تطور

مغالطات منتشرة حول نظرية التطور

تطور الانسان
صورة لـ shutterstock
mm
إعداد: أيهم صالح

نظرية التطور… التي قدمها تشارلز داروين قبل اكثر من مئة عام. النظرية العلمية الاكثر جدلا بين عامة الناس، النظرية التي حرفت بمكر من قبل الكثيرين، النظرية التي اصبحت حقيقة تدعمها ترسانة هائلة من الادلة.

في الواقع ليس داروين هو أول من ابتدع فكرة التطور بل هناك غيره مثل جده، لكن داروين كان أول من استخدم الأدلة من الطبيعة لإقناع الناس بأن التطور حقيقة، وأن قصته هو الانتخاب الطبيعي هي قصة حقيقية.

تطور الانسان

صورة لـ shutterstock

هذا المقال هو محاولة متواضعة للرد على أشهر الاعتراضات على نظرية التطور، فكرت في كتابته بعد أن رأيت عددا كبيرا من الفيديوهات البالية. في الواقع الشيء الوحيد الجميل في هذه الفيديوهات هو المؤثرات الصوتية! أما من الناحية العلمية فهي كومة من المغالطات، اي انها مجرد هراء.

المغالطة الأولى:

قل لي ايها التطوري كيف يمكن لبروتينات معقدة لكائنات معقدة كالانسان مثلا ان تنشأ بالصدفة؟ لا بد من وجود مصمم لها.

الرد: عزيزي المعترض اعتراضك هذا إن دل على شيء دل على جهلك بنظرية التطور، الصدفة تلعب دورا نعم، فالطفرات عشوائية، أي أنها لا تنحاز ناحية الصفة الناجحة أو الصفة السيئة، لكنك نسيت آلية مهمة جدا في التطور، إنه الانتخاب الطبيعي، فهو ليس عشوائيا أبدا بل يمكنك تشبيهه بغربال يسمح للصفات النافعة بالمرور الى الاجيال التالية، حيث يقوم بتسخير الطفرات العشوائية للمصلحة البقائية، فالانتخاب الطبيعي يفضل الصفات النافعة وذلك ترجمة لموت الاحياء التي تحمل صفات سيئة ونجاة الاحياء التي تحمل صفات نافعة.

الكلام سيطول حول موضوع الانتخاب الطبيعي الذي تقوم به البيئة لكن يكفي هذا القدر الان.

المغالطة الثانية:

اذا كان التطور صحيحا فيجب ان يكون هناك بلايين الحلقات الانتقالية لكننا لم نجدها!

الرد: الاعتقاد بأننا يجب أن نحصل على أحفورة لكل كائن ولكل شيء هو أمر خاطئ، نحن محظوظون لأن لدينا السجل الاحفوري. في الواقع، الأرض هي متحف ضخم بالرغم من كونه تاريخا مزقا، لقد حصلنا على صفحات واضحة وقرأناها وحصلنا على نماذج عديدة تؤكد التطور، فنحن مثلا نجد الاحفورة 1 و3 ونتنبأ بوجود الاحفورة رقم 2 ومع الزمن نجدها ونؤكد التطور.

يجب أن ندرك أمرا مهما وهو أن الأحفورات ليست الدليل الاقوى على صحة التطور وإنما تضاف لترسانة الأدلة الهائلة للتطور كالحمض النووي والأدلة الهيكلية والتشريحية.

المغالطة الثالثة:

نجد أحياء عديدة تشبه أسلافها كثيرا (الاسلاف التي تدعونها) وهي متطابقة تقريبا فلماذا لم تتطور؟ هذا دليل على التطور أن كذبة.

الرد: حسنا… في الواقع سرعة التطور تختلف من نوع لاخر، التطور يقول أن الاحياء تتطور لكن ليس بنفس الوتيرة، وإنما الامر يعتمد على الصغوط التطورية حيث يكون الانتخاب الطبيعي قويا مثلما عندما يحتل نوع ما بيئة جديدة، وعندما يتكيف النوع تخف سرعة التطور، هكذا يحدث الأمر. فمثلا سراطين حدوة الحصان تطورت على نحو ضئيل خلال ملايين من السنين بينما الانسان تطور على نحو سريع، فكما قلت الامر يعتمد على الضغوط التطورية.

المغالطة الرابعة:

الانسان تطور من القرد كما تدعون، لكني لم أر في حياتي قردا يتطور إلى انسان! إن هذا دليل دامغ على خطأ التطور.

الرد: في الواقع نعم نحن تطورنا من قرود عاشت قبل ملايين السنين، الفكرة هنا أننا تطورنا من قرود لكن ليس من القرود الحاليين، وعندما يتفلسف أمامك أحد بقوله لماذا لا يصبح الشمبانزي إنسانا فعليك أن تتبع قاعدة ”بو“ (شاهد الصورة) وتسأل القائل عن نيته إن كان يسخر أم لا، لأنه يستحيل التمييز بين الغباء المستفحل والسخرية في مثل هذه الحالة.

