تاريخ

خلافات حديثة لديها تاريخ طويل

هل جربت في مرة من المرات أن تدخل بنقاش عن الأسلحة أو التغير المناخي أو التطور أو اللقاحات؟ في حال كنت فعلت ذلك أو أنك شاهدت نقاشاً كهذا فمن الواضح أن النقاشات كانت محتدمة بشكل كبير جداً، وكثيراً ما تتضمن آراء متطرفة أحياناً ما تتطور لاتهامات متعددة سواء بالغباء أو إغماض العينين عن الحقيقة، وقد تصل أحياناً إلى الشتائم وحتى التهديدات بين الأطراف المتصارعة خصوصاً على شبكة الإنترنت سواء في مجموعات Facebook أو على تعليقات YouTube وحتى سابقاً في ”المنتديات الحوارية“ التي كانت تنشط قبل مواقع التواصل الاجتماعي الحديثة.

بعض هذه النقاشات؛ مثل الخلاف بين الفكر الاقتصادي الاشتراكي ونظيره الرأسمالي أو الخلافات الطائفية والدينية سواء كانت على طبيعة الإله أو من أحق بتمثيله، تبدو واضحة بكونها أمراً مستمراً منذ عقود وأحياناً منذ قرون حتى، لكن العديد من الصراعات التي تبدو اليوم أمراً جديداً جداً تمتلك تاريخاً حافلاً عبر الزمن من الأخذ والرد والنقاشات المحتدمة التي باتت تبدو دون نهاية.

هذه القائمة تتضمن بعض الأمثلة على هذه الجدالات التاريخية.

الخلاف حول التطور والخلقية لا زال على حاله منذ ظهور نظرية النشوء والارتقاء

التطور

عندما يمس الأمر المعتقدات وبالأخص الدينية، فإن النقاشات ستستمر على الرغم من كل الإثباتات والأدلة والاكتشافات العلمية.

عندما نشر شارلز دارون كتابه المعروف باسم ”أصل الأنواع“ والنقاش حول الأمر لم يتوقف ليوم واحد في مختلف أنحاء العالم، لكن النقاش حول التطور بحد ذاته يسبق دارون نفسه، ففكرة التطور وكون الكائنات الحية الحالية تمتلك أسلافاً سابقين موجودة قبل ذلك وملحوظة من التشابه الكبير ضمن مختلف أجناس الحيوانات، حيث لا يمكن إنكار التشابه الكبير بين البشر والرئيسيات الأخرى مثلاً أو بين الحمير والحمير الوحشية والأحصنة، وحتى بين الفئران والجرذان والقوارض المختلفة، الاختلاف الأساسي الذي أحدثه دارون هو تقديم حجة جديدة للتطور الذي كان فرضية حينها لكنه لم يكن يصنف كنظرية ويمتلك أدلة قوية.

تقديم دارون لكتابه ونظريته الخاصة بـ”النشوء والارتقاء“ وفكرة البقاء للأصلح حولت توجه المجتمع العلمي إلى التطور بشكل شبه كامل، ومع نهاية القرن التاسع عشر كانت النظرية قد أصبحت واقعاً لا فائدة من إنكاره في الأوساط العلمية، لكن الجدل لم يكن يحصل في الأوساط العلمية في الواقع، بل بدأ الجدل من الكنيسة الإنجليزية التي انقسمت على نفسها بين مؤيدين ومقتنعين للتطور بين القساوسة والمتدينين التحرريين الذين بدأوا الاعتقاد الموجود حالياً ولو على نطاق ضيق بأن التطور كان جزءاً من الخطة الإلهية، وبين رافضين لها جملة وتفصيلاً من الأشد تمسكاً بالدين والتيارات الأكثر يمينية ضمن الكنيسة والتي رأت في التطور عدواً للدين والإيمان.

