اجتماعيات

أحبوا أحياءكم، الموتى لا يهتمون

”الله يرحمو كان منيح والكل كان يحبو“.. عندما تسأل عن صفات شخص ميت، فالذي تسمعه غالباً ما يصب ضمن نفس السياق: كان جيداً، كان كريماً وشهماً والجميع كانوا يحبونه! لكن ماذا عن أولئك السيئين؟ ألا يموت إلا الطيبون المحبوبون من الجميع وأولئك الذين لم يتركوا إلا الآثار الجيدة في حياة البشر؟

اليوم في عصر التواصل الاجتماعي حيث انتقل جزء كبير من حياة البشر إلى شبكة الإنترنت أصبح الوضع أكثر سوءاً. فبعد أن كان الناس يكتفون بالحديث عن موتاهم في الاجتماعات العائلية أو المحلية، أصبح الموت كغيره من الأخبار يتصدر صفحات وحسابات مواقع التواصل لتتوالى النعوات الإلكترونية، ومن ثم نوبات الحنين المتتابعة إلى الأيام الخوالي.

المشكلة ليست في ذكر الناس لمحاسن أحبائهم المتوفين، بل في النفاق الاجتماعي الذي أصبح يحول أي ميت إلى خط أحمر لا يجوز نقده من أحد وبشكل غريب يتحول حتى أكثر ناقديه في حياته إلى محبين له، يستغلون كل فرصة لاستحضار خصاله الحسنة وتذكر الأحداث التي جمعتهم ببعضهم.

قبل عدة أشهر توفي صديق لي، لن أبالغ وأقول إنه كان من الأصدقاء المقربين أو أصدقاء الطفولة، بل كان في الواقع صديقاً جديداً لم يمض على معرفتي به سوى عدة أشهر. صديقي ذاك لم يكن صاحب الشعبية والسمعة الحسنة في حياته، بل كان كما غيره يملك العديد من المحبين وأكثر منهم من النقاد الذين ينتقدون معظم تصرفاته وآرائه وأفكاره المخالفة لهم.

عند وفاة صديقي—آنف الذكر—المفاجئة حزنت عليه كما كل من ربما وصلته به علاقة صداقة أو قرابة أو محبة، لكن الغريب في الأمر أن أولئك الذين كانوا مداومين على انتقاده في كل فرصة وتوجيه الاتهامات له غداة وعشية تحولوا فجأة إلى محبين له، تتقطع قلوبهم على خبر وفاته. فبعد أن كان هو العدو المطلق لمن ينتمون لفريق سياسي، أصبح يعد محللاً بارعاً للوضع السياسي ومثقفاً ذا رأي يؤخذ به.

لطالما تساءلت ماذا تغير بعد وفاته؟ لماذا تغير موقف الناس منه على هذا النحو المفاجئ؟ وأين كانت تلك العواطف الجياشة في قلوب من كانوا يكرهونه البارحة؟ الشيء الوحيد الذي يخطر ببالي هنا هو التفاؤل، وبالطبع لا أعني هنا أن أولئك الناعين للموتى متفائلون بالضرورة، لكن موقفهم لا بد يحوي بعض التفاؤل.

الموت

التفاؤل الذي أتحدث عنه موجود في جزئية صغيرة فقط من الموضوع، ففي الحالة العادية نحن كبشر نرى بعضنا كمجموعة من الإيجابيات والسلبيات، فالأشياء التي نراها موافقة لنا نعتبرها إيجابيات وتلك التي تصب في الجهة المعاكسة نراها كسلبيات، هذه الرؤية تجعلنا نحب أولئك الذين يشبهوننا بشدة ونبغض أولئك المخالفين لنا كثيراً. ومن منطلق أننا لا نرى قيمة شيء حتى نفقده، فنحن لا نرى الإيجابيات بشكل منعزل إلا عندما ندرك أنها قد رحلت مع صاحبها، وهنا يبدأ التفكير في الأشياء التي كان من الممكن أن تجمعنا بالميت لو لم يمت مما يزيد الحزن كون هذه الاحتمالات قد رحلت بلا عودة.

بالطبع أنا لا أجزم هنا بشيء، ولا أستطيع تأكيد وجهة نظري حتى، إلا أنها ممكنة، وشخصياً أراها منطقية للغاية. وربما قصص الأبناء الذين يعودون باكين عند وفاة أهلهم الذين لم يتفقوا معهم يوماً مثال يوضح وجهة النظر هذه أكثر، فالابن الذي هجر أباه لسنين على الأغلب لم يكن ليعود أصلاً لأبيه في السنوات اللاحقة لو أن أباه بقي حياً، لكن موت الأب غالباً ما يعيد الإبن محطم الفؤاد على الأشياء التي لم يستطع فعلها (ولو أنه لم يكن ليفعلها على أي حال).

نقطتي الأساسية من كتابة هذا المقال ليست تحليل أسباب حب الناس للموتى بقدر ما هي انتقاد للتصرف. فهذا التصرف الذي يبدو حيادياً بلا ضرر (مما يجعل موقفي يبدو كمن يرغب في إفساد المحبة) يخفي في ظله شيئاً سيئاً. أنا بالطبع لا أعترض على حزن أحد على ميت لطالما عنى له الكثير ولطالما تشاركا الذكريات والتجارب، لكنني أعترض على حزن الشخص على أولئك الذين لم يكن لهم يوماً دور في حياته أو على أولئك الذين أبغضهم أو آذاهم خلال حياتهم. ففي المحصلة حزننا على الموتى لن يغير شيئاً (سواء كانوا قد ذهبوا للعدم أو ولدوا في جسد آخر أو ينتظرون الحساب من إله ما)، لكن دعمنا لهم في حياتهم كان من الممكن له أن يغير الكثير.

لو أن الموتى سمعوا الصفات الإيجابية التي تذكر لهم بعد مماتهم خلال حياتهم لربما كانت العديد من الأشياء تغيرت. ربما كانت العلاقات الاجتماعية ودية أكثر أو على الأقل لكان انخفض عدد أولئك الذين أنهوا حياتهم بأيديهم بعدما يأسوا منها.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي.

عدد القراءات: 3٬142