علوم

هل يرفع تعريض الطفل للموسيقى الكلاسيكية أثناء فترة نموه الجنينية وسنوات حياته الأولى من ذكائه وقدراته العقلية

تعريض الطفل للموسيقى الكلاسيكية أثناء فترة نموه الجنينية

عند سماعنا لعبارة ”تأثير موزارت“ تتبادر إلى أذهاننا صورة امرأة حامل وهي تضع سماعات الأذن على بطنها محاولة إسماع جنينها بعضاً من ألحان موزارت، لأنها تعتقد بأن قيامها بهذا الأمر سوف يزيد من قدرات الجنين العقلية ويرفع من معدّل ذكائه. هل هذا الإدعاء صحيح علمياً أم لا يا ترى؟

نشرت مجلة (الطبيعة) Nature بحثاً لعالمة النفس (فرانسيس روشير) أجرت فيه دراسة على 36 طالباً جامعياً، تم تقسيمهم لثلاث مجموعات، إستمعت الأولى لمقطوعة لموزارت لمدة عشر دقائق، والثانية للحن كلاسيكي مهدئ للأعصاب، والثالثة وُضعت في مكان هادئ جداً حيث لا وجود لأدنى همسة، وذلك قبل تأديتهم لاختبار يتعلق باستخدام (المنطق المكاني) Spatial Reasoning، حيث طُلب منهم استخدام خيالهم لمعرفة الشكل الناتج عن طي ورقة ثم قصها من بعض الأطراف ثم إعادتها إلى شكلها الممدود مجددا.

كانت نتيجة هذا الإختبار مذهلة، فالطلبة الذين استمعوا لموزارت أظهروا تحسناً رائعاً في قدرتهم على تكهن شكل الورقة، إذ ارتفعت درجة ذكائهم المتعلقة بالمنطق المكاني الفراغي بحوالي 8 إلى 9 درجات.

عبرت روشير عن استغرابها بأن نتيجة هذا الإختبار المجهولة التفاصيل، والتي كانت ارتفاعاً بسيطاً في درجة ذكاء الطلاب الذين تعرضوا لاختبار طي الورقة بعد استماعهم لتلك المقطوعات الموسيقية بدأت تُعمم على الأطفال والأجنة! -لم تكن مؤلفة الدراسة واثقة تماما من نتائج هذه الدراسة ومن صحة التأثير الموسيقي الكلاسيكي على القدرات العقلية- حيث قالت: ”أعتقد أن الأهل يستبسلون في محاولة البحث عن طريقة -بغض النظر عن بساطتها- ترفع من قدرات أبنائهم العقلية.“

بعد غزو المنتجات التجارية المبنية على هذا الإكتشاف الأسواق، أصدر حاكم جورجيا (زيل ميلر) عام 1998 مرسوماً يقضي بمنح الأمهات الحديثات الإنجاب أقراص CDs تتضمن مقطوعات موسيقية كلاسيكية، كما كان يٌطلب من مراكز الرعاية الصحية في فلوريدا بث المقطوعات والسمفونيات الكلاسيكية ضمن أروقة المركز.

تعريض الطفل للموسيقى الكلاسيكية

صورة: AFP/Getty Images

تتبعت دراسة أُجريت في جامعة ستانفورد عام 2004 التغطية الإعلامية التي حازتها دراسة (روشير) مقارنة بالتغطية التي حصلت عليها بعض الدراسات الأخرى التي نٌشرت في نفس الفترة، وفي نفس المجلة (مجلة الطبيعة)، ووجد القائمون عليها بأن دراسة روشير التي كانت تحت عنوان ”أداء المهام الموسيقية والمكانية“ كان لها انتشار ووقع أكبر بين المجلات الـ50 الأمريكية الأكثر متابعة، وتفوقت على الدراسة التي تلتها على الرغم من كونها من تأليف عالم الفضاء الشهير (كارل سيغان).