كان الخلاف الأساسي حول التطور في الواقع بين العامة أنفسهم، فالمؤسسات الدينية غالباً ما أظهرت التطور كعمود من أعمدة الإلحاد والكفر، وبأفضل الحالات فقد كانت تقبل بفكرة التطور تحت إشراف إلهي وتعارض فكرة الانتقاء الطبيعي والبقاء للأصلح خصوصاً التيارات المتمسكة بالنصوص الدينية الحرفية، وبينها التيارات القائلة بكون الأرض حديثة العهد وعمرها لا يتجاوز 6 آلاف عام فقط بدلاً من الحقيقة العلمية بكون الأرض اليم تبلغ من العمر ما يزيد عن 4 مليارات عام.

عبر السنوات بقي الأمر على حاله، المجتمع العلمي يقف لصالح التطور الذي دعم عبر السنوات بالمزيد والمزيد من الأدلة والبراهين، سواء عبر تطور التشريح والعلوم الطبية وظهور الجينات والحمض النووي وفكرة الطفرات والوراثة التي لم تعد تترك مجالاً للشك بالأمر حولت التطور إلى نظرية لا مجرد فرضية (النظريات العلمية هي فرضيات تمتلك إثباتات وحجج ولا يمكن القول بأنها ”مجرد نظرية“ لأن مستوى ”نظرية“ هو أعلى ما تصل إليه الفرضيات من ناحية المصداقية).

لا يزال اليوم الخلاف ضمن المؤسسات الدينية قائماً، حيث التقليديون يرفضون التطور بينما يحاول المجددون دمجه مع التعاليم والأفكار الدينية، وانتقل الجدال بين الأشخاص من المقاهي والندوات إلى الإنترنت وأماكن التعليقات.

مصدر

الخلاف حول ”الأخبار المزيفة“ قديم قدم الصحافة المطبوعة نفسها

أخبار كاذبة مزيفة

على مدار العام والنصف الماضيين كان ترامب يصف الإعلام المعادي له بالأخبار الكاذبة، بينما يعيد معارضوه نصره إلى الاعتماد على الأخبار الكاذبة.

إن كان هناك عنوان من الممكن إطلاقه على وضع الإعلام العالمي في السنتين الأخيرتين فهو ”Fake News“ أو أخبار مزيفة، وهي العبارة التي كان ولا يزال يستخدمها الرئيس الأمريكي المثير للجدل دونالد ترامب للإشارة إلى أي أخبار لا تعجبه أو تظهر ثغرات في أقواله وحججه (التي غالباً لا تحتاج للبحث لإيجاد هذه الثغرات أصلاً).

عموماً بات المصطلح شهيراً جداً مؤخراً بالأخص مع التحقيقات حول تدخلات روسية في الانتخابات الأمريكية على شكل أخبار كاذبة وإعلانات موجهة ومضللة وغيرها.

في حال كنت تقرأ المقال من بلد عربي، ففكرة ”الإعلام الكاذب“ والصحف العميلة وقنوات التلفاز المغرضة والمواقع الموجهة من قبل الأعداء المحليين أو الخارجيين لن تكون جديدة حقاً عليك، فعلى مدار السنين دائماً ما كانت الأطراف السياسية والأنظمة الحاكمة تتقاذف تهم الافتراء والتدليس وتتهم بعضها البعض بتشويه السمعة، فأي جهة إعلامية تتحدث عن الفساد الحكومي عميلة، وأي جهة إعلامية تتناول الإفراط في استخدام السلطة مغرضة، وجميع جهات الإعلام الخارجية هي وكالات مدفوعة من الإمبريالية العالمية (أو من محور الشر ربما، فالأمر يعود لاصطفافات البلد الإقليمية والسياسية) تهدف لزعزعة الأمن الوطني وزرع الخلاف والبغض بين فئات المجتمع.

في الواقع، فهذه الأسطوانات المشروخة عن كون كل إعلام لا يتفق مع المصالح كاذب ليست بالجديدة بل أنها قديمة قدم الإعلام نفسه، وبنفس الوقت فالأخبار الكاذبة والملفقة والمبالغات في الجرائم والأحداث أو حتى اختلاقها بالكامل هي أمر منتشر جداً في الصحافة الصفراء سابقاً وفي المواقع الصفراء، التي لا يهمها سوى الضغط على روابطها ولو تطلب الأمر عناوين كاذبة ومبالغات كبرى، فالأخبار الكاذبة اليوم باتت أسهل للانتشار من أي وقت مضى بفضل الإنترنت والتواصل الاجتماعي، لكنها بنفس الوقت باتت أسهل بكثير للاكتشاف والدحض بسبب الإنترنت نفسه الذي ساعد على زيادة نشرها.

