حوالي عام 1400 قبل الميلاد، كان لدى الفراعنة أفكارا ودراسات بسيطة عن تطور الأجنة، اعتقدوا أن المشيمة مهمة في رعاية الجنين واعتبروها المقعد المخصص للروح الغريبة، لكنهم لم يعتبروا الجنين حيا إلا بعد ولادته، إكتشفوا أيضا أنه بإمكانهم رعاية بيض الطيور واحتضانه صناعيا في أفران حتى الفقس، وهو ما مكنهم من دراسة تطور أجنة الطيور بشكل بسيط.

كان الأطباء والفلاسفة من الاغريق بحلول عام 600 قبل الميلاد يعملون على بيض وأجنة الطيور لدراسة تطور الأجنة، استكمالا لأبحاث المصريين.

في كتابه ”تاريخ علوم الأجنة“ بيعتبر المؤلف ”جوزيف نيدهام“ أن البداية الحقيقية لعلم الأجنة ظهرت على يد ”أبقراط“ 460-370 قبل الميلاد، ويعتبر هو أول من كتب في أمراض النساء والولادة، كانت أفكاره تنحصر في أن الجنين يستخلص الرطوبة والهواء من أمه ويتغذى من المشيمة، ويعتبر هو من أسس فكرة ”التكوين المسبق أو Preformation“.

فكرة ”التكوين المسبق أو Preformation“

فكرة ”التكوين المسبق أو Preformation“

تقول نظرية الخلق المسبق أن الجنين يكون مكونا بشكل كامل ومصغر جدا داخل خلايا جرثومية عند الرجل أو المرأة ”الحيوان المنوي أو البويضة“ ويتم بعدها تحفيزه على النمو حتى يصل لحجمه الطبيعي وقت الولادة، سيطرت هذه النظرية على التفكير العام عند الإغريق وقتها واستمرت حتى فترة قريبة جدا، وكان الجدال الداخلي القائم وقتها هو: هل الجنين المصغر موجود في خلايا الرجل Spermism أو بيضات الانثى Ovism؟، ويقول الخلقيون أن كل الخلق صنع منذ الأزل ويتم ولادته حاليا.

تكلم بعدها ”نيدهام“ عن أعمال أرسطو 384-322 قبل الميلاد، حيث قال أن أرسطو أعتقد أن الجنين يكون عبارة عن شكل غير معروف داخل الرحم، ربما من دم الحيض، يتم تحفيزه أو إعطاءه الروح من خلايا الرجل ويتحول لتجلط دموي، يتم بعدها إضافة أجزاء إليه باستمرار، يعتبر الكثير من المؤرخين أن هذا كان بداية نظرية ”التكوين اللاحق Epegenisis أو Neoformation“، ويعتقد أن أرسطو كان يدرس تطور الأجنة على حيوانات كثيرة، حتى أنه قد يكون درس أجنة البشر وهذا الأمر كان صعبا جدا في وقته نظرا لصعوبة الحصول على أجنة بشرية مجهضة في مراحل مختلفة.

تعتبر الآن نظرية التكوين اللاحق هي الأصح علميا ويتم حاليا دراستها بشكل موسع يمتد حتى ما فوق الجينات أو Epigenetics، وهو وجود عوامل جينية وبيئية تغير في تطور الجنين باستمرار وتغير حتى سلوكه وجيناته بعد أن يكبر.

يقول ”نيدهام“ أيضا أن أرسطو هو أول من طرح فكرة ”التخليص Recapitulation“ التي تطورت على يد ”إرنست هيكل“ في أواخر القرن التاسع عشر، والتي تقول أن ”تطور الجنين يعطي لمحه عن تاريخ تطور أسلافه“، حتى وإن لم يذكرها بالنص.

ملحوظة: هذه النظرية تعتبر غير علمية، حتى وإن كانت بعض المراحل الجنينية تتشابه في حيوانات مختلفة.

بعدها يتحدث ”نيدهام“ عن علوم الأجنة من عصر ”جالين“ 150-180م حتى عصر النهضة، يقول أن جالين يعتبر هو مؤسس نظرية Vitalism أو العقيدة الحيوية؛ العقيدة التى تنص على أن: ”الكائنات الحية تختلف جوهريا عن الكيانات غير الحية لأنها تحتوي على بعض العناصر غير المادية أو تحكمها مبادئ مختلفة من أشياء غير حية، وتحتاج إلى طاقه أو كما يسميها البعض ”الروح““. وهو أيضا مؤسس الغائية Teleology ومفادها أن كل الأحياء مرتبطة ببعضها ارتباط العلة بالغاية، أي أن لكل شئ هدف؛ إلا أن أهم ملاحظاته إفادة هي مدى أهمية الحبل السري لتنفس الجنين.

تطور الجنين

لوحة تبين تطور الجنين البشري، أوروبا، 1801-1830 – صورة من متحف العلوم في لندن

بعدها يذكر ”نيدهام“ أعمال العرب باقتضاب وإيجاز شديد، حيث يصر على أن العرب كانوا متقدمين في علوم البصريات والفلك لكنهم لم يكونوا كذلك في علوم الأجنة.

في باقي أجزاء الكتاب يتحدث ”نيدهام“ عن أعمال Albertus Magnus في القرن الثالث عشر 1200s، وبداية إحياء علوم الأجنة بشكل علمي بعد أن سيطرت عليها الفلسفة والتكهنات لفترة طويلة، ثم يتحدث عن أعمال ”دافنشي“ التي سيطرت على المجتمع العلمي بين القرن الخامس عشر والسادس عشر، وأعمال ”ويليام هارفي“ في القرن السابع عشر وبداية إحياء الجدال بين أنصار ”التكوين المسبق“ و”التكوين اللاحق“ وسيطرة أنصار التكوين اللاحق على الفكر في هذه القرون بسبب الرؤية المشوهة للميكروسكوبات البدائية، حتى وصلت الميكرسكوبات الأحدث وبداية نظرية الخلية ورؤية الكروموسومات والجينات وانتصار نظرية ”التكوين اللاحق“.

مقال من إعداد

mm

أحمد الحسنين