رياضة

هل منظمة الفيفا FIFA فاسدة؟

منظمة الفيفا FIFA

ما هي الرياضة الأكثر شعبية في العالم؟ الجواب هنا بسيط ومعروف من قبل الجميع ربما: ”كرة القدم“.

هذه الرياضة هي الأكثر انتشاراً وممارسة ومتابعة في العالم بأكمله، ومع أن هناك العديد من الرياضات الأخرى المنتشرة؛ فأي منها تصل إلى الانتشار الكبير والعالمي لكرة القدم، وربما يظهر ذلك من كون الاتحاد العالمي لكرة القدم (الفيفا) FIFA يضم داخله بلداناً أكثر من الأمم المتحدة نفسها، ومن كون كأس العالم الأخير عام 2014 تابعه أكثر من 3 مليارات شخص حول العالم على الرغم من كونه ينقل على قنوات مدفوعة غالباً.

طوال سنوات عديدة كانت لعبة كرة القدم غير منظمة أبداً، خصوصاً في بداياتها في إنجلترا وحتى بعد بداية اتحاد كرة القدم الإنجليزي، لذا، فإنشاء منظمة عالمية توحد اللعبة المحبوبة كان أمراً لا بد منه لاستمراريتها وعدم تفرق البلدان في طريقة اللعب.

من هذه الفكرة ولدت منظمة FIFA كمبادرة صغيرة في البداية، ومع الوقت تحولت إلى منظمة عالمية ذات قوة وتأثير كبيرين حتى باتت تشترط على الدول والبلدان ما تشاء، وتسن قوانيناً خاص بها في بعض الحالات.

لم يأتِ تمدد الاتحاد العالمي لكرة القدم دون أعراضه الجانبية بالطبع، فمع الوقت انتقلت المنظمة غير الربحي إلى طريقة إدارة شبيهة بالحكومات البيروقراطية، فالأمور باتت تجري بشكل بطيء جداً من حيث تطوير اللعبة وتحسينها، والرشاوى والفساد باتا الميزتين الأساسيتين للمنظمة في السنوات الأخيرة التي أصبحت تشبه الشركات حتى.

على الرغم من أن الكثيرين لا يهتمون كثيراً بأداء المنظمة، ففسادها بات أمراً واضحاً جداً، وهنا بعض الأمثلة التي تثبت ذلك دون أي مجال للشك.

كأس العالم عام 2022 في قطر

شعار كأس العالم في قطر

يمثل كأس العالم المقرر في قطر عام 2022 كل ما هو خاطئ في FIFA، بداية من الرشاوى والفساد المستشري في المنظمة، وحتى لا مبالاتها تجاه الظروف غير الإنسانية للعاملين على إنشاء الملاعب الجديدة.

مع السنوات نما كأس العالم بشكل كبير، وتحول من بطولة صغيرة نسبياً في بدايته عام 1930، إلى أهم بطولة رياضية (باستثناء الألعاب الأولمبية) في العالم، هذا النمو أتى مع ازدياد أعداد المتابعين وهواة اللعبة وتحول البطولة التدريجي إلى مقصد سياحي لمئات الآلاف من المشجعين الذين يريدون الوقوف مع منتخباتهم الوطنية أو الاستمتاع بالبطولة، ولهذا السبب فقد باتت البنى التحتية أمراً أساسياً في تنظيم البطولة وهذا ما جعل قرار الـFIFA لإهداء شرف استضافة البطولة لقطر في عام 2010 واحداً من أكبر الأحداث المثيرة للجدل.

المشكلة الأولى تأتي من الحجم الصغير جداً لقطر، فعلى الرغم من الثراء الكبير للبلاد فعدد السكان محدود بحوالي 2.5 مليون شخص فقط، ولا يوجد سوى 3 ملاعب بسعة تتجاوز 20,000 متفرج، البنية التحتية بشكل عام للبلاد معدومة تماماً من حيث عدم وجود ملاعب وفنادق وأنظمة مواصلات كافية للاستضافة من ناحية، وحتى في حال تم بناء وإعداد كل هذه المنشآت خلال نافذة 12 عاماً المتاحة فالملاعب الجديدة ستكون مهدرة تماماً لعدم وجود فرق ومشجعين كافين لشغلها بعد نهاية البطولة.