الجدل الحالي حول مصداقية الأخبار ووكالات الأنباء في الواقع هو لا يعدو عن كونه نسخة عن السابق فقط دون أي تغيير، ومع أن الأمر اليوم بات يبدو أسوأ، فالواقع أن معايير المصداقية باتت أعلى والأخبار المزيفة باتت أمراً يظهر في الصحف أو المواقع الصغيرة غالباً أو كمنشورات تواصل اجتماعي، بينما في الماضي الأخبار المختلقة بالكامل كالأخبار عن الجنود الإسبان الذين يأمرون النساء الأمريكيات بالتعري خلال الحرب العالمية الأولى، أو الأخبار عن قطع الجنود الألمان لأثداء الراهبات في بلجيكا أثناء الحرب العالمية الأولى كانت تظهر على واجهات وصفحات صحف كبرى مثل The New York World، التي كانت مدارة من قبل الصحفي الشهير Joseph Pulitzer الذي تحمل اسمه اليوم أعلى جوائز الصحافة قيمة وشرفاً.

مصدر

ظهرت الحركات المعادية للقاحات مع ظهور اللقاحات نفسها

اللقاحات

ستعرف أن هناك أمراً خاطئاً بشدة عندما يستخدم العالم بأكمله لقاحاً ويؤدي لانقراض المرض، لكن منطقتك هي الوحيدة التي تحتويه لأنك ترى اللقاحات مؤامرة.

تسببت الحركات الحديثة المعادية للقاحات بالضرر لعشرات آلاف الأشخاص حول العالم، وتسببت بعودة العديد من الأمراض التي كان من المفترض أنها انقرضت، وحافظت على أمراض مثل شلل الأطفال الذي انقرض في جميع مناطق الأرض ما عدا الباكستان التي لا تزال تسجل معدلات شلل أطفال عالية بسبب نظريات المؤامرة واعتبار اللقاحات مؤامرة غربية للتأثير على خصوبة الرجال المسلمين.

الموجة الحالية لمعاداة اللقاحات مكونة من مواقع الإنترنت والمدونات بالدرجة الأولى، مع كون معظم ادعاءاتها مستمدة من ورقة بحثية تدعي رابطاً بين اللقاحات والإصابة بالتوحد تم دحضها تماماً وحتى سحب شهادة مقدمها ومنعه من مزاولة الطب.

نظرياً، قد تبدو معاداة اللقاحات والحركات المناهضة لها أمراً جديداً جداً لكنها قديمة للغاية وظهرت بداياتها مع لقاح الجدري بدايات القرن التاسع عشر، حيث لاقى اللقاح معارضة كونه ”نجساً“ و”غير مسيحي“ لأنه آت من الأبقار (أول اللقاحات كان يأتي من بثور الجدري الذي يصيب الأبقار)، ولاحقاً انتقل الاعتراض لحركة سياسية بسبب فرض الحكومة البريطانية، وبعدها حكومات أخرى للتلقيح للأطفال للحد من انتشار الأوبئة.

حجج معاداة اللقاحات تغيرت عبر الزمن من أسباب دينية واجتماعية في البداية إلى معاداة ”المواد الكيميائية“ الموجودة ضمنها، ولا تزال هذه الحجج موجودة حتى اليوم بأشكالها المختلفة لكن الثابت عموماً عبر القرنين الماضيين هو أن اللقاحات لها معارضوها دائماً، سواء لأسباب دينية أو اجتماعية أو مجرد انتشار العلم الزائف والخرافات فقط، فطالما كان هناك لقاحات كان هناك جدل حولها وحول فائدتها أو الأضرار الممكنة لها، ومع أن الأمر يشتد ويقل بشكل متناوب، فهو لا يختفي بشكل كامل (حتى الآن على الأقل).