كتب القائمون على هذه الدراسة في تحليلهم للبيانات: ”هذا الأمر ما هو إلا إعادة تجلٍ لاعتقاد شائع منذ القدم كان يُسمى بنظرية ”حتمية الرضّع“، وتدل هذه الكلمة على أهمية مرحلة نمو الرضيع، فقد تحدث فيها أمور تؤدي إلى تغيّر جذري في تطوّره العقلي، الذي قد يكون سلبياً غير قابل للإصلاح، أو إيجابياً.“

لا يزال البعض مختلفين حول قوة الموسيقى وتأثيرها على قدراتنا العقلية ولكن يبدو أن الأمر قد حسم:

يقول الموسيقار الكلاسيكي (دون كامبل): ”تمتلك الموسيقى قدرة هائلة على تنظيم عمل الدماغ مما يرفع من جودته“، لم يقتصر دور (دون) على هذا القول فقط، بل قام بتأليف عشرين كتابا عن الموسيقى والصحة والتعليم، من بينها: (تأثير موزارت)، و(تأثير موزارت على الأطفال)، وذلك استدلالا بأعمال الطبيب الفرنسي المعالج (ألفريد توماتيس) واستخدامه الموسيقى في علاج الأطفال المصابين بالتأتأة وعسر القراءة، والمصابين باضطراب تشتت الإنتباه والتوحد وذلك في منتصف القرن العشرين، وهو يعتقد بأن الموسيقى الهادئة التي لا تفيض بالمشاعر، والتي ليست مرتفعة اللحن والإيقاع يمكنها أن تساهم في تعديل المزاج وزيادة السعادة والإسترخاء، فيضيف قائلاً: ”أنا أعلم أنها تزيد من ذكائنا“ مشيراً إلى الموسيقى الهادئة الكلاسيكية طبعاً.

وفي عام 1999 أجرى عالم النفس (كريستوفر كاربريس) في جامعة Union في نيويورك تحليلاً معمقا لـ16 دراسة تناولت موضوع ”تأثير موزارت“ ليقدّر فعاليته، وخَلُص إلى نتيجة مفادها أن هذا الإختبار يزيد معدل الذكاء بمقدار 1 إلى 1,5، وهذه النتيجة مقيدة فقط باختبار طي الورقة وقصها.

أضاف كريستوفر بأن هذا التحسّن البسيط في الذكاء يمكن ألّا يكون بسبب تأثير موزارت، بل قد يكون كذلك عبارة عن إختلاف طبيعي في الذكاء يمر به الشخص عند خضوعه لجلستي اختبار مختلفتين، أو متتاليتين. فأنت لست دوماً على نفس درجة الذكاء في كل وقت، فهناك عوامل تتحكم بذلك.

أجرت الوزارة الفدرالية للتعليم والبحث في ألمانيا دراسة متعددة الإختصاصات، شارك فيها باحثون ذوي خلفيات موسيقية متنوعة وذلك من أجل مراجعة ”تأثير موزارت“ ومحاولة البت في هذه النظرية، ووجدوا بأن هذه الظاهرة هي عبارة عن خرافة، وهي غير موجودة.

تقول (روشير)، صاحبة الدراسة الرئيسية أعلى المقال؛ التي هي الآن بروفيسورة مساعدة في جامعة Wisconsin Oshkosh: ”ليس هناك أي دليل يظهر أي تحسّن في قدرة الأطفال -الذين تعرضوا لموسيقى موزارت في مرحلة تطورهم الجنيني أو مرحلة نموهم الباكرة- المعرفية، إنها أسطورة حسب رأيي المتواضع.“

عوضاً عن إضاعة وقت طفلكم بمحاولة جعله يستمع لتلك المقطوعات الكلاسيكية، من الأفضل أن تشتروا له آلة موسيقية ليتعلم العزف عليها من جهة، وليرفع درجة ذكائه من جهة أخرى، ففي دراسة تمت في كاليفورنيا عام 1997 على 25,000 طالب، اتضح بأن الذين مارسوا العزف على الآلات الموسيقية أظهروا نتائج أفضل في اختبار SAT (إختبار الكفاءة الدراسية)، وفي اختبارات مهارات القراءة.

على الرغم من انعدام الدليل العلمي الدامغ الذي يثبت صحة تأثير موسيقى موزارت، فهناك بعض الشركات؛ كشركة Baby Genius، التي لا تزال تمنح الوالدين أقراصاً مضغوطة تحتوي على مقطوعات موسيقية كلاسيكية مُدعيةً بأن ذلك يجعل أطفالهم أذكى.

يقول كريستوفر: ”لا يكمن الخطر الحقيقي في جعل طفلك يستمع لهذه المقطوعات الموسيقية القديمة، بل في اعتقاد الآباء بأن تعريض ابنهم لهذه الألحان هو أمر كاف لجعله أذكى، مما يجعلهما يهملان دورهما التربوي والتنموي، كما سيمنعهما هذا الإعتقاد من التواصل مع طفلهما وتطوير قدراته العقلية باللعب معه ودمجه في الوسط الإجتماعي.“

عدد القراءات: 317