اجتماعيات

دخلك بتعرف الهيبيز Hippies، ”مارسوا الحب لا الحرب“

حركة الهيبيز

تقتصر مفاهيم غالبية الشعوب حول الهيبيز على كونهم مجموعة من الشبّان الذين يدخنون الحشيش بشكل مستمر، لا يكترثون لأي شيء في العالم ولا حتى الإستحمام، يحبون الإنطواء والعزلة، ويلبسون ثياب غريبة وفضفاضة ضمن سياراتهم التي تشبه الباصات شديدة التلوين والبهجة مع موسيقى الروك أند رول.

لكن حقيقة الهيبيز تتعدى هذا المفهوم بشكل كبير، لتصل إلى كونها إحدى أهم الحركات اليسارية الثورية التي حاربت العنف والنمطية الإجتماعية، وكافحت لأجل الحب والسلام في الأرض.

ما هي حركة الهيبيز ومن هم أفرادها؟

حركة الهيبيز، هي حركة ثقافية إجتماعية، نشأت أساساً في بداية ستينات القرن الماضي ضمن حرم جامعي رفضاً للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع الأمريكي، وسرعان ما تحولت إلى تجمع عالمي ضخم، حيث ازدادت شعبيةً وحجماً على مستوى العديد من المجتمعات لاسيما في كندا وبريطانيا.

تعود تسمية الحركة إلى كلمة ”Hip“، وهي الإيقاع الموسيقي الأشهر في حقبة الخمسينات، أو كما كانت تعني في بداية القرن الماضي ”أن تفتح عيون الآخر“، وبحسب وصف أبناء ”الجاز“ من الأفارقة الأمريكيين؛ ”المعقّد العصري صاحب الموضة الفريدة“.

ولعلّ أبرز من اتّبع هذا النمط الموسيقي آنذاك هما ”آلن غينسبرغ“ و”جاك كيرواك“، اللذان يعدان أول رائدين لحركة الهيبيز، وفي يومنا الحالي، لا تزال كلمة Hippie تستخدم للإشارة إلى الأطراف اليسارية التي تثور على نمطية وتقاليد المجتمع.

شَعَرَ الهيبيز بنفور من الطبقة الوسطى في المجتمع، والتي كانت من منظورهم محكومة بالماديّات والكبت والخضوع، فعمدوا إلى ابتكار وتطوير نمط حياة خاص بهم بدءاً من الملابس والطعام وصولاً إلى المبادئ وأساليب الحياة.

مال الهيبيز إلى الإنسحاب من المجتمع التقليدي، متخلّين عن الوظائف والمهن الإعتيادية، رغم أن عدداً منهم طوّر عمله الخاص الصغير للإهتمام بباقي الهيبيز.

ولعلّ أروع مافي حركة الهيبيز هو دعمهم للحب والسلام ومناهضتهم للعنف بكافة أشكاله، متخذّين من عبارة ”مارسوا الحب لا الحرب“ شعاراً لهم، كما روّجوا للانفتاح والتسامح كبدائل لتقييد الحريات والأنظمة الصارمة والعسكرية التي شهدوها لدى مجتمعات الطبقة الوسطى، فغالبية القيم التي تمحورت حولها حركة الهيبيز كانت تعتمد على أسس الغيرية والصوفية الباطنية والصدق والسعادة واللاعنف والسلام.

حركة الهيبيز

مارس الهيبيز غالباً علاقات جنسية مفتوحة، وعاشوا ضمن أنواع مختلفة ومتنوعة كمجموعات عائلية، وبحثوا غالباً عن الإرشاد الروحي من مصادر خارجة عن التقاليد المسيحية واليهودية، خصوصاً البوذية منها والعديد من الديانات الشرقية الأخرى، وجمعوا منها ما يناسبهم لتكوين سلام روحي خاص بهم، وكان العديد منهم نباتياً، حيث دعموا بشكل كبير الحركات البيئية ونددوا بانتهاكات الإنسان ضد الأرض، كما قد عقد أول يوم عالمي للأرض بالتزامن مع حركتهم عام 1970.

رغم أن نشوء الحركة ارتبط جزئياً بمعارضة التدخل الأمريكي في حرب فيتنام (1955-1975)، إلّا أن الهيبيز لم يرتبطوا بشكل مباشر بالسياسة، على عكس نظرائهم الناشطين المعروفين باسم الـ(يبيز) ”حزب الشباب العالمي“.

كذلك كان علم التنجيم ذا شعبية كبيرة لديهم، حيث أشاروا لتلك الفترة على أنها عصر الدلو (ومن هنا أتت تسمية حفل وودستورك بـ”معرض الدلو: ثلاثة أيام من الحب والسلام“).

روج الهيبيز للتعاطي، خصوصاً الماريخوانا والـLSD، مبررين ذلك على أنه طريقة لتوسيع الوعي والتفكير، فنوع الحشيش الذي كانوا يتعاطونه لم يكن يسبب فقدان للوعي أو هلوسات تسبب الإنفصال عن الواقع كما قال مناهضوهم، بل كانت تساعدهم على التركيز والوصول إلى أعمق نقطة في وعيهم.