الجدل حول استضافة الأولمبياد والمناسبات الرياضية موجود منذ زمن

تدمير استاد أتلانتا الأولمبي

تدمير استاد أتلانتا الأولمبي عام 1997 بعد عام واحد فقط من بنائه لدورة الألعاب الأولمبية الصيفية عام 1996، حيث كان دون فائدة وتم تحويله لاحقاً لمصف للسيارات.

الأولمبياد الأخير في ريو دي جانيرو في البرازيل عام 2016 وقبله كأس العالم لعام 2014 هما أهم حدثين رياضيين على المستوى العالمي دون شك، لكن كونهما حدثين عالميين يشارك فيهما مئات الرياضيين ويتابع كلاً منهما عشرات الملايين حول العالم لا يعني أنهما يجريان بسلاسة حقاً، بل أن هذين الحدثين الرياضيين بالتحديد رافقهما جدل كبير جداً حول الصرف الحكومي المفرط لإقامتهما في الوقت الذي تعاني فيه البرازيل من أزمة اقتصادية خانقة وفضائح سياسية متعددة، في الواقع فالأمور كانت سيئة كفاية ليتظاهر المواطنون البرازيليون ضد الاستضافة وتقع وفيات بين المتظاهرين الذين كانت تفرقهم الشرطة بالقوة.

موقف البرازيليين من استضافة الحدثين الرياضيين لم يكن أمراً جديداً أو مستحدثاً، فالكثير من البطولات الرياضية العالمية لاقت اعتراضات كبرى على استضافتها من قبل المحللين الاقتصاديين من ناحية، ومن الناس الذين يتأثرون بالأمر كذلك، فهذه الأحداث الكبرى تتطلب الكثير من المنشآت الكبرى والبنى التحتية الجديدة لاستضافة المباريات والمنافسات من ناحية، واستقبال الرياضيين ومئات آلاف المشجعين ومحبي الرياضة من ناحية أخرى، ومع أن كل من الحدثين يتم تحت إشراف منظمات مسؤولة عن الرياضة و”غير ربحية“ فهذه التكاليف تتحملها الحكومات، بينما يأتي دور المنظمات بتحقيق أرباح كبيرة فقط تكفي لتوصف مؤسسة مثل الفيفا FIFA (اتحاد كرة القدم العالمي) بأنها الأكثر فساداً في العالم مع قضايا فساد بالجملة وأرصدة بنكية بمئات ملايين الدولارات.

مشكلة الصرف الضخم جداً في الألعاب الأولمبية وكأس العالم ليست جديدة حقاً، فأول ألعاب أولمبية أقيمت تخطت ميزانيتها الأصلية بستة أضعاف لتكلف عام 1896 ما يعادل 10 ملايين دولار بمال اليوم (بعد حساب التضخم)، لكن المبلغ لا يقارن بالتكاليف الحديثة المخيفة مثل أولمبياد بكين عام 2008 والذي كلف أكثر من 40 مليار دولار، والألعاب الأولمبية الشتوية 2014 في سوشي في روسيا التي كلفت حوالي 50 مليار دولار (علماً أن الألعاب الشتوية أقل متابعة وأهمية من نظيرتها الصيفية).

تغيرت الأمور عام 1936 ويمكن لوم النازيين عليها، ففي عام 1936 استضافت برلين الألعاب الأولمبية التي كانت لا تزال حدثاً رياضياً بسيطاً نسبياً، لكن النازيين وجدوا فيها فرصة للترويج لألمانيا ككل وللحكم النازي بجعلها ليست كأي أولمبياد سابق، وهذا ما حصل حقاً حيث أنها كلفت ما يكافئ 1.7 مليار دولار (بأموال اليوم) وتضمنت منشآت عملاقة مثل ملعب بمئة ألف مقعد (لا يزال يعد كبيراً حتى بمعايير اليوم).