حتى بتجاهل المشكلة الواضحة في غياب البنى التحتية، فالمشكلة الأساسية تأتي من كون البطولة ستجري في الصيف الحار جداً في بلدان الخليج، وعلى الرغم من أن هذه الحرارة ربما تكون معتادة للسكان المحليين فالأمر مختلف تماما للمشجعين والمنتخبات القادمة للمشاركة، فمع حرارة تصل حتى 50 درجة مئوية في الصيف لن يكون اللعب آمناً حقاً حتى في حال كانت الملاعب مسقوفة ومكيفة (وهو أمر مشكك به بقوة من الخبراء)، وبإضافة الظروف السيئة جداً للعمال الذين يبنون الملاعب الجديدة فالأمر يبدو ككارثة تحدث أمام الجميع.

عندما منحت قطر استضافة كأس العالم فوجئ الجميع بالأمر بالطبع، والتساؤل الأساسي كان عن كيفية تجاهل الدول الأخرى التي قدمت طلبات استضافة، فالقائمة تضمنت كلاً من كوريا الجنوبية واليابان (التان استضافتا معاً كأس العالم في عام 2002) بالإضافة لأستراليا والولايات المتحدة، جميع هذه البلدان كانت تمتلك بنى تحتية أفضل بكثير من قطر ودون الحاجة لإنشاء ملاعب جديدة كونها موجودة أصلاً.

كان القرار نتيجة رشاوى كبيرة مقدمة للمنظمة وفق مراقبين، وحتى الآن لا يزال احتمال إلغاء استضافة قطر وإعطاء الاستضافة للولايات المتحدة خياراً ممكناً.

البيع القسري للكحول – كأس العالم في البرازيل عام 2014

مشجع إنجليزي يحمل بيرة

المستوى السيء الذي يجب أن تغرق به منظمة لتطالب بإعادة الكحول إلى الملاعب على الرغم من أضرارها يبدو أقرب لمنظمات الأشرار في أفلام الأبطال الخارقين.

استضافة البرازيل لبطولة كأس العالم الأخيرة كانت كارثية بالمعنى الكامل للكلمة، فالبلاد كانت تعاني من انهيار اقتصادي حاد أثر على الفقراء بالدرجة الأولى، والرفض الشعبي كان واضحاً تماماً من المظاهرات وأعمال الشغب التي تعترض على إنشاء ملاعب جديدة وصرف المال العام لتمويل الحدث الرياضي، لكن عدا عن كل هذه الأمور السيئة (والتي سنتناولها بشكل أفضل في فقرة تالية) فالتجسيد الحقيقي لفساد الـFIFA وكونها سيئة كان ضغطها للسماح بالكحوليات في الملاعب.

عام 2003 حظرت البرازيل بيع واستهلاك المشروبات الكحولية ضمن ملاعب كرة القدم بشكل كامل، وببساطة فقد كان القرار نابعاً من حاجة ماسة أتت بعد الحوادث التي تضمنت العنف والشغب والوفيات الناتجة عن الإفراط في شرب الكحول، أو الشجار والشغب الذي يزداد شدة واحتمالية بوجود مشروبات كحولية.

أتى القرار البرازيلي بنتائج إيجابية بالطبع، فالشغب والوفيات في الملاعب انخفضت إلى حد أدنى، لكن الأمور لم يكن من المقدر أن تستمر لسبب بسيط: أحد رعاة الـFIFA كان شركة Budweiser المنتجة للبيرة.

كون شركة Budweiser تنتج البيرة فهدفها الأساسي هو تسويق منتجاتها لدى المشجعين في البطولة، وهنا اصطدمت رغبات الشركة الراعية مع مصلحة البرازيل، وكما هو متوقع فقد وقفت الـFIFA ضد مصلحة اللعبة نفسها وأرغمت البرازيل على السماح بشرب البيرة في المدرجات أثناء كأس العالم بابتزازها بسحب استضافتها لكأس العالم ومنحها لبلد آخر (ولو أن هذا الأمر كان ليكون الخيار المفضل لدى معظم البرازيليين).

محاكم الـFIFA – كأس العالم في جنوب أفريقيا عام 2010

فوفوزيلا

بالإضافة لكونه واحداً من أكثر كؤوس العالم المملة، كان كأس العالم عام 2010 كارثياً من ناحية النقل ومن ناحية المحاكم المتعسفة.

عندما أقيم كأس العالم عام 2010 كان الأمر حدثاً مهماً جداً كونه المرة الأولى حيث يتم استضافة البطولة في القارة الأفريقية السمراء، وعل الرغم من أن البطولة كانت مخيبة من ناحية التنظيم وحتى البث (خصوصاً مع أصوات الفوفوزيللا المزعجة جداً) فالأمر الأسوأ في البطولة حصل بعيداً عن أعين عشاق اللعبة على شكل 56 محكمة ”خاصة“ أنشأت خصيصاً للبطولة بسبب المستوى العالي للجريمة في أغنى بلدان القارة الأفريقية.