وقد أثّرت كل من موسيقى الروك والفولك في حركة الهيبيز حتى أصبحت جزءاً مكملاً لثقافتهم، فالمغنيين من أمثال ”بوب ديلن“ و”جوان بيز“، والفرق الموسيقية كـ”البيتلز“، و”غريتفول ديد“، و”جيفرسون إيربلاين“، و”رولينغ ستونز“، كانوا أكثر الذين إرتبطوا بالتعريف مع حركة الهيبيز.

الهيبيز بأزيائهم وفنونهم الفريدة التي كسرت النمطية:

إشتهر الهيبيز بأزيائهم التي كسرت النمطية الإجتماعية والجندرية، وصار الذكور والإناث يقومون بإطلاق شعورهم لتصبح طويلة، فكان بإمكانك أن تعرف أفكار ومبادئ الآخرين بالنظر إلى شعورهم، حيث كان طول الشعر دلالة على رفض النمطية وثورة على طريقة تعامل الحكومة مع المجتمع.

مال الهيبيز إلى ارتداء الملابس الفضفاضة والمصنوعة من الألياف الطبيعية كالقطن والقنب، وتحاشوا ارتداء الملابس المنمّقة والتي تطلب عناية، لاسيما التجارية منها، وتحولت السراويل الأنيقة والكنزات ذات العنق الطويل إلى بلوز وجينز وتنانير فضفاضة، حيث فضّل الهيبيز أي شيء مصنوع يدوياً سواء محاكاً أو محبوكاً، حتى تحول الأمر إلى صناعة ملابسهم بنفسهم عبر تقنية صباغة الأقمشة المربوطة ”Tie-Dye“ لتشكيل الرسمات والتصاميم التي يريدونها.

واحتوت أكسسواراتهم وتصاميمهم على شعار السلام وتصاميم الورود والفنون السايكاديلية، والكثير من الألوان بشكل أساسي إشارة للسّلام وإظهاراً للجمال الطبيعي في خضم بشاعة العالم، ولأن الهيبيز كانوا متأثرين جداً بالموسيقى، كانت الفتيات ترتدين قلادات مصنوعة يدوياً تحوي شعار السلام، والعديد من الأجراس التي تصدر أصواتاً مختلفة تبجيلاً لأهمية الموسيقى.

ولعلّ أكثر المواضيع تميزاً في أزياء الهيبيز هي خروجها عن حدود التمييز الجندري، حيث اختار الهيبيز إرتداء الثياب والحلي التي تتطابق مع كلى الجندرين، كالقبعات والنظارات الدائرية قديمة الطراز وعصبات ووشاحات الرأس والصنادل في الأقدام، مع الشعر الطويل واللحية البسيطة للرجال، ومساحيق التجميل الخفيفة أو المعدومة للفتيات، غالباً دون ارتداء الصديريات.

أزياء الهيبيز هي خروجها عن حدود التمييز الجندري

أزياء الهيبيز هي خروجها عن حدود التمييز الجندري

ككل، كانوا متأثرين جداً بالأزياء والحضارات البوهيمية الغجرية والهندية و الآسيوية والأمريكية الشمالية واللاتينية، فلقد تغيرت الأزياء مع حلول الستينات وحركة الهيبيز بشكل كبير، حتى أصبح الشباب هم من يختارون ما هو مقبول، ورغم أنها ليست الحركة الشبابية الأولى التي أحدثت تغيراً في مفاهيم الأزياء، إلّا أنها كانت الأكثر تأثيراً حتى الآن.

كما اشتهر الهيبيز بملصقات حفلاتهم السايكاديلية التي تأثرت بنمط الـ”Pop Art“ و”Art Nouveau“ وحركة ”دادا السريالية“. إضافة إلى سيارتهم التي كانت أشهرها ”Volkswagen bus“، الممتلئة بالرسومات والتصاميم الهيبية السايكاديلية متنوعة الألوان، والتي كانت رائدة حفلاتهم ورحلاتهم.

رسومات والتصاميم الهيبية السايكاديلية متنوعة الألوان

رسومات والتصاميم الهيبية السايكاديلية متنوعة الألوان

زمن التغيير والإنطلاق لمحاربة العنف والحرب بالسلام:

بالنسبة للعديد من الفئات، تعد حركة الهيبيز الأمريكية نتيجة مباشرة للعديد من الصراعات المحلية والعالمية التي حدثت في الخمسينيات، فالحرب الكورية التي اعتبرها الكثير من الأفراد كارثة ضخمة أطلقت شرارة حقبة ”الشاعرية الرعوية“ الخمسينية، واستمرت حتى تجربة القنابل الهيدروجينية الكارثية عام 1954.