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية واستئناف الألعاب الأولمبية وكأس العالم مجدداً، كانت العاب برلين الأولمبية قد أصبحت المقياس، وتحولت هاتان البطولتان لمنافسة بين البلدان تتناول القدرة على تنظيم بطولة أكبر مع احتفاليات أعظم تمحي ذكر سابقتها.

النتيجة لم تكن إيجابية في النهاية، وفي بعض الحالات مثل ألعاب مدينة Montreal الأولمبية عام 1976 لم يتم تسديد عجز ميزانية المدينة الناتج عن الاستضافة حتى بضعة أعوام مضت أي بعد 3 عقود، ووصلت ريو دي جانيرو لمرحلة من اليأس بحيث تحاول تصفية منشآت الأولمبياد لتسديد ديونها.

في حال لم تكن مقتنعاً بعد بمشكلة فرط الميزانية لهذه البطولات يمكنك أن تبحث عن مصير ملاعب مونديال جنوب أفريقيا عام 2010 أو ملاعب أولمبياد 2016 ومونديال 2014 في البرازيل.

مصدر 1مصدر 2مصدر 3

الخلاف حول حق حمل السلاح موجود منذ عهد الإغريق على الأقل

عندما يكون النقاش يدور منذ آلاف السنين حول الموضوع نفسه، من الصعب تخيل أن النقاش ”الفيسبوكي“ التالي سيبت به حقاً.

ربما الخلاف الأساسي حول وجود الأسلحة بين أيدي العامة وحملها في الشوارع والمدن هو قضية أمريكية بالدرجة الأولى حالياً، لكن النقاش حولها عالمي تماماً، والمواقف المتباينة بين مؤيدي وجود الأسلحة بين المدنيين ومعارضيها منتشرة في كل مكان سواء في أماكن تسمح بحمل السلاح أو لا، فالمعارضون لحمل السلاح يستشهدون بحال الغالبية العظمى التي يوجد فيها انتشار كبير للأسلحة وخصوصاً بلدان أمريكا الوسطى والجنوبية حيث معدلات جرائم القتل مرتفعة جداً، وبالمقابل يستشهد مؤيدو السلاح ببلدان مثل أيسلندا وسويسرا حيث توجد كميات سلاح كبيرة بأيدي المدنيين لكن الأمور مستقرة إلى حد بعيد ومعدلات الجرائم المنخفضة، كما يتغنون بالمقولة الشهيرة: ”الأسلحة لا تقتل الناس، الناس يقتلون الناس الآخرين“.

قد يبدو الخلاف الكبير والمحتدم كأمر موجود بشكل حصري لهذا الوقت من الزمن، لكن بالعودة تاريخياً فالصراع حول حق حمل السلاح من عدمه موجود في كافة المراحل الزمنية، وواحدة من أقدم السجلات حوله تأتي من اليونان القديم حيث أن الفيلسوف اليوناني أرسطو مثلاً كان من معادي حمل السلاح في الشوارع، وفي الواقع فمعظم مدن اليونان القديمة كانت تحظر الأمر في الشوارع والأماكن العامة حيث لا يسمح بحمل السيوف والخناجر وغيرها كونها قد تقود لأعمال عنف مثلاً، حيث نجد كتابات للفيلسوف الأثيني ثوسيديديس تقول بأن على الأثينيين أن يتركوا القانون يحكم وحيداً، فعنمدا يحكم السلاح فهو يقتل القانون.

لم يكن الأمر في العصر الروماني مختلفاً حقاً، ومع أن المشرعين الرومان قدموا فكرة الدفاع عن النفس بكون قتل الشخص الذي يهاجم منزلك أو يدخل أملاكك أمراً مبرراً، فحمل الأسلحة كان محظوراً تماماً، وحتى اغتيال يوليوس قيصر الذي خلد في التاريخ قد تم خارج المدينة لهذا السبب بالتحديد.

لاحقاً تعرض الأمر لتعقيدات عديدة مع ظهور الأسلحة الأخرى وخصوصاً الأسلحة النارية، حيث أصبحت الأسلحة قانونية لكن فقط لعلية المجتمع في فرنسا وبريطانيا، وفي الولايات المتحدة نصت التعديلات الدستورية على حق حمل السلاح مع كون الفكرة من الأمر هي قدرة المدنيين على الوقوف بوجه الحكومة في حال حاولت الطغيان على حقوقهم.

