اجتماعيات

ما هي قصة قرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بشأن الإساءة لنبي الإسلام محمد

محكمة حقوق الانسان الأوروبية بشأن الإسائة لنبي الإسلام

خلال الأيام الماضية كان هناك خبر كبير جداً وأساسي انتشر كالنار في الهشيم على صفحات التواصل الاجتماعي، وفق بعض الصفحات الكبرى والتابعة لشبكات أخبارية كبرى فالخبر هو أن الاتحاد الأوروبي، وبالتحديد محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، قررت أن إهانة نبي الإسلام محمد ليست من حرية التعبير. وبالطبع فهكذا خبر هو وصفة مثالية للنسخ واللصق في كل مكان وآلاف المشاركات والمشاهدات وغيرها، لكن كما هي العادة، هناك الكثير من الهراء الذي يجب تقشيره للوصول إلى الحقيقة.

هنا سنحاول تناول الخبر الحقيقي من مصدره الأصلي، بدلاً من انتقاء كلمات بعينها ومن ثم تحويرها لتصبح محطاً للتصفيق المعتاد من الجمهور الذي اعتاد كتابة ”سبحان الله“ تحت صور البطاطا التي كتب الله اسمه عليها لسبب ما.

بالطبع فالخبر المنشور بصيغته العادية ليس حقيقياً حقاً، لكنه يرتكز على خبر أساسي تم تحويره بشكل شبه كامل وتضخيمه ليبدو هكذا، لكن ما هي القصة الأصلية؟

أسباب الدعوى القضائية

عام 2009 كانت ناشطة يمينية نمساوية قد بدأت عدة ”محاضرات توعوية“ عن الإسلام في بلادها التي كانت ولا تزال تلاقي عدداً كبيراً من المهاجرين المسلمين إليها، حيث أن نسبة المسلمين في النمسا صعدت من حوالي 4٪ فقط عام 2001 إلى قرابة 8٪ أو أكثر حالياً. على العموم، وخلال محاضرات الناشطة النمساوية العديدة قامت بالخوض بالعديد من النقاط المثيرة للجدل من التراث الإسلامي، ولعل أهمها هي قصة زواج محمد من عائشة وهي طفلة.

بالطبع فموضوع عمر عائشة عند زواجها من محمد محط بعض الجدال بين المسلمين، لكن من المقبول بالنسبة للغالبية الساحقة منهم أن عائشة لم تكن قد تجاوزت عمر 9 أعوام عندما تزوجت. هناك اليوم طريقتان أساسيتان لتبرير الأمر لدى المسلمين، فهو إما أنه كان في زمان مختلف عن زماننا والفتيات حينها كن ينضجن أبكر من اليوم –ولو أن الأحاديث تذكر صراحة أن عائشة حملت دماها معها–، أو أن زواج الأطفال هو أمر طبيعي حيث أن العديد من المناطق العربية لا تزال تزوج الطفلات بأعمار صغيرة جداً حتى اليوم.

على أي حال، وفي العالم المتحضر اليوم لم يعد من المقبول زواج الأطفال، وبالطبع فممارسة الجنس معهم تعد اغتصاباً، ومن ينجذب لهم جنسياً يسمى (بيدوفيل)، لذا فكون الناشطة اليمينية النمساوية كانت تتحدث عن الأمر لم يكن من المستغرب وصفها لمحمد بأنه بيدوفيلي وليس قدوة حسنة ليقتدي بتصرفاته الرجال المسلمون اليوم، أثار هذا الوصف غضب الجماعات الإسلامية التي سرعان ما أمطرت الناشطة بمجموعة من التهم في دعوى قضائية ضدها.

القضية الأصلية في النمسا

بعد أن استمرت القضية لعدة أشهر حاولت فيها الجماعات الإسلامية إثبات كون ادعاءات الناشطة كاذبة ومشوهة للحقيقة، تحول الأمر في النهاية إلى التركيز على كلمة بيدوفيلي ومعناها القانوني، واستخدم كون محمد قد تزوج من العديد من النساء الأخريات اللواتي لم يكن أطفالاً كدليل على أن انجذابه الجنسي الأساسي لم يكن للأطفال فقط، وبإثبات كون كلام الناشطة غير صحيح قانونياً؛ استخدم الأمر لمحاكمتها كونها تشوه سمعة الإسلام وعكر صفو التسامح الديني –إصدار أوروبي من قوانين ازدراء الأديان العربية–.

