اجتماعيات

الأرض المسطّحة، هل هي مجرد فكرة مضحكة أم حاجة نفسية للبعض؟

مع أن كروية الأرض ليست اكتشافاً جديداً، بل معلومة توصّل إليها العلماء منذ قرون، لكن ما زال هنالك اليوم بيننا من يحب التشكيك بتلك الحقيقة.

ففي العام 300 قبل الميلاد قام عالم الرياضيات الإغريقي (إراتوسثينيز)، والذي كان يعيش في الإسكندرية، بتجربة تعتبر من أوائل التجارب المدوّنة في التاريخ التي تثبت كروية الأرض باستخدام العصى فقط، بل واستطاع حساب قطر الأرض بدقّة عالية جداً باستخدام الظلّ فقط.

لكن ما الذي يدفع الناس للإيمان بتلك النظريات التي تجري بعكس التيار العلمي السائد، والمدعّم بكمٍّ هائلٍ من الأدلّة؟

من السهل أن نجد أن معظم تلك النظريات مضحكة ومثيرة للسخرية في البداية، أو أن نظّن بأن جميع أتباع ”نظرية“ الأرض المسطحة هم من البلهاء منعدمي الذكاء، وهذا ما ظننته أنا عنهم، بل وما زلت أظنه عن جزء كبير منهم، إلى أن بدأت بالتعمق في مجتمع المؤمنين بالأرض المسطحة؛ فتغيرت نظرتي بعض الشيء.

تعمقت في منتدياتهم، وشاهدت فيديواتهم.. هم ليسوا أغبياء، بل الكثير منهم يمتلك ذكاءً يفوق المتوسط، وهم قادرون على استخدام بعض المنطق للطعن بكروية الأرض إلى حدٍّ كبيرٍ.

بالطبع، ”نظرية“ الأرض المسطّحة لا تصمد كثيراً أمام حقيقة كروية الأرض المثبتة، ولكن قدرتهم على التشكيك بحقيقة مثبتة (ككروية الأرض)، تدل على أنهم ملمّون بالمعلومات اللازمة عن الموضوع أكثر من الشخص العادي، فالشخص العاديّ يكون عادةً غير قادرٍ على شرح أسباب تصديقه لكروية الأرض من دون الاعتماد على صور الأقمار الصناعية، وهذا لا يعتبر دليلاً كافياً بالنسبة لكثيرٍ من المشككين بمصداقية الحكومات ووكالات استكشاف الفضاء.

ومع تعمّقي أكثر فأكثر؛ لا أخفي عليكم أنني بدأت بالشعور ببعض الإعجاب لهؤلاء الأشخاص بعد أن كنت أراهم على أنهم مجرد أضحوكة، بل وأظن أنني بدأت بفهم العامل الذي يجذب كثراً لتبني مثل تلك الأفكار الغريبة، تلك الأفكار التي تسبح عكس التيار العلميّ السائد، وهذا هو العامل الأكثر جاذبيةً والأكثر إثارةً للاهتمام والفضول.

أن تفهم التبريرات شبه العلمية لكذبة الأرض الكروية يمنحك شعوراً بالتميّز، وكأنك اكتشفت شيئاً يجهله العامة.. لقد أصبحت من الخاصة والقلة القليلة القادرة على التشكيك بالمسلّمات.

من منا لا يحب أن يشعر أنه عثر على السر الذي يجهله كثيرون؟ شعورٌ قد يعزز من قيمتك الذاتية بالتأكيد.

إن التشكيك في العلم باسم العلم الزائف هو أسلوب هدّام ومضرٌّ للتقدم العلمي وللوعي العلمي في المجتمع، وهذا ما ينساه الكثير من محبّي ”نظريات المؤامرة والأرض المسطّحة“، ولا ننكر أبداً أن أكثر محدثي التغيير والمكتشفين، مثل (إسحاق نيوتن) و(غاليليو) و(الخوارزمي)، كانوا من المشككين بالمسلّمات، لكن الفارق هو أنهم اعتمدوا على المنهج العلمي التجريبي الصحيح في إثبات شكوكهم، وليس على ربط الحقائق ببعضها البعض بطرق مثيرة للريبة، كما يفعل محبّي نظرية المؤامرة والعلم الزائف.

والمضحك المبكي في الأمر، هو أن هؤولاء العلماء تم تكذيبهم من قبل المشككين الزائفين، الّذين لا يعيرون المنهج العلمي الكثير من الإهتمام، كأتباع أكذوبة الأرض المسطحة.

لذلك علينا أن نعي دائماً الفرق بين التشكيك العلمي المنهجي، والتشكيك الزائف المدفوع بحبّ التميّز والخروج عن القطيع فقط لا غير.

قد يعجبك أيضا الإطلاع على هذه المقالات:

عدد القراءات: 781

تدقيق لغوي: باتريك سابا.