بالطبع فالمعطيات اليوم مختلفة بشكل كبير عن السابق، وأسباب طرفي النزاع تغيرت بشكل كبير كذلك، لكن بالمحصلة فالجدال نفسه والطرفان نفسهما ضمن هذا النقاش الذي بدأ قبل الميلاد بقرون عدة ولم ينتهي حتى الآن.

مصدر 1مصدر 2

في الولايات المتحدة، المسلمون ليسوا أول فئة توجه لها أصابع الاتهام بكل شيء

كاريكاتير عنصري ضد الإيطاليين الأمريكيين

كاريكاتير من بداية القرن العشرن يصور المهاجرين الأوروبيين وبالأخص الإيطاليين كجرذان تحاول التسلل إلى الولايات المتحدة وعلى ”العم سام“ إيقافها.

واحدة من الأمور المعروفة حالياً هي العلاقة المتوترة بين المسلمين والعالم الغربي عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، فمع أن العلاقة لم تكن جيدة حقاً قبل الأمر، فهجمات 11 سبتمبر الإرهابية على نيويورك وواشنطن حولت المسلمين والعرب كذلك إلى فئة مكروهة من أطياف واسعة من الأمريكيين، وتسببت بجعلهم منبوذين في بعض الحالات وأحياناً حتى بشكل قانوني لا فردي كما هو الحال بشأن حظر دخول الولايات المتحدة (الذي يستمر ترامب بمحاولة تنفيذه بينما ترفضه المحاكم).

لكن هذه العلاقة المتوترة ليست فريدة من نوعها وهي أبعد ما يكون عن أن تعتبر الأولى في التاريخ الأمريكي، فطوال أكثر من قرن هناك دائماً فئات مكروهة عرضة لهجمات عنصرية من أفراد وحتى تمييز ضدها من قبل المؤسسات الرسمية.

مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت الولايات المتحدة مقصداً للكثير من المهاجرين وبالأخص المهاجرين الإيطاليين، بطبيعة الحال فالكره تجاه الغرباء ليس أمراً جديداً؛ والإيطاليون كانوا عرضة كما كثير من الفئات الصغيرة لمجموعة من التصورات المسبقة والاتهامات التي تتراوح من التآمر والتحكم بالبلاد بأكملها، وصولاً إلى كونهم إرهابيين ومسؤولين عن التفجيرات، عدا عن الخلاف الديني بين الغالبية البروتستانتية في الولايات المتحدة وكون الإيطاليين يتبعون الكنيسة الكاثوليكية، فتلك الفترة حملت معها أيضاً تمييزاً ضد جنسيات أخرى مثل الإيرلنديين المهاجرين قبلها والأوروبيين الآخرين الذين تمت مداهمة العديد من منازلهم وحتى ترحيل الكثيرين عودة إلى أوروبا.

مع نهاية العشرينيات تناقص التمييز ضد الإيطاليين بشكل كبير فعلياً، ووصولاً لليوم فقد بات الأمر يعد تافهاً حتى، لكن ذلك لم يعني نهاية التمييز عموماً، فبعد الإيطاليين كان الأناركيون ومن ثم اليابانيون (الذين جمعوا في معسكرات اعتقال شبيهة بالمعسكرات النازية أثناء الحرب العالمية الثانية) وبالطبع فالشيوعيون والاشتراكيون نالوا نصيباً وافراً، ليتبعهم المكسيكيون وذوي العرق ”الهسباني“ عموماً وبعدهم المسلمون حالياً.

في الواقع وعبر القرن الماضي على الأقل لم تمر فترة دون أن يكون هناك فئة تلام على كل شيء في الولايات المتحدة، ومستقبلاً من غير المستغرب ظهور فئات جديدة تلام على كل شيء كون توجيه الاتهامات أسهل بكثير من البحث عن الحلول.

مصدر 1مصدر 2

عدد القراءات: 5٬491