قانون بو

صورة من الصفحة (شاهد المنشور)

التطور لا يدعي أن الانسان تطور عن الشمبانزي مثلا، بل يقول أن لكليهما سلف مشترك تفرع، وكل مجموعة سلكت طريقها التطوري الخاص وبدأت الاختلافات الجينية بينها تتزايد الى ان أصبحت غير قادرة على التكاثر فيما بينها وهنا نقول أنه أصبح لدينا أنواع عديدة، أما بالنسبة للنوع الأم فقد يبقى إلى أجل غير مسمى وقد ينقرض.

الخلاصة هنا: نحن تطورنا من قرود لكن ليس القردة التي تلهو في منزل أحدهم ولا يمكن للشمبانزي أن يصبح مثلك للأسباب التي ذكرتها.

المغالطة الخامسة:

التطور مجرد نظرية وليس حقيقة مثبتة.

الرد: النظرية العلمية ليست تخمينا أو فرضية بل تفسيرا جيدا لظاهرة طبيعية، فإذا توافرت الأدلة لإثباتها أصبحت حقيقة علمية وهذا ما حصل مع التطور وكذلك مع الجاذبية بل أننا نفهم التطور بمستوى أعلى من فهمنا للجاذبية… كيف هذا؟

حسنا في الواقع نحن حتى الآن لا نفهم الجاذبية فنظرية الجاذبية غير مكتملة، صحيح أننا نملك نظرية النسبية العامة التي صمدت أمام عواصف الاختبارات إلا انها لا تفسر الجاذبية على المستوى الميكروسكوبي أبدا، بل إننا نحصل على نتائج كارثية.

بينما بالنسبة للتطور فهو مفهوم تماما ولا وجود لأي مشكلة في حقيقته ومع هذا فإني لم أر في حياتي شخصا يحاول تفنيد نظرية الجاذبية بينما أرى الآلاف يحاولون نقض التطور وتشويهه. في الواقع هذا أمر غريب… ربما لان التطور يخالف معتقداتهم!

المغالطة السادسة:

التطور عاجز عن تفسير أصل الحياة على كوكب الأرض.

الرد: حسنا… قبل أن أقوم بالرد سأقول لكم الطريقة التي اتبعها المعترض هنا لنقض التطور، فهو قال ان التطور عاجز عن تفسير أصل الحياة ولهذا فهو نظرية غير مكتملة أساسا، وأنا الان سأقوم بإظهار أن الجاذبية نظرية غير مكتملة لانها عاجزة عن التبؤ بحالة الطقس! هل أحسستم الآن بالخطأ الجسيم المرتكب في هذا الاعتراض؟

نظرية التطور لا تفسر اصل الحياة على الأرض لأن هذا ليس من اختصاصها أبدا، فهذه النظرية تفسر التنوع الحيوي الكبير الموجود في الكائنات الحية ولا تتطرق لموضوع أصل الحياة فهذا بحث آخر ولغز كبير لم نجد له حلا مرضيا حتى هذه اللحظة.

المغالطة السابعة:

التطور يدعي نشوء انواع حية عديدة نتيجة لعدة آليات لكننا لم نشاهد يوما نوعا يتطور الى نوع جديد.

الرد: قبل أي شيء أريد أن أوضح وجود نوعين من التطور:

  • التطور الصغير: تغير في نسبة تكرار الاليل وله عدة آليات اهمها: الانتخاب الطبيعي، الانزياح الوراثي، الطفرات الوراثية… الخ.
  • التطور الكبير: تؤدي آليات التطور الصغير وعلى مدى فترات زمنية طويلة إلى نشوء أنواع جديدة من الاحياء.

بالنسبة للتطور الصغير فهو ملاحظ تماما ومن ينكره فهو ينكر أنه مبصر، لكن بالنسبة للتطور الكبير فقد اعتمدت دراسته على الحمض النووي والادلة التشريحية والهيكلية والسجل الاحفوري ذلك لأن إنتاج تغير تطوري ضخم يتطلب ربما ملايين الاجيال.