أنشأت المحاكم الجديدة تحت رعاية وتشجيع من قبل الـFIFA، ومنذ بدايتها فقد كانت المشاكل واضحة فيها من حيث تنظيمها السيء جداً وطريقة أحكامها التعسفية التي ظهرت أولى علاماتها عند محاكمة رجلين من زمبابوي قاما بسرقة صحفي تحت تهديد السلاح، أتى الحكم سريعاً بعد يومين فقط من لحادثة مع سجن لمدة 15 سنة لكل من السارقين.

من تلك المحاكمة اتجهت الأمور للأسوأ بسرعة، فرجل آخر حكم بالسجن لخمسة سنوات بعد نشله لهاتف محمول، فيما سجنت امرأتان بسبب ارتدائهما اللون البرتقالي كون هذا الأمر ”تسويق غير مشروع“ لشركة بيرة هولندية ليست من رعاة FIFA.

بالطبع فقد أنكرت المنظمة صلتها بهذه المحاكم وادعت عدم مسؤوليتها عن أي قرارات تعسفية تصدر منها، لكن كون استضافة كأس العالم كانت السبب في هذه المحاكمات الظالمة والسريعة فلا يمكن تبرئة FIFA من التهمة.

التهرب من دفع الضرائب والتكاليف الهائلة لتنظيم كأس العالم

مظاهرة ضد كأس العالم في البرازيل

عندما يتظاهر الشعب الأكثر حباً لكرة القدم ضد استضافة كأس العالم يكون من الواضح أن هناك شيئاً خاطئا بشدة في الطريقة التي تجري الأمور فيها.

عندما يتم تنظيم كأس العالم في أحد البلدان، على هذا البلد أن يقوم ببناء بنى تحتية جديدة بتكاليف كبيرة، وأن يؤمن العديد من الشروط اللازمة لتحقيق متطلبات الاستضافة، لكن الأرباح التي تأتي من الشركات الراعية وعقود البث التلفزيوني والنقل وغيرها لا تدفع للبلد المستضيف، بل تذهب مباشرة إلى خزائن الـFIFA، وبسبب تصنيفها كمنظمة غير ربحية فكل الأرباح التي تجنيها المنظمة لا تخضع لضرائب الدخل أو ضرائب الشركات أو سواها بل تبقى على حالها.

بالمقابل، يفترض أن تنظيم كأس العالم يجلب معه السياحة والاستثمارات والبنى التحتية للمستضيفين، لكن نظرة سريعة على كؤوس العالم الثلاثة الماضية ترسم صورة قاتمة جداً لتنظيم كأس العالم، فألمانيا التي استضافت كأس العالم عام 2006 دفعت حوالي 12 مليار دولار أمريكي مقابل البنى التحتية الجديدة والترويج والاحتفالات والحماية وغيرها، وبالمقابل لم تتمكن من استعادة المبلغ كاملاً حيث أنها حتى الآن لم تستعد سوى 5 مليارات دولارات أي أقل من نصف ما دفعته للتنظيم.

حالة ألمانيا كبلد ثري وذي مستوى معيشة مرتفع قادر على تحمل هذه الخسائر لا يمكن تعميمه على البلدان الباقية، فجنوب أفريقيا التي استضافت كأس العالم عام 2010 استثمرت حوالي 6 مليارات دولارات في البنى التحتية، لكنها استرجعت 513 مليون دولار فقط من الاستثمار الأصلي، وتحولت معظم ملاعبها الجديدة إلى أماكن مهجورة مهملة.

الأمر بالنسبة للبرازيل كان أشد وطأة حتى، فوسط الاحتجاجات الكبرى دفعت البرازيل 14 مليار دولار أثناء استضافتها لكأس العالم الأخير عام 2014، ولم تسترجع نصف المبلغ حتى مع تحول ملاعب كأس العالم إلى خرابات، ومحاولة الحكومة تسديد ديونها بإعادة بيع المعدات التي أجبرت على شرائها.

بالمقابل، تمكنت الـFIFA من جني 4 مليارات دولار من مونديال البرازيل الأخير وحده دون أن تشارك في الفع للبنى التحتية اللازمة، وأخذت أرباحها المعفاة من الضرائب لتكمل مسيرتها في مونديال العام الجاري 2018 والذي سيقام في روسيا.

الفساد الإداري المستشري

محمد بن همام

أثار تزامن الكشف عن قضايا فساد بن همام مع رفضه لدعم بلاتر في الانتخابات العديد من التساؤلات حول تسامح المنظمة مع الفساد.