في النهاية تم الحكم ضد الناشطة اليمينية بغرامة 3 يوروهات في اليوم لمدة 6 أشهر –أي 480 يورو بشكل إجمالي–، ومع أن الغرامة صغيرة نسبياً فقد استمرت الناشطة اليمينية بمحاولة قلب الحكم باستئنافه عدة مرات في المحاكم النمساوية لترفض محاولاتها في كل مرة نتيجة القانون النمساوي، وفي النهاية اضطرت الناشطة لعرض قضيتها في محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، حيث أن الجدل تحول إلى كون الحكم على الناشطة قد انتهك حقها بالتعبير الحر أم لا.

قضية المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان

المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان

المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان – صورة: CherryX/Wikimedia Commons

عندما تم العرض القضية الأصلية على المحكمة الأوروبية كانت أطراف القضية قد تغيرت في الواقع، حيث أن الأطراف في القضية الأصلية كانت الجماعات الإسلامية ضد الناشطة اليمينية، لكن في القضية الجديدة باتت الأطراف هي الناشطة اليمينية ضد النظام العدلي النمساوي الذي انتهك حقها الأساسي في حرية التعبير عندما قام بتغريمها على إهانة الأديان من حيث المبدأ. على العموم يبدو أن القضية لم تكن موجهة ضد التصريح الأصلي حقاً، لكن ضد الموقف العام لليمين النمساوي بالدرجة الأولى.

بعد سنوات من الأخذ والرد وجلسات الاستماع المطولة، قررت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية أن حكم المحاكم النمساوية لم يخرق حق الناشطة بحرية التعبير، حيث تم وصف حكم المحاكم النمساوية بأنه ”توازن دقيق بين حق الناشطة بحرية التعبير، وحق الآخرين بحماية مشاعرهم الدينية“. في الواقع، هذه العبارة هي أساس الأخبار التي تم تضخيمها لاحقاً من بعض وسائل الإعلام، وهي بالطبع محط الجدل الأساسي في القضية حالياً.

ما هو مدى مصداقية الأخبار المتداولة من المواقع العربية؟

واحدة من أولى المنصات الإعلامية التي تحدثت عن الخبر في الواقع هي صفحات قناة AJ+ على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالطبع فهذه القناة هي الإصدار ”الشبابي“ من شبكة قنوات الجزيرة وتشكل أقبح حالة من النفاق في الواقع.

ففي إصدارها العالمي الناطق بالإنجليزية تظهر القناة على أنها تقدمية مع حقوق الإنسان وتجادل طوال الوقت بهذا المجال مع تحريف الأخبار لتتناسب مع نظرتها التي تتفق مع اليسار الغربي عموماً، لكن في الإصدار العربي تقلب القناة الأمر وتظهر وجهها الآخر المعادي لكل شيء له علاقة بحرية التعبير والحياة الشخصية في الواقع.

على العموم ووفق الطريقة التي أظهرتها القناة، فالخبر هو أن محكمة حقوق الإنسان الأوروبية قضت بكون ”إهانة الرسول ليست من حرية التعبير“، تشكيل الخبر بهذه الطريقة مضلل للغاية، ومع أن الحكم الخاص بالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مقلق للغاية، فهو بالتأكيد ليس شهادة حماية مشاعر للمسلمين، وبالتأكيد لن يحميهم من الانتقادات والسخرية، ولن يتحول الأمر إلى الحالة في العالم العربي حيث في بعض البلدان مجرد ترك الدين كافٍ لحكم بالإعدام.

