اجتماعيات

الاسلام السياسي كأزمة – مشكلة التحديث عبر البوابات الخلفية للتاريخ

الاسلام السياسي

وضعت الثورات العربية شعوبها أمام استحقاق المشروع الديمقراطي ودولة المواطنة، إلا أنه سرعان ما استيقظت أحلام الإسلاميين كتيار سياسي يصارع على السلطة بطبيعة العمل السياسي، معتمدا في ذلك على قاعدة شعبية فطرية، التدين. إضافة إلى تاريخ نضالي طويل، وجزء من الحالة السياسية التي دارت رحاها عبر نصف قرن من الزمن.

إلا أن التصور الاسلامي اصطدم بقيم الحداثة، التي حالت دونها (المرجعية الاسلامية)، هو المصطلح الذي يطلقه الاسلاميون قبالة القيم المعاصرة. فالديمقراطية والمواطنة وحقوق الانسان تخضع لإعادة تدوير في الماكنة الايديولوجية، فلا تقبل الاستحقاقات الثورية إلا على خلفية المرجعيات الاسلامية.

وفيما لو راجعنا المشترك الذي يجمع القيم سالفة الذكر من الناحية الفكرية سنجد أن (الآخر) حاضر وبقوة فيها. بمعنى أوضح، فإن الديمقراطية ليست سوى التداول السلمي للسلطة بينك وبين الآخر، والمواطنة هي المساواة المقنونة مع الآخر، كمان أنه من البدهي أن تكون قيم حقوق الانسان تعنى بذاك الانسان الذي قد يبدو مختلفا مثليا كان أو لاجئا وهلم جرا…

فما هو الآخر بناء على المرجعية الاسلامية؟

لم يدم الغزل بين الاسلاميين والمدنية طويلا حتى بدت ملامح الصدمة، فالآخر العدو بات على ملمح البصر السياسي، على خلفية المواطنة وهذا ما رفضه الاسلام السياسي بشكل قاطع. فالذهنية الاسلامية قسمت المجتمع حسب انتماءات طائفية بشكل أساسي. فاجتاح الرهاب (السني) عقل المالكي المرشح عن حزب الدعوة الاسلامية في العراق. بينما تقوقع الاخوان المسلمون في سورية داخل القوقعة (السنية) واستبدل المشروع بالديمقراطي إلى مواجهة المد (الشيعي) ولم يجد حزب الله محيدا عن التدخل العسكري لمواجهة (السنية) السياسية.

وبالتالي أخرج الصراع عن حقله السياسي المعني بتداول السلطة بين أحزاب ذات برامج إلى صراع بين طوائف اسلامية تسعى كل منها إلى فرض السيطرة.

بيد أن البنية الأيديولوجية الدينية بطبيعتها دوغمائية لا تقبل الجدل المنعكس على البناء الداخلي للتشكيل المجتمعي الديني الذي يتزعمه (رجل الدين)، العارف بتفاصيل التعاليم والقادر على تقييم أي حراك فكري أو اجتماعي دينيا. وبالتالي كان البناء الداخلي دكتاتوريا بالضرورة.

ومن ثم فإن مجرد الانتماء الديني يحيل المجتمع على الخريطة التاريخية إلى الفترات الماقبل رأسمالية، حين كانت المصالح الأيدولوجية للمجتمع دينية كانت أو قبلة هي الحاكم الأعلى، فلن تجد أدنى فرق بين الطبيعة العشائرية والتنظيم السياسي الديني، حيث تدار العملية التنظيمية والتماسك الوشائجي وتمجيد السيد.

ومن ناحية أخرى وجد الاسلاميون أنفسهم خارج الخارطة الحداثية. مما سيضطرهم لدخول العالم الحديث ولكن من البوابات الخلفية، لما تفرضه عليهم البناءات الأيديولوجية، فقد ساد في الخطاب الاخواني أن (اليهود) متحكمين بمصائر العالم على خلفية اسطورية، وبالتالي كان سلوك الاخوان مسكون بالأسطورة (الاسرائيلية) فلم يوفروا جهدا في التودد لـ(اسرائيل)، فقد شهدت السنوات الاخيرة شذوذا سلوكيا كحضور السيد طيفور ممثلا عن الاخوان في مؤتمر نظمه الصهيوني ”برنار هنري ليفي“، والرسالة الغزلية الموجهه إلى ”بيريز“ التي فجرها مرسي إبان حكمه القصير، وحضور ممثل عن (الجيش الحر) الذراع العسكري للإخوان المسلمين في مؤتمر عقد في (دولة اسرائيل) ويمكن سوق أمثلة عدة من هذا الشذوذ السلوكي.

وبما أن القاعدة الشعبية الاسلامية العربية واسعة من حيث التأييد ومؤثرة بشكل كبير في صناعة القرار السياسي، حتى لدى أعدائهم السياسيين، الأمر الذي دفع الانظمة العربية إلى النفاق المكشوف للإسلام الشعبي على مر القرن الماضي، حتى اختراع تهمة (الارهاب) إلى حدما. وعليه شكل الاسلام السياسي سواء في السلطة أو في المعارضة ثلثا معطلا عن الاجراءات الحداثية ومانعا ميكانيكا عن الولوج في عجلة التاريخ.

هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر موقع دخلك بتعرف.

عدد القراءات: 919