اجتماعيات

كيف قضى داروين على الإله؟

تمثال داروين
صورة: CGPGrey.com
mm

يعد تشارلز داروين من أعظم علماء القرن التاسع عشر إن لم يكن من أعظم علماء الطبيعة على الإطلاق، فإنجازاته في ميدان نشأة الحياة وأصول الأنواع قلبت أسلوب البحث العلمي رأسًا على عقب، منذ أول ورقة علمية له إلى يومنا هذا.

ولعل أبرز ما يعرف به داروين هو أنه الأب الروحي لنظرية التطور عبر الانتخاب الطبيعي، فقد كان داروين أول من طرح نظرية علمية مجدية وقابلة للفحص بالدليل، على نشوء الأنواع، وتطور الحياة بشكل طبيعي بحت. ولطبيعة اكتشافاته العلمية المناقضة أشد التناقض للرواية الإبراهيمية التقليدية عن نشأة الحياة وأنواعها، ألا وهي الخلق المتعمد المستقل (أي التصميم) الإلهي، فإن داروين كثر ما يعال له فضل القضاء على الإله الإبراهيمي، على الأقل في صورته التقليدية. إلا أنني لست بصدد الحديث عن تعارض مبادئ نظرية التطور مع العقيدة الإبراهيمية، والتي لا تعدو مجرد تناقض سطحي مع رواية إلهية معينة، بل سأشرح هنا كيف تمكن داروين من الإطاحة بالإله، كمبدأ وجودي جوهري، من عرشه بشكل حاسم.

لا يعود فضل خلع الإله عن عرشه المتوهم لنظرية التطور بحد ذاتها، بل ”للمبدأ الدارويني“ الكامن في تلك النظرية، والذي يمكن أن يطبق لما هو أوسع وأشمل من نشوء الكائنات الحية. يعود جمال المبدا ”الدارويني“ ليس لبساطته فحسب، بل لأنه قادر على تفسير نشأة ما هو معقد، أعقد بكثير من أن ينشأ صدفة، من بداية بسيطة، فهو يجيب على السؤال القديم قدم الأزل ”كيف لهذا الكائن أو ذاك أن يوجد بكل ما فيه من تعقيد بقيد صدفة؟ لابد أن خالقًا قام بصنعه.“ فجاء المبدأ الدارويني ليرد قائلًا: ”صحيح، لا يمكن على الإطلاق أن ينشأ كائن بهذا التعقيد من صدفة، لكن الانتخاب الطبيعي قادر على تفسير نشأة هذا التعقيد خطوة بخطوة من بداية من البساطة بمكان بحيث يكون احتمال النشأة التلقائية لهذه البداية أمرًا لا صعوبة فيه.“

وبهذا فإن هذا المبدأ كفيل بالاستغناء عن الحاجة للاستعانة بمصمم إلهي (أو طبيعي) لتفسير نشوء الكائنات الحية، فاستدعاء هذا المصمم ليحل لغز وجود ما هو معقد يستدعي لغزًا أكبر: لابد لأي كائن (كإله) قادر على تصميم كائنات بهذا التعقيد أن يكون على الأقل بنفس تعقيد هذه الكائنات إن لم يكن أكثر تعقيدًا، فمن صمم المصمم؟

يحل المبدأ ”الدارويني“ هذا الإشكال بحيث أنه لا يستدعي أي كائن أكثر تعقيدًا لتفسير ما هو معقد، بل يحل اللغز من خلال تفسير هذا التعقيد بخطوات تدريجية من بداية بسيطة لا تستدعي تدخل مصمم، فالمبدأ ”الدارويني“ يعمل كرافعة (بحسب تعبير البيولوجي ريتشارد دوكنز) تبني صرح التعقيد من الأسفل للأعلى بشكل متدرج، على عكس مبدأ الإله الذي يعمل كصنارة سماوية مثبتة بالأعلى: فكيف وصلت الصنارة هذه للأعلى من الأسفل؟

وهنا، يعود الفضل للمبدأ ”الدارويني“ في رفع الوعي المنطقي للقارئ، بأن التفسير العلمي المنطقي الحقيقي هو ذلك التفسير الذي يفسر التعقيد دون أن يحول لما هو أعقد منه، بحيث يطرح أسئلة أكبر من تلك التي يهم بإجابتها، فالتفسير الحقيقي يفسر التعقيد بالإحالة للبساطة، كالرافعة التي تصل من الأرض للسماء دون الحاجة لصنارة مثبتة بشكل غامض في السماء لا أحد يعرف كيف وصلت إلى هناك!

