in

دخلك بتعرف الامبراطور الروماني الذي فرض على مواطنيه ضريبة التبول؟

هل من المعقول أن يفرض الحاكم ضريبة على البول؟ هذا ما فعله الامبراطور (فيسبازيان) كي يحصّل الأموال من شعبه.

هناك عبارة اشتهرت عند الرومان، وهي Pecunia non olet (بيكونيا نون أُليت)، والتي تعني ”الأموال ليست نتنة“، وهي عبارة تُنسب إلى الامبراطور الروماني (فيسبازيان)، الذي حكم الإمبراطورية في العام 70 بعد الميلاد، وفرض على شعبه ضريبة على التبول!

تترجم العبارة السابقة ترجمة غير حرفية إلى ”الأموال ليست نتنة“ أو ”الأموال ليست مَشوْبَة“. وهي كما قلنا في البدء، منسوبة إلى الامبراطور الروماني (فيسبازيان). أما عن معنى هذه العبارة، فهي تعني أن لا أهمية للطريقة التي حصلت بها على أموالك، أي للأموال جميعها القيمة ذاتها.

المراحيض التي كان الرومان يستخدمونها سابقاً.

ولكن من أين جاءت هذه العبارة، وما المغزى من ورائها؟ حسناً، وفقاً للسجلات التاريخية، كان الامبراطور في حاجة ماسة إلى الأموال، حيث كانت الخزينة الامبراطورية فارغة على ما يبدو، لذا قام بفرض ضرائب على أي شيء تقريباً! وهكذا، وصل به الأمر إلى فرض ضريبة على البول المجمّع من الحمامات العامة. دعونا نلقي نظرة تاريخية على ما حصل.

عام الأباطرة الأربعة

منحوتة تجسد الامبراطور (فيسبازيان). صورة: Wikimedia Commons

جلب انتحار الامبراطور الروماني (نيرون) عام 68 ميلادي النهاية المروّعة والقاسية للسلالة الـ (يوليوكلودية) التي حكمت روما منذ عصر (أوغسطس)، وهو الرجل الذي حوّل روما من جمهورية إلى امبراطورية. وهكذا، توفي (نيرون) بدون أن يخلّف وريثاً للعرش، وهو ما سبب صراعاً على السلطة. لذا تسارع سياسيو وعسكريو روما إلى استغلال هذا الوضع، ونشب بينهم صراع على العرش.

في عام الأباطرة الأربعة، الممتد من سنة 68 وحتى 69 ميلادي، طالب أربعة رجال بارزين بالحصول على العرش، وهذا ما أدى إلى نشوب حرب أهلية حكم فيها هؤلاء الرجال الأربعة، كل منهم لمدة قصيرة، وهم بالترتيب: (غالبا) و(أتونو) و(فيتليوس)، وأخيراً، (فيسبازيان).

وعندما تغلّب (فيسبازيان) على الامبراطور الذي جاء قبله، استولى بشكل مطلق على السلطة، وهكذا خضعت روما لسلالة جديدة من الأباطرة، وهي السلالة المعروفة باسم سلالة (فلافيان).

بداية حكم الامبراطور

لم يكن الامبراطور (تيتوس فلافيوس فيسبازيانوس)، والمعروف باسم (فيسبازيان)، من سلالة نبيلة وعريقة كباقي الأباطرة. حيث شقّ طريقه في الخدمة العسكرية وارتقى بالمناصب بالاعتماد على كفاءته فقط.

وفقاً للمؤرخ الروماني القديم (سويتونيوس)، لم يكن (فيسبازيان) ناكراً لأصله المتواضع، بل على العكس تماماً. ففي المناسبات والاحتفالات الدينية، على سبيل المثال، كان الامبراطور يشرب من كأس فضية ورثها عن جدته، كما منع إجراء أي تعديلات على بلدته الصغيرة التي تربى فيها.

