اجتماعيات

كيف تنشأ علاقة حميميّة بين الأشخاص وما التحديات التي تواجهها؟

علاقة حميميّة

يمكننا أن نفهم الحميمية العاطفية كحالة تقاربٍ بين شخصين ناتجة عن عملية تواصل يشعران من خلالها بقدرتهما على مشاركة جوانب شخصية حسّاسة ومهمة، والتي عادةً ما يبقونها مخفيّةً عن الآخرين، وفي بعض الحالات عن أنفسهم حتى.

وتبدأ هذه العلاقة عادةً بأن يقوم أحدهم بأخذ المخاطرة والإفصاح عن فكرة عاطفية شخصيّة، أو عن مشاعر معينة، أو تفصيلٍ خاص يجعله مكشوفاً أمام الشخص الآخر، وذلك على أمل تلقّي ردٍّ داعمٍ، والذي في حال حصوله سيشجّع المزيد من الإفصاح الذاتي لكلا الطرفين.

وكما نرى؛ تعتمد هذه العملية على الثقة بشكلٍ كبير، والتي في حال غياب عامل جذبٍ قوي -كانجذابٍ جسدي متبادل- قد تستغرق أعواماً لتُبنَى.

وليس بالضرورة أن يكون الاتصال الحميمي لفظياً، إذ يمكنه أخذ أشكال أخرى من التعبير العاطفي كالنظرات ذات المعنى، والاتصال البصري المُطوّل، والتقارب الجسدي، واللمس …وإلخ.

ويمكن للحميمية العاطفية أن تقود إلى حميميةٍ جسدية، وأيضاً -في حالات أقل شيوعاً- يمكن للحميمية الجسدية أن تقود إلى تلك العاطفية. لذلك، غالباً ما يُخلط بين الأمرين.

تتضمن الحميمية كلاً من الأخذ والعطاء، كما أنه لا يمكن فرضها على الآخرين أو انتزاعها منهم، فيجب أن تأتي بشكلٍ طبيعي وتدريجي، لأنه قد نستغرق وقتاً طويلاً لنرى شخصاً ما كما هو عليه فعلاً بدلاً من الصورة النمطية التي نأخذها عنه.

ففي عالم المواعدة اليوم، الذي يدور بالشكل الأكبر حول المتعة الفورية، ويعتمد على ملء صورةٍ نمطية معينة، نشعر بأننا لسنا إلا قطعاً من اللحم تُباع في السوق.

– أنواع الحميمية:

تاريخياً، عاش البشر في عائلاتٍ كبيرة في مجتمعاتٍ ضيقة مما أمّن لهم العديد من أنواع الحميمية. ولكن الآن، يعتمد العديد من الناس على شخصٍ واحدٍ فقط -غالباً شريكهم العاطفي- ليلبّي لهم جميع حاجاتهم من الحميمية، ممّا يعزز الاعتقاد بأنّه لا يمكن للشخص أن يحصل على حميمية عاطفية من دون نظيرتها الجسدية، أو أنهما شيءٌ واحد.

لكن في الحقيقة هناك طيفٌ تتواجد عليه درجاتٌ مختلفة من الحميمية، وبأشكالٍ وأنواعٍ مختلفة؛ إذ يمكننا أن نصل إلى درجةٍ معينة من الحميمية في جميع علاقاتنا، حتى العابرة منها أو أكثرها رسميةً، وقد يظهر لنا أنّ أكثر علاقاتنا حميميةً ليست مع زوجنا أو شريكنا الجنسي.

علاقة حميميّة

وبالمقارنة مع الرجال، فالنساء أفضل بكثير في خلق الحميمية، فغالباً ما تكون أكثر علاقات المرأة حميميةً هي مع امرأة صديقة. وبشكلٍ عام، يقوم الرجال بحفظ خصوصيتهم أكثر من النساء، فهم أكثر ممانعة لعملية الإفصاح الذاتي لأحدهم، وخاصةً للرجال الآخرين. ولكن هذه ليست الحالة العامة لكل الرجال، فللأمر علاقة بالثقافة أكثر من كونه متعلقاً بالاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة.

ففي كثيرٍ من المجتمعات، يتم تعليم الرجل أن يربط قيامه بتقييم مشاعره والإفصاح عنها بالأنوثة أو المثلية، وأن يقدّر ”السمات الرجولية“ كالعناد والعدائية وعدم الاهتمام، مما يتعارض مع القدرة على الإفصاح الذاتي. وبالنتيجة، يفضّل الرجال أن يعبروا عن أنفسهم بشكلٍ متقطع وغير مباشر، عادةً تحت غطاء نشاط آخر يقومون به كالشرب مع صديق أو ممارسة الرياضة.

وهذه خسارة كبيرة للجنس الذكري، لأن الحميمية تعطينا الفرصة بأن نعبّر عن أنفسنا ونكون مؤكّدين منها. كما أن الانخراط بوجهة نظر شخص آخر وبتجربته ومهاراته وموارده يوسّع من أفقنا ويزيد من إمكانياتنا، حيث نشعر بقوةٍ وأمانٍ أكثر بفضل دعمهم غير المشروط.

ولن نتفاجأ إذا عرفنا أن الأشخاص الذين يملكون علاقة حميمية واحدة أو أكثر يميلون لأن يكونوا أكثر صحةً وسعادة، كما أنّ الحميمية عامل مهم في الاكتفاء بالشريك ضمن العلاقات طويلة الأمد.

– الحميمية والحبّ:

في علاقات الحب، تكمل الحياة مسيرتها بشكل لا يمكن تجنّبه، حيث تلقي الأولويات والارتباطات الحياتية عبأها على العلاقة. وبعد أن قدمنا الكثير من أنفسنا إلى الشخص الآخر، نصبح حسّاسين بشكل مؤلم لأي إشارة ازدراء أو قلة اهتمام من قبلهم، والتي نترجمها بفقدانهم الرضا عنّا، فتكون ردة فعلنا الطبيعية أن نتراجع ونسحب الجسور التي استغرق بناؤها وقتاً طويلاً.

ولاحقاً، يمكننا حتى أن نضيّق الحصار على ذلك التواصل، لذلك وكلوح صابون تنزلق علاقتنا من بين أيدينا. وفي حالات عديدة وعند كلا الطرفين، تتحول العاطفة إلى غضب، والثقة إلى غيظ وامتعاض، والصداقة إلى عداوة.

لكن ما ننساه هو أنّ للحميمية مدة حياةٍ خاصة بها لا يمكن فرضها أو الضغط عليها، وأنه أحياناً تكون الطريقة الأفضل لإنقاذ علاقةٍ ما هي أن نأخذ فيها خطوةً إلى الوراء وذلك قبل أن يفوت الأوان.

المصادر

عدد القراءات: 6٬699