لوحة زيتية رافعة

لوحة: Grace Pillers

الآن، بتطبيق هذا المبدأ على الكون ككل، نجد أن أي تفسير يستدعي الإتيان بإله خارج الكون، لا يحل المعضلة بل يزيد من تفاقمها، فإن كان الكون على قدر من التعقيد بحيث لا يمكن أن يكون قد وجد صدفة (أو بلا واجد)، فإن خالق هذا الكون المزعوم لا بد أن يكون بالضرورة أكثر تعقيدًا من الكون، وبالتالي من أوجد الواجد؟

وهنا يأتي المبدأ ”الدارويني“ لينقذنا مرة أخرى من هذه المعضلة، فهو ينص، كما وضحت، على أن أي تفسير علمي يجب أن يفسر التعقيد من بدايات بسيطة وإلا فما هو بتفسير، وبالتالي فأيًا كانت حقيقة نشأة الكون فإن المبدأ ”الدارويني“ يؤكد أن هذه النشأة لها بداية بسيطة أبسط من الكون نفسه.

إن في إتباع هذا المبدأ إزالة لمعضلة تفسير المعقد بما هو أعقد، وعليه فإن الإله، كمبدأ، لا يسمن ولا يغني من جوع ولا مكان له في العلم أو المنطق.

وفي الختام، أود أن أجيب على رد قد يدور في ذهن الكثيرين من قراء هذا المقال، وهو رد قد يبدو من ظاهره أنه منطقي، إلا أنه بطبيعته أجوف وخالٍ من أي مرجع منطقي. سيقول بعض القراء ”أنت جاهل، الإله خالق وليس مخلوق، فهو أبدي بطبيعته ولا بداية ونهاية له، وبالتالي لا معنى لتساؤلك ’من صمم المصمم؟‘“ وهنا يقع صاحب هذا الجدل في خطأين:

الأول، على أي أساس بنيت اعتقادك أن الإله المزعوم خالق الكون هو أبدي لا واجد له؟ ألم تستخدم أنت منطق ”لابد لهذا التعقيد من واجد“ للإتيان بهذا الإله، فلماذا تختار أن توظف هذا المنطق في الحكم على الكون وتختار أن تتجاهله في الحكم على صانع الكون المفترض؟

ثم إن كنت مصرًا على أن تفترض أزليةً ما، فما هو التحليل المنطقي الذي جعلك تفترض وجود إله ثم تفترض أزليته؟ أليس من الأكثر منطقية افتراض أزلية الكون نفسه؟ فنحن نعلم أن الكون موجود، بحكم وجودنا فيه، ولهذا فافتراض أزليته تستوجب عدد افتراضات لا أساس لها، أقل من افتراض إله ثم افتراض أزليته، وبافتراض أزلية الكون نفسه، تزول الحاجة لوجود إله أوجده (على الأقل حسب منطقك)، وكامتداد لمنطقك أعلاه، فإن من السليم افتراض أن إلهك الذي استدعيته لتفسير الكون هو بذاته له بداية وله خالق، وأن خالق هذا الخالق هو الأزلي بالفعل، باختصار، إن هذا المنطق لا يقف على أي أساسات صلبة، بل هو هش وقابل للتلاعب بحيث يصبح بلا بنية أو معنى.

أما الخطأ الثاني فهو في اعتقاد أن الإله المزعوم، حتى وإن كان أزليًا، يوفر التفسير الدامغ لتعقيده. فعلى سبيل المثال، هل افتراض أزلية الكون ذاته كافٍ للإجابة بشكل وافٍ على لغز تعقيده، بل حتى وجوده من الأساس؟ الجواب المدوي هو: كلا. كذلك، فإن افتراض أزلية الإله خالق الكون المفترض غير كافٍ لا لتفسير التعقيد الملازم لطبيعة هذا الإله ولا لوجوده الأزلي من الأساس، وبهذا فإن حجة أزلية الإله كإجابة على سؤال ”من صمم المصمم؟“ واهية بطبيعتها.

مقال من إعداد

mm

عصام بيطار

أشغل منصب باحث لدرجة الدكتوراه في مجال علم القياس (الميترولوجيا) في التصنيع الدقيق (النانو) والطباعة ثلاثية الأبعاد في جامعة نوتينغهام في المملكة المتحدة، وعضو في مجتمع الطيران الملكي في بريطانيا. أجيد اللغتين الانجليزية والعربية. من اهتماماتي الاطلاع الواسع على علوم الفيزياء والرياضيات والتيكنولوجيا، بالإضافة لعلوم الأحياء وتاريخ الحضارات.

عدد القراءات: 4٬787