اجتماعيات

دخلك بتعرف ثيليما؟ الديانة التي تتسع لكل المعتقدات من الإلحاد إلى الإشراك (تعدد الآلهة)

سداسي يونيكورسال
سداسي يونيكورسال، أحد الرموز الأساسية لديانة ثيليما - صورة: cthopper93/Flickr

ثيليما هي كلمةٌ يونانيةٌ تعني ”الإرادة“ أو ”النية“، كما تشير أيضاً لفلسفة روحيةٍ نشأت قبل عدة مئات من السنين وانتشرت تدريجياً لتشمل معظم أنحاء العالم.

إحدى أقدم الإشارات لهذا المصطلح كانت في الرواية الكلاسيكية ”غارغانتوا وبانتاغرويل“ للقسّ فرانسوا رابيليز عام 1532، إذ يشير الكاتب في إحدى فصول تلك المغامرة إلى تأسيس ”مهد ثيليما“، بصفته مؤسسةً لتهذيب الأخلاق والنّفس البشرية بطريقة مناقضة لتعاليم الكنيسة المسيحيّة السائدة آنذاك، وكان القانون الوحيد لعقيدة ثيليما حينها ”افعل ما تشاء“ الذي أصبح إحدى الركائز الأساسية لهذه الفلسفة في الوقت الحالي.

على الرغم من طرق هذه الفلسفة من قبل العديد من الكتاب والمفكرين على مدى للسنين، إلا أن البذور التي زرعها ”رابيليز“ لم تؤت ثمارها حتى أوائل القرن الماضي على يد رجل إنكليزي يدعى ”أليستر كراولي“.

كان أليستر كراولي (1875–1947) شاعراً، وكاتباً، ومنجّماً، ومتسلّقاً للجبال، ومشعوذاً، وعضواً في مجتمع التنجيم الذي عرف بـ”جماعة الفجر الذهبي الهرمسيّة“.

في العام 1904، وخلال رحلةٍ له إلى مصر مع زوجته روز، عاش كراولي عدة من الأحداث المتتابعة التي ادّعى بأنها دشنت العصر الجديد للبشرية، بلغ هذا الأمر حدته حين دخل كراولي حالةً من الغيبوبة وكتب ثلاثة فصول تضم 220 آيةً مما سيعرف لاحقاً بـ”كتاب القانون“، حيث ادّعى أنه تلقّنها من كيان فوق-بشري يدعى ”أيواس“ – الذي عرّفه فيما بعد كـ”ملاكه الحارس“ – وأنه كتب كل فصل خلال ساعة واحدة، في الأيام 8 و9 و10 من شهر نيسان/إبريل، وقد دافع عن هذا الادعاء بقوله: ”لا يمكن للتزيف أن يخلق كل هذا الإعجاز اللّغوي والعددي“.

السير أليستر كراولي

السير أليستر كراولي

يستمد كتاب القانون آلهته ”المتحدّثة“ من اﻵلهة المصرية القديمة، اﻹلهة اﻷعلى هي ”نوت“، هي اﻷم الكبرى، وأساس كل شيء، هي السماء التي تعلو اﻷرض، وتتجسد بصورة امرأة عارية، أمّا الإله الرئيسيّ الثاني فهو ”هاديت“، المُمثَّل بنقطةٍ متناهيةٍ في الصّغر، ويرمز للتجلّي والحركة والزمن، ويوصف في كتاب القانون على أنه ”النار التي تشتعل في صدر كلّ إنسان، وفي قلب كلّ نجم“.

الإله الثالث في كونيّات ثيليما هو رع-حور-خوت، المجسّد لـ”حورس“، يرمز إليه برجلٍ برأس صقر يتربع على عرشٍ ويحمل صولجاناً، وهو المرتبط بالشّمس والطاقة في السحر الثيلميّ.

صورة مسلة الكشف توضح نوت، هاديت ممثّل بالكرة المجنّحة، رع-حور-خوت على عرشه، وصانع المسلة الكاتب عنخ أف-نا-خنصو.

صورة مسلة الكشف توضح نوت، هاديت ممثّل بالكرة المجنّحة، رع-حور-خوت على عرشه، وصانع المسلة الكاتب عنخ أف-نا-خنصو.