ولكن بصرف النظر عن تواضعه في بادئ الأمر، كان لدى الامبراطور مشكلة كبيرة: وهي الخزينة الامبراطورية الفارغة جراء الحرب الأهلية والحياة الباذخة التي عاشها الامبراطور السابق (نيرون). كان والد الامبراطور جامع ضرائب، لذا يمكننا القول أن الامبراطور (فيسبازيان) امتلك حلاً طبيعياً وبالفطرة للمصائب المالية التي عانت منها روما: والحل هو زيادة الضرائب في جميع أنحاء الامبراطورية.

بقايا المدرج الروماني في مدينة الاسكندرية في مصر. صورة: Daniel Mayer/Wikimedia Commons

ذكر المؤرخ الروماني (كاسيوس ديو) أن الامبراطور (فيسبازيان) جمع ضرائب باهظة من سكان الاسكندرية في مصر، حيث كانت جزءاً من الامبراطورية الرومانية. حيث ذكر (ديو): ”في البداية، جمع [فيسبازيان] مبالغ مالية ضخمة منهم باستخدام شتى الطرق، متجاهلاً مصدر هذه الأموال، سواء كان مصدرها تافهاً أو مبغوضاً، مقدساً أو مدنساً، من أي مصدر يمكن تأمين المال منه“.

لكن لم يف ذلك بالغرض، لذا طرح الامبراطور طريقة جديدة ومبتكرة، وربما غير متوقعة على الإطلاق، في جمع الضرائب. فإحدى الأشياء العجيبة التي قرر الامبراطور فرض ضرائب عليها هي البول البشري الذي يُجمع في المراحيض والحمامات العامة.

بالمناسبة، كان (نيرون) أول امبراطور يلجأ لهذه الطريقة في جباية المال، لكنه ألغى العمل بها بعد فترة قصيرة. لكن في عام 70 ميلادي، أعاد (فيسبازيان) هذه الضريبة إلى العمل، وكانت جانباً رئيسياً في جهوده المبذولة لجمع الأموال.

لكن ما الفائدة من جمع البول؟ ومن سيشتريه من الأساس؟

البول: مادة ذات فائدة هائلة في روما القديمة

لوحة جصية رومانية صُوّر فيها الغاسلون، وهم الذين يقومون بغسيل الملابس مقابل أجر مادي، وكانوا يستعملون البول البشري من أجل تنظيف الملابس. صورة: Wikimedia Commons

يبدو أن للبول البشري استخدامات عديدة في روما القديمة، فمثلاً، كان يستخدم في غسل الثياب المتسخة، وهذا ليس كل شيء!

كان في روما مصطلح يُدعى ”الغاسلون“، وهم أشخاص يكسبون عيشهم من غسيل الملابس، وهم بالطبع لا يمتلكون صابوناً أو مواد تنظيفية. لذا، لجؤوا إلى استعمال البول لتنظيف الملابس المتسخة.

فالبول يحوي اليوريا، والتي تتحول بدورها إلى أمونيا بعد مدة لا تتعدى الـ 24 ساعة. والأمونيا مادة ممتازة في إزالة الأوساخ والدهون، وتزيد نصوع الملابس وبياضها. فالأوساخ والدهون قلوية نوعاً ما، وهكذا تقوم الأمونيا بتعديل قلويتها. وحتى عندما انتشر الصابون في أوروبا، كان بعض الغاسلين يفضلون استعمال البول لأن الأمونيا تزيل البقع الصعبة من الملابس.

بالطبع، ما ذكرناه ليست الاستخدامات الوحيدة للبول. حيث كان يستخدم أيضاً في الدباغة. حيث قام العاملون في هذه الصناعة بنقع جلود الحيوانات في البول لإزالة الشعر والغائط –نعم هذا صحيح! –ثم يدلكونه ويفركونه ليصبح أنعم. وهكذا كان للبول استخدامات عديدة في مجال صناعة النسيج، حتى أنه كان يستخدم في تبييض (تقصير) الصوف.

إذاً للبول استخدامات عديدة أليس كذلك؟ حسناً، لم تروا شيئاً بعد! فهل تعلمون أن الرومان القدامى استخدموا البول لتبييض أسنانهم وصنع معجون الأسنان المؤقت؟ وهذه الممارسة انتشرت في العديد من أصقاع العالم لاحقاً.

نعود الآن لضريبة (فيسبازيان) بعد أن علمنا فوائد البول، وأنه سلعة قيّمة لدى الرومان. فنتساءل الآن، كيف استطاع الامبراطور فرض ضريبة على البول؟

كان البول البشري يُجمّع من المراحيض العامة عن طريق نظام يُدعى Cloaca Maxima، أو المجاري العظيمة. لا نعلم بالضبط كيفية تجميع البول وآلية عمل هذا النظام، لكن يعتقد الباحثون والمؤرخون أن هذه العملية تشمل جمع البول من المراحيض الخاصة والشخصية، ثم تصب في أحواض عامة. ويُقال أن الغاسلين أنفسهم كانوا يجمعون البول من أوعية كبيرة وعامة، لكن هذه تبقى فرضية.

ولا يعلم المؤرخون تماماً من قام بدفع الضريبة، هل دفعها الغاسلون والعاملون في مجال الدباغة وأي شخص يستفيد من البول، أم اضطر لدفعها جميع مواطني الامبراطورية؟ لكن من الواضح أن الاستخدامات الكثيرة والمتعددة للبول ستجعل من الضريبة المفروضة عليه مرتفعة جداً.

المال ليس نتناً

عملة رومانية عليها صورة الامبراطور (فيسبازيان). صورة: Heritage Auctions

ساعدت ضرائب البول الامبراطورَ (فيسبازيان) في ملء خزينة الامبراطورية بدون أدنى شك، لكن لم تنل هذه الطريقة رضى جميع الناس، خاصة الابن البكر للامبراطور، والذي أصبح امبراطوراً فيما بعد، وهو الامبراطور (تيتيوس)، الذي عبّر عن اشمئزازه من هذه الضرائب بشكل علني وصريح.

وفقاً للمؤرخين (ديو) و(وسيوتونيوس)، اشتكى (تيتيوس) لوالده من ضرائب البول، وعندها طلب الوالد (فيسبازيان) من ابنه أن يشمّ رائحة النقود ويخبره إن كانت رائحتها نتنة كرائحة البول، وعندما أجاب الابن بالنفي، أجاب الوالد: ”لكنها قادمة من البول“. وهكذا صيغت هذه العبارة الشهيرة Pecunia non olet، والتي تترجم إلى ”الأموال لا تنتن“ أي لا تملك رائحة نتنة وفاسدة.

حيث أشار الامبراطور إلى مصدر هذه الأموال، وهو البول نتن الرائحة، لكن هذه الأموال التي ستملأ خزينة الدولة لن تفوح منها رائحة نتنة، وهكذا تكون قيمتها أهم بكثير من مصدرها. ومن هنا تم استخدام هذه العبارة كتعبير عن قيمة المال مهما كان مصدره قذراً.

لم يشتهر (فيسبازيان) بكونه حاكماً رومانياً فحسب، ولا بضرائب البول التي فرضها، بل أثر أيضاً في اللغات الأوروبية الحديثة، حيث يُطلق اليوم في إيطاليا على المباول العامة ذات الطراز القديم اسم (فيسباسيانوس)، وفي فرنسا، تُدعى هذه المباول (فيسباسين).

وبعد الانتهاء من قراءة هذه القصة الطريفة والمسلية، نود أن نعلمكم أن ضرائب البول أتت بنتائج إيجابية جداً على الامبراطورية، حيث خلّف (فيسبازيان) لوريثه خزينة مليئة بالأموال.

جاري التحميل…

0