لنفكر في كوكبنا لدقيقة… لكوكب الأرض مدار بيضوي الشكل، مما يعني أننا نكون أقرب للشمس خلال جزء من السنة وأبعد عنها خلال جزء آخر، هل يفسر ذلك السبب في كون الطقس حارا في الصيف وباردا في الشتاء؟ العديد من الأطفال يعتقدون ذلك، والعديد من البالغين أيضا، حسنا… كلهم على خطأ.*

يقول ”فيليب سادلر“ البروفيسور في علم الفلك والمدير المسؤول في قسم التعليم في جامعة هارفرد، وهو مهووس بالرد على الأسئلة الخاطئة مثل هذه،

الطلاب ليسوا أوعية فارغة، الطلاب مليئون بكل أنواع المعرفة، ويمتلكون تفسيرات لكل شيء.

يعمل البشر بجهد ومنذ الولادة ليفهموا آلية عمل الكون من حولنا، لكننا لا نقوم بذلك بطريقة العلماء المعاصرين، بل بطريقة تشبه أكثر فلاسفة الإغريق القدماء. وهي الإستدلال انطلاقا من تجاربنا المحدودة، وبشكل مشابه لهؤلاء الفلاسفة—بطليموس على سبيل المثال—فإننا في أغلب الأحيان نكون مخطئين بشدة.

يقول سادلر بأن العلوم المعرفية علمتنا بأنك إن لم تفهم العيوب في طريقة تفكير الطلاب، فإنك لن تكون قادرا على طرد مفاهيمهم الخاطئة واستبدالها بالمفاهيم الصحيحة. وصرح سادلر:

من المجهد جدا من الناحية العقلية أن تغير الأفكار التي اختلقتها بنفسك، وإنه لأمر ذو فائدة كبيرة لو تقول ”سأتخلى عن تلك الفكرة التي اختلقتها، التي تبدو منطقية بالنسبة لي، وسأصدق ما يقوله الكتاب أو الأستاذ بدلا عن ذلك.“

ويتابع في هذا الصدد قائلا:

إن الاساتذة الذين يجدون أفكار تلاميذهم مذهلة هم أفضل من أولئك الذين يجدون موضوع المادة هو المذهل.

فيليب سادلر

مقولة فيليب سادلر

في دراسة أجراها سادلر مؤخرا في مجلة American Educator، قام بإعطاء 20 سؤالا علميا متعدد الإختيارات لمجموعة طلاب في المدرسة الإعدادية، في كل سؤال توجد إجابة خاطئة (عنصر إلهاء) شائعة جدا. في الواقع، كانت الإجابة الخاطئة في أغلب الأحيان أكثر شيوعا من الصحيحة.

على سبيل المثال: يراقب عمر شمعة محترقة بحذر، وبعد أن احترقت الشمعة بشكل كامل تساءل، ماذا حدث للشمع؟ وراودته عدة أفكار، أي منها تتفق معها؟:

  • أ. الشمع تحول لغازات.
  • ب. كل الشمع قد ذاب وتجمع في قعر الشمعدان.

تم اختيار الإجابة الخاطئة ”ب“ بنسبة 59% من الطلاب، وفقط 17% اختاروا الإجابة الصحيحة ”أ“.

أجريت نفس الدراسة على أساتذة الطلاب نفسهم، وتم سؤالهم أيضا عن أي من الاجابات الخاطئة تم اختيارها بشكل شائع، وجد بأن معرفة الأساتذة بالمفاهيم الخاطئة الشائعة عند طلابهم كانت ضعيفة.

عرف الأساتذة 85% من الإجابات الصحيحة، بينما لم يعرفوا سوى 41% فقط من الإجابات الخاطئة الصحيحة عندما حاولوا توقع اجابات طلابهم (يعني من مفروض أن المدرس يقوم بالاختبار مرتين، مره يختار الاجابه الصحيحه، ومره يختار الاجابه الخاطئه التي يتوقع أن الطلبة سوف يختارونها أكثر). لكن عندما أصبحت معرفة الأساتذة أقوى بنقاط ضعف طلابهم، فإن الطلاب تلقوا تعليما أفضل بشكل ملحوظ، اعتمادا على إعادة الإختبار في آخر السنة.

الآن وبعد أن تعرفت على أهمية ”الخطأ“ كيف يمكن للأساتذة أن يتصرفوا بناء على ذلك؟

اساتذة وطلاب

– يقول سادلر بأن الخطوة الأولى هي باتباع طريقة سقراط في التعليم (ها هم الإغريق مجددا) وهي بطرح الأسئلة وجعل الطلاب يعبرون عن أفكارهم بصوت عال، هذه الطريقة تعطي نتائج أفضل بكثير من التلقين.

– الخطوة الثانية هي بأن تعرض المعلومات للطلاب بطريقة تمكنهم من التحليل المنطقي للوصول إلى الإجابة الصحيحة.

وفي مثال آخر، قام سادلر ورفاقه بإجراء حلقة دراسية في علم الفلك في مدرسة ثانوية. في واحد من الدروس، رأى الطلاب صورا للشمس مأخوذة من التيليسكوب نفسه في كل شهر من أشهر السنة، توقع الغالبية بأن الشمس سوف تظهر بشكل أكبر خلال الشهور الحارة من السنة، لكن عندما سيتحررون من طريقة التفكير النمطية سيكتشفون بأن الشمس ستكون بحجمها الأعظمي بالنسبة لنا (أي الأقرب لنا) في كانون الثاني (النقطة الأقرب في مدارنا والمسماة بـ”perihelion“ كانت في 2 كانون الثاني هذه السنة). يقول سادلر:

كان ذلك بسبب فشل في مفهوم (المدار البيضوي).

ما أنت عليه اليوم هو نتاج لتجاربك السابقة، تتطور شخصيتك يوما بعد يوم، تجربة بعد تجربة، الأهم في هذا كله أن لا تخشى من الخوض في هذه الحياة، فعليك أن تخطئ اليوم كي تصيب غدا، تأكد من كل فكرة واخضعها للتجربة، لا تقبل الأفكار كما يمليها عليك الآخرون، اخطئ وتعلم، وتمتع بهذا كله، فهذا هو سبب وجودك.

*السبب الحقيقي وراء تكون الفصول هو أن الأرض مائلة على محورها بـ23,5 درجة.

مقال من إعداد

mm

سارة كبيبو

المصادر