عبر السنوات الأخيرة بدأت العديد من خفايا الـFIFA بالظهور بشكل علني، فعدة تحقيقات من المجلس الأخلاقي التابع للمنظمة نفسها للسلطات السويسرية (حيث مقر الـFIFA) وحتى مكتب المباحث الفدرالي الأمريكي (FBI) كشفت الكثير من الرائحة العفنة مع رفع الغطاء عن العمل ضمن المنظمة العالمية التي تدير اللعبة الأكثر شعبية.

طالت الفضائح العشرات، واعترف أكثر من 20 شخصاً بالرشاوى والفساد ضمن المنظمة العالمية، لكن بعضاً من هذه القضايا مثيرة للاهتمام أكثر من غيرها في الواقع.

واحدة من القصص المثيرة للاهتمام تتناول الملياردير القطري محمد بن همام والذي كان رئيس اتحاد كرة القدم الآسيوي لتسعة سنوات، كما كان ضمن المجلس الإداري للـFIFA لحوالي 15 عاماً، خلال هذا الوقت الطويل كان بن همام أحد أكبر داعمي رئيس الفيفا السابق سيب بلاتر، كما أنه متهم بكونه خلف قضية استضافة قطر لمونديال عام 2022 ورائحة الفساد التي تفوح حولها.

الأمر المثير للاهتمام كان تخلي بن همام عن دعم بلاتر في انتخابات عام 2011، وكانت النتيجة فوز بلاتر مجدداً، لكن ملف بن همام تم فتحه وبعد إدانته بقضايا رشاوى للتلاعب بالتصويت وحظر من العمل الرياضي مدى الحياة.

جاك وورنر

عام 2014 بث Warner تصريحاً عبر قنوات تلفزيونية في بلاده، مما بدأ حملة ساخرة قام بها الكوميدي الشهير John Oliver ضده.

قضية أخرى هي حالة Jack Warner الذي يحمل جنسية ترينيداد وتوباغو (بلد صغير في أمريكا اللاتينية قرب ساحل فنزويلا) وعمل لعقود عدة في مناصب رياضية مهمة كان آخرها كنائب رئيس الـFIFA قبل أن يستقيل عام 2011 بعد تحقيقات ضمن FIFA نفسها.

انتهت تحقيقات الـFIFA دون إجراءات تأديبية، لكن تحقيقات أخرى لاحقت Warner وتاريخه في بيع تذاكر كأس الألم في السوق السوداء وطلب المال مقابل صوته في قرارات استضافة كأس العالم، وحتى اختلاسه لأموال تبرعات كانت قد أرسلت لضحايا هاييتي عام 2010.

لاحقاً عام 2014 بدأ تحقيق مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (المثير للسخرية أن أقل بلد يهتم لكرة القدم هو من قاد لفضائح المنظمة التي تدير اللعبة) مع مسؤولي المنظمة، وبالنتيجة تم إدانة بضعة عشرات من المسؤولين في المنظمة ومنهم Warner الذي لا يزال يحاول محاربة قرار إرساله كسجين إلى الولايات المتحدة، كما أن تحقيقات أحدث قادت إلى إدانة كل من Sepp Blatter (رئيس المنظمة) وMichael Platini رئيس اتحاد كرة القدم الأوروبي (UEFA) حيث عزل كل منهما وحظرا من العمل الرياضي لثمانية سنوات.

سيب بلاتر

لمدة 17 سنة قاد بلاتر المنظمة إلى مستنقع من الفساد عبر الكثير من الرشاوى والتصرفات المشبوهة والتصريحات المثيرة للجدل.

حالياً وحتى لحظة كتابة هذا المقال لا يزال كل من بلاتر وبلاتيني أحراراً على الرغم من إدانتهما بقضايا فساد عدة، وعلى الرغم من كونهما قد أوقفا عن العمل كما العديد من الإداريين الآخرين في المنظمة، فهناك فرصة بنجاتهما من أي عقاب وعودتهما للعمل حتى في حال نجحا في طلبات الاستئناف للقضايا ضدهما.

هذا الأمر ربما يرسم وجهاً قاتماً لمستقبل كرة القدم العالمية، خصوصاً مع كون صور المتظاهرين ضد كأس العالم في البرازيل لا تزال في الذاكرة، لكن في حال كان الأمر سيخضع لتغيير حقيقي فهذا التغيير سيأتي بسبب الولايات المتحدة، حيث كرة القدم ليست ضمن أكثر الرياضات شعبية حتى.