وأشهر ما حرّك تجمعات الهيبيز هو حرب فيتنام، استمر صراع أمريكا-فييتنام حولي 20 سنة، ما دفع حركة الهيبيز للإنتفاضة ضد التيار الأمريكي السائد، إيقاظاً لوعي المجتمع، حيث أرسلت الحكومة الأمريكية في منتصف الستينات كمية ضخمة من الجنود إلى فيتنام لزعزعة استقرارها وتدمير حكومة فيتنام الشمالية الشيوعية، التي كانت مدعومة من قبل الإتحاد السوفيتي والصين.

رغم أن الحرب في فيتنام كانت تحمل طابعاً شعبياً في بدايتها، إلّا أن النزاع الأبدي الذي لم يبدُ أنه سينتهي أثار موجة غضب عارمة لدى الشعب، وذلك لكثرة خسارة الأرواح والسياسية المجنونة المتّبعة في الحرب.

بعد مدة قصيرة، قام العديد من الطلاب والجنود القدامى والهيبيز بالتظاهر في كل مكان في أمريكا وحتى مختلف دول العالم، وسرعان ما تغيرت وجهة النظر الوسطية للمجتمع الأمريكي المؤيدة للحرب حول النزاع القائم في فيتنام، ومن هذه الاحتجاجات إشتهرت حركة الهيبيز الأمريكية نتيجة لأثرها الواسع في الإعتصامات والتظاهرات المناهضة لحرب فيتنام، وساعدت على تحديد دورهم في فترة الستينات الصاخبة.

على طريق التغيير: جيل البيت Beat (جيل الإيقاع)

كانت مجموعة ”جيل البيت“ أساسياً مجموعة من الكتّاب الشباب الذين خاضوا التحولات الإجتماعية الثقافية الغريبة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في أمريكا، وتعتبر رائدة حركة الهيبيز في فترة الستينات، حيث كانت المجموعة أولى حركات الثقافة المضادّة للتقاليد السائدة، متضمنة حرية تعاطي المخدرات والتحرر الجنسي واستخدام الشتائم أو الإيحاءات الجنسية في كتاباتهم وأعمالهم، فكان الكتّاب والمؤلفون من أمثال ”غينسبرغ“ و”بوروز“ و”كيرواك“ أشهر كتّاب جيل البيت آنذاك، ولطالما كانوا مركز الجدل في المجتمع الأمريكي بسبب غياب الرقابة على كتاباتهم التي تخللتها الكثير من الشتائم والجنس.

إلتقى العديد من كتّاب جيل البيت في جامعة كولومبيا، وانتهوا في مناطق الساحل الغربي كسان فرانسيسكو وبيغ سور. ورغم أن مجموعة جيل البيت كانت حركة أدبية بشكل أساسي، إلّا أنّها عرفت على المدى الواسع كحركة حملت تأثيراً كبيراً على حركة الهيبي المشحونة موسيقياً.

فحوص الأسيد والـLSD ”كين كيسي وميري برانكسترز“:

لعلّ أشهر المجموعات التي حملت لقب ”أول“ مجموعة ضخمة للهيبيز هي مجموعة ”كين كيسي وميري برانكسترز“.

عرفت مجموعة كيسي غالباً بأنها الرابط الضخم بين مجموعة جيل البيت في نهايتها، وحركة الهيبيز الأولية الستينية في بدايتها، فكانت مجموعتا كينسي وبرانكسترز تمثلان مجتمعاً مكوناً من أصحاب ”العقل والمزاج المشترك“ في كاليفورنيا وأوريغون، حيث خاض أفراد المجتمع رحلات طرقية فريدة، مسافرين بباصات مدرسية ملونة بألوان مبهجة، ومتعاطيين كميات كبيرة من المخدرات القوية كالـLSD الذي كان قانونياً حتى عام 1965.

سافرت المجموعة إلى كل نواحي أمريكا، واستضافت الحفلات الشهيرة، وقدمت كميات ضخمة من مخدر LSD، وساهمت في تحديد الشكل الخارجي للهيبيز المتمثل بالشعر الطويل والملابس الغريبة الفريدة.

أمّا عن مجموعة برانسكترز على وجه التحديد، فإن أشهر الأحداث التي ساهمت في تأسيسها ضمن المجتمع الأمريكي هي حدث فحوص الأسيد، حيث كانت الكثير من المجموعات خلال هذا الحدث تتعمد شرب كميات كبيرة من الـ”Kool-aid“ وهو بودرة تضاف إلى الماء لإعطائها نكهة الفاكهة، ممزوجة بمخدر LSD، لمحاولة خوض رحلات مجتمعية التوجّه، وعرفت مجموعة برانسكترز أيضاً بتجاربها مع عصابة ”Hells Angels“ الشهيرة بأصحابها من روّاد دراجات هارلي دافيدسون، إضافة إلى فرقة الروك الشهيرة The Grateful Dead.

صيف الحب ”The Summer of Love“ وأطفال الورود ”Flower Children“:

يعد صيف 1967، أو ما يعرف بصيف الحب، واحداً من أشهر وأهم التجمعات الضخمة السياسية والإجتماعية في تاريخ أمريكا الحديث، ففي هذا الصيف، إجتمع أكثر من 100,000 فