارات المتطورة تكنولوجياً، ومنه سيصبح ضروريا زيادة طول النفق.

ميناء طنجة على مضيق جبل الطارق الذي أنفقت عليه الحكومة المغربية مبالغ طائلة في سبيل تجديده وتهيئته.

ميناء طنجة على مضيق جبل الطارق الذي أنفقت عليه الحكومة المغربية مبالغ طائلة في سبيل تجديده وتهيئته – صورة: saiko3p/Fotolia

أخيرا لدينا هذا التساؤل المحير: لماذا قد يكلف كلا البلدين أنفسهما عناء بناء هذا النفق في المقام الأول؟ حيث أن مضيق جبل الطارق يعج بالعبَّارات والقوارب التي تنتقل من (ألجيسيراس) في إسبانيا إلى طنجة في المغرب روحة ومجيئاً وهي تؤدي خدمتها على أكمل وجه وتغطي الحاجة في النقل بشكل ممتاز، أضف إلى ذلك أن الحكومة المغربية قد أنفقت مبالغ طائلة على ميناء طنجة الذي يملك الآن طاقة استيعاب تصل إلى ثمانية ملايين حاوية، فهل سيكون قطار رابط تحت البحر قادرا على إضافة المزيد إلى مجهودات هذا الميناء الآخذ في النمو؟ أم سيخطف منه الأضواء؟ أم أن الحاجة إليه ستكون معدومة؟

ومع كل تلك التعقيدات، ومع احتمال أن لا يكون هذا المشروع ذا فائدة كبيرة، فلطالما صاحب نوع من الجاذبية الروابط الأرضية الملموسة بين القارات، وهي فكرة لطالما كانت حلما راود البشرية من أجل إمكانية السفر الطويل إلى المناطق البعيدة سيراً، وعلى الرغم من ندرتها فإن هذا النوع من الروابط موجود في العالم، نأخذ على سبيل المثال جسر الـ(بوسفوروس) الرابط بين الجانبين الأوروبي والآسيوي لمدينة إسطنبول التركية.

توجد كذلك بعض المواقع الجغرافية حول العالم التي تشبه كثيرا مضيق جبل الطارق والتي بالإمكان تحقيق مشاريع فيها من أجل الربط الأرضي بين القارات، على غرار ربط القارة الإفريقية بالآسيوية، وربط القارة الأمريكية الجنوبية بالقارة الأمريكية الشمالية، لكن الأوضاع السياسية والعوائق الجغرافية تجعل من التنقل أرضا بين هذه القارات شبه مستحيل، حيث يستحيل عليك التنقل من مصر في أفريقيا إلى قطاع غزة في آسيا بدون الخوض في عدد لا ينتهي من المشاكل والعوائق، ولا أن تتنقل من بانما إلى كولومبيا عبر Darien Gap دون تعريض حياتك لخطر كبير [حتى مع انخفاض خطر التعرض للخطف، حيث ما زالت الطرقات المهيئة شبه معدومة خلال تلك الغابات المطيرة الكثيفة في المنطقة].

مدينة «لبدة الكبرى» Leptus Magna الأثرية في ليبيا.

مدينة «لبدة الكبرى» Leptus Magna الأثرية في ليبيا.

غير أن مشروع نفق يربط بين إسبانيا [في (تاريفا) على الأرجح] وطنجة في المغرب سيكون ابتكارا جديدا وفريدا من نوعه، وهو ما أنجبته مخيلة المؤلف (جولز فيرن) قبل 148 سنة [مضت 148 سنة منذ إصداره لكتابه «عشرون ألف فرسخ تحت الماء»]، وهو إن أنجز سيمكن المسافر من القيام برحلة خيالية تجعله يختفي تحت جلد الأرض في الأندلس في القارة الأوروبية ليعاود الخروج على ظهرها بعد دقائق في المغرب وفي قارة الأسود ومدينة «لبدة الكبرى» القرطاجية التاريخية.

إطلالة على مضيق جبل الطارق من الجانب الإسباني في مدينة (تاريفا) التي يرجح أن تكون نقطة إنطلاق مشروع النفق.

إطلالة على مضيق جبل الطارق من الجانب الإسباني في مدينة (تاريفا) التي يرجح أن تكون نقطة إنطلاق مشروع النفق.

لكن حتى لو تم إنجاز المشروع، ومع وجود كل تلك المناظر الطبيعية والمواقع التاريخية الخلابة التي تزخر بها القارة السمراء، فإنك ان استقليت القطار الرابط بين إسبانيا والمغرب ووصلت إلى المغرب، فستعاني كثيرا من أجل السفر جنوبا في عمق أفريقيا.

لنأخذ الجزائر مثلا في شرق المغرب مباشرة وتوتر علاقتها السياسية مع هذه الأخيرة مما جعلها تغلق جميع الحدود والمنافذ البرية معها، أضف إلى ذلك ليبيا التي تعتبر منطقة خطر محتم لا يمكن حتى التفكير في السفر إليها، أما الجنوب فهو عبارة عن محيط لا متناهي من رمال الصحراء القاحلة الشاسعة، ناهيك عن منطقة الصحراء الغربية غير المستقرة سياسيا والمتنازع عليها، حيث تدعي المغرب أحقية ملكيتها ويطالب شعبها تحت راية جبهة (البوليزاريو) بالاستقلال والحكم الذاتي.

مع ذلك، يبقى بإمكان المسافر زيارة المغرب والتوغل فيها، من طنجة إلى الرباط إلى مراكش ففاس وأخيرا الدار البيضاء التي تتواجد على بعد حوالي 386 كيلومتراً في الجنوب الغربي لميناء طنجة.

المصادر

عدد القراءات: 775