ما هي الأسباب التي من الممكن أنها قادت النمسا للحكم أصلاً؟

عند النظر للحكم للوهلة الأولى، من السهل على الكثير من الأشخاص رؤية الأمر كنصر إسلامي كون مشاعرهم ستحترم بهذه الطريقة، لكن في الواقع يجب النظر إلى الأمر من خلال عدستين أساسيتين هنا لفهمه بشكل أفضل ربما. النقطة الأولى هي التاريخ المخزي لتعامل المسلمين مع الأمور التي يعتبرونها إهانة لمشاعرهم، والنقطة الثانية هي التاريخ المخزي لدولة النمسا في التعامل مع الأقليات والجزء الأسود من تاريخها بكونها كانت بلداً نازياً في الواقع.

النقطة الأولى تتعلق بردود الفعل الإسلامية المعتادة على أي شيء يعتبرونه إهانة لهم، فرسوم الكاريكاتير القديمة من عام 2005 في الدنمارك تسببت بمظاهرات حول العالم وما يزيد عن 200 ضحية، بالإضافة للعديد من الهجمات على السفارات والقنصليات الدنماركية، كما أن كاريكاتيرات صحيفة (شارلي إيبدو) الفرنسية اعتبرت مبرراً للعمل الإرهابي ضدها مع كون العديد من المسلمين يرون الأمر مبرراً تماماً.

بالنسبة للعديد من البلدان وبالأخص الأوروبية منها؛ تشكل ردود الفعل الإسلامية مصدر خوف كبير وبالأخص للسياسيين، فطوال العقود الماضية أثبت المسلمون مرة بعد أخرى أنهم لا يمتلكون أية مشكلة في استخدام العنف أو حتى الإرهاب عندما يعتبرون أن شيئاً ما يجرح مشاعرهم، وفي العديد من الحالات باتت البلدان الأوروبية تفضل بعض الجدل الداخلي على عمل عنف جديد ضدها.

النقطة الثانية والأهم ربما هي التاريخ المشين للنمسا وعدة بلدان أوروبية أخرى بشأن النازية، فعلى الرغم من أن النازيين يربطون اليوم بألمانيا بالتحديد، ينسى الكثيرون أن النمسا كانت بدورها متخمة بالنازيين وحتى أن هتلر نفسه ولد في النمسا لأبوين نمساويين، هذا الأمر يجعل هذه البلدان التي تتضمن النمسا وألمانيا والبلدان الاسكندنافية حساسة بشكل زائد تجاه أي شيء من شأنه أن يزعج الأقليات، وربما يظهر هذا الأمر بوضوح بكون هذه البلدان هي التي استقبلت اللاجئين السوريين مثلاً بينما حدَت البلدان الأوروبية الأخرى من الأمر.

ما هي التبعات الممكنة لقرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية؟

على الرغم من أن العديد من المسلمين ربما يرون الأمر كانتصار لهم وربما أنهم يأملون عودة ”قوانين التجديف“ التي كانت موجودة في أوروبا سابقاً ولا تزال موجودة في البلدان العربية، فالأرجح أن هكذا حالة لن تتكرر أصلاً، بل أن تأثيرها الحقيقي قد يكون عكسياً تماماً على الأقليات المسلمة في الواقع، حيث أن هذا النوع من القضايا هو الوصفة المثالية لجذب المزيد من الانتباه لحساسية المسلمين المفرطة اتجاه النقد، وبالتالي جذب المزيد والمزيد من النقد لهم.

على العموم وفي حال اعتبرنا حالة هذه القضية عامة وأنها ستشكل سابقة يتم اعتمادها لاحقاً لحماية مشاعر الجماعات الدينية، فالأمر هو أسوأ خبر ممكن للمسلمين في الواقع، فالكتب الإسلامية المقدسة تشجع على العنف تجاه الأديان الأخرى بوضوح، وحتى في حال تجاوزنا الأمر على أنه يعتمد على التفسيرات فقط، فالقرآن محشو بالعبارات التي تشكل إهانات مباشرة لليهود والطوائف المسيحية، وفي حال قررت الدول الأوروبية السير حقاً على خطى ”حماية مشاعر المتدينين“ –وهو سيناريو شبه مستحيل– فنتيجة مثل منع أجزاء كبيرة من القرآن حفاظاً على مشاعر الأديان الأخرى لن يكون أمراً بعيداً حقاً.