وضّح كتاب القانون، من بين أشياء عديدة، أنّ ”ثيليما هي كلمة القانون“ و”افعل ما تشاء هو كل القانون“، وقد عمد كراولي خلال مسيرة حياته إلى تطوير فلسفة ثيليما، وأثمر عن ذلك نتاجاً ضخماً من الأعمال والتعليقات التي ترتبط بالسحر Magick، واليوغا، والكابالا، ومواضيع أخرى متعلقةً بالتنجيم، وحقيقةً أن جميع تلك الأعمال استندت إلى فهم وتأويلات كراولي بصفته ”نبي العصر الجديد“.

تقول إحدى النظريات بأن كل فصل من كتاب القانون يشير إلى أحد عصور التطور الروحي البشرية، طبقاً لوجهة النظر هذه، يمثل الفصل الأول ”عصر إيزيس“، عندما كان النموذج البدئي للإلهة اﻷنثى هو اﻷسمى، بينما يشير الفصل الثاني إلى ”عصر أوزيريس“، الذي يعتبر النموذج الأولي للإله المقتول، وعرف هذا العصر تأسيس أول الأديان البطريريكيّة، بينما يبشّر الفصل الأخير ببزوغ العصر الجديد ”عصر حورس“، ابن إيزيس وأوزيريس، وهو العصر الذي ستكشف فيه فلسفة ثيليما إلى البشرية تماماً، وستصبح النموذج الأساسي للتطور الروحي للكائنات.

صورة إيزيس وأوزيريس بينهما حورس

صورة إيزيس وأوزيريس بينهما حورس

نذكرُ أهم المعتقدات في دين ثيليما:

1. ”كل رجل أو امرأة هو نجم“: يشير هذا المفهوم إلى أن كلّ إنسانٍ هو فريدٌ بذاته، ويملك دربه الخاص في الفضاء الكوني، والذي يستطيع أن يسير عليه بحريّةٍ تامةٍ دون قيود.

2. ”لا حق لك إلا في تحقيق مشيئتك“: يعتقد أغلب الثيلميّون أنّ الإنسان يملك إرادة حقيقية، وهي الدافع الوحيد والكليّ للوجود، وينصُّ قانون ثيليما على أنّ الإنسان يتبع إرادته الحقيقية لتحقيق كماله وتحرّره من قيود طبيعته البشرية.

لكن هذا القانون يحرّم اعتراض الإرادة الحقيقية لشخص الآخر، إذ لا تتقاطع إرادتان طبقاً للقانون الأول ”كل رجل أو امرأة هو نجم“، ويعتبر مفهوم الحريّة التامة لتحقيق الإرادة مقدسا عند الثيلميّين.

كما تشير هذه الفلسفة إلى أن كلّ شخص يسير على درب ثيليما عليه أن يكتشف إرادته الحقيقيّة أولًا، موضّحة أهمية السّحر كطريقة لاكتشاف النفس. والسحر الثيلميّ نظامٌ من أنشطةٍ فيزيائيٍة وعقليةٍ وروحيةٍ، والتي يعتقد ممارسوها بفائدتها. يعرّف كراولي السّحر Magick على أنه ”علمُ وفُّن إحداث التغيير ليتوافق مع الإرادة“، ويُكتب بالـk لتمييزه عن السحر العادي Magic.

بما كلّ إرادة حقيقية هي فريدةٌ بذاتها، إذ لكل شخص نظرته المختلفة إلى الكون، فإن أحداً لا يستطيع أن يحدد الإرادة الحقيقية لشخص آخر.

3. ”الحب هو القانون، الحب أساس الإرادة“: وهذا استنتاجٌ مهم لما سبق، أي الإشارة إلى أن الطبيعية الحقيقيّة لقانون ثيليما هو الحب، إذ يتحد كلّ إنسانٍ مع ذاته عن طريق الحب، وتتعاظم قوته، ويتحد كون الكائنات الواعية بأكمله مع كلّ كائنٍ من خلال الحب.

وبالتأكيد على الحرية والتفرّد لكلّ إنسان، تختلف معتقدات كل ثيلميّ عن الآخر، وتنص تعليقات كراولي على كتاب القانون على أنّ: ”كل أسئلة القانون يكون جوابها بالرجوع إلى كتاباتي وتقبّلها، كلّ شخصٍ على حدى“.

على الرغم من الإشارة إلى ثيليما على أنها دين، إلا أنها تتسع لكل المعتقدات، من الإلحاد إلى الإشراك (تعدد الآلهة). الشيء المهمّ أن لكل شخص الحريّة في اعتناق ما يشاء من المعتقدات، طالما لا تتعارض مع إرادة الآخرين، وهو الوحيد المخوّل بتحديدها.

الحبّ هو القانون، والحبّ أساس الإرادة.

عدد القراءات: 10٬936