لتخيل صعوبة ذلك افترض الاتي: انت تأخذ صورة سيلفي لك كل يوم منذ ان ولدت وحتى آخر يوم في حياتك وليكن بعمر الـ80… إذا نظرت إلى صورتين لك في يومين متتالين فلن تلاحظ فرقا بينهما، لكن إن نظرت إلى أول صورة واخر صورة فستلاحظ الفرق الكبير، الآن تخيل أن كل يوم في حياتك هو عشرة أجيال… ما رايك؟

ستيف جوبز

ستيف جوبز جنبا إلى جنب مع صورته في سن المراهقة

في الواقع نحن نعتمد على استدلال وهذا ليس عيبا فليست دراسة التطور الكبير وحدها من تعتمد على الاستدلال وانما هناك علوم اخرى مثل علم الاثار والجيولوجيا. حتى عندما تنظر الى جسم ما فانت تستدل على وجوده من خلال الاشعة الضوئية المنعكسة عنه. هل تعتقدون أننا رأينا الإلكترونات مثلا؟ لا… نحن لم نرها بل الدراسات والتجارب اكدت وجودها. هل نحن رأينا الجاذبية؟ بالطبع لا، لكن التجارب والدراسات اكدت هذا. نفس الشيء بالنسبة للتطور بل إننا وكما ذكرت سابقا نفهم التطور بمستوى أعلى من فهمنا للجاذبية.

يمكنك تشبيه الامر بالاتي: تخيل الآن ”سينشي كودو“ يقف امام مسرح الجريمة، هو لم يكن موجودا في الماضي هناك عندما وقعت الجريمة لكنه وكالعادة يجمع الدلائل والبصمات والاثار وغيرها ثم يتوصل الى الحقيقة، وهذا ما نفعله.

لدينا ترسانة هائلة من الادلة على صحة التطور فيمكننا وكما تفعل علوم كثيرة أن نضع فرضيات ونختبرها ضد الادلة المادية، ثم نتأكد من صحة التطور ونضع العديد من التنبؤات. فمثلا نكتشف الاحفورة 1 والاحفورة 3 ونتوقع وجود الاحفورة 2 ومع الزمن نجدها، فإن كانت كما توقعته النظرية فإن هذا دليل اخر على صحتها، وان خالفتها فهذا دليل كافي على أنها غير صحيحة وعلينا البدء من جديد. في الواقع يقول العديدون من علماء الأحياء أننا متأكدون من حقيقة التطور لدرجة أنه لم يعد هناك مجال للشك فيه.

المغالطة الثامنة:

ألا تلاحظ عزيزي الدارويني بان التطور دائما يتوجه نحو الافضل، ألا تلاحظ أنه دائما يكون إلى جانب الأحياء ويساعدها على البقاء، اليس هذا دليلا على وجود قوة خفية تتحكم بالتطور وتوجهه دائما نحو الافضل؟ إني الاحظ ذلك ألا توافقني؟

الرد : حسنا… في الواقع أنا لا أوافقك أبدا، التطور لا يتجه نحو الأفضل، التطور عبارة عن تغير تراكمي تحدد نتائجه الضغوط التطورية، لفهم الأمر تأمل الآتي: لدينا جماعة من الحشرات الخضراء اللون تعيش في بيئة ذات لون بني، ويوجد في هذه البيئة مفترسين لديهم قدرة ممتازة على رؤية اللون الاخضر، ستنشأ العديد من الطفرات هنا وهناك وبما أن الطفرات عشوائية أي أنها لا تنحاز إلى الصفات النافعة أو الضارة فسيكون لدينا احتمالان هما:

  1. تنشأ طفرات جيدة لتلك البيئة تؤدي لظهور حشرات ذات لون لدى الطيور قدرة أقل على رؤيتها، والانتخاب الطبيعي يقول أن احتمال النجاة في حال صفة نافعة أكبر من احتمال النجاة في حال صفة سيئة، وهكذا ستموت الحشرات ذات اللون الاخضر بينما يكون للحشرات الاخرى فرصة اكبر للبقاء والتكاثر.
  2. ألا تنشأ تلك الطفرات النافعة لتلك البيئة ولا تحالف الظروف البيئية هذه الحشرات وبالتالي ستنقرض، في الواقع ليس اللون هو صفة الوحيدة المؤثرة على نجاة الحشرة وانما المذاق والصلابة مثلا.

في الحقيقة الواقع يقول بأن التطور غالبا لا يستطيع مجابهة التغيرات البيئية حيث 98 بالمئة من الانواع الحية التي عاشت على كوكب الارض قد انقرضت.

هذه هي المغالطات الأشهر التي سمعتها أنا شخصيا، في النهاية أريد ان أوجه للجميع كلمة اخيرة وهي أن الحقيقة حقيقة إن رضيتم أو لم ترضوا. الحقيقة لن تتصل معك وتسالك عن رأيك بها، سواء صدقتها أم لم تصدقها فهي لن تنتظرك أبدا وستبقى قوية. الهراء منتشر بشكل كبير في مجتمعنا العربي بينما الحقائق مخفية ويتم تحريفها كما يحدث مع نظرية التطور، علينا ان نستيقظ من سباتنا ونحدق في جبين الشمس، هذا كل ما اريد قوله الان واتمنى ان يكون المقال قد أعجبكم.

مقال من إعداد

mm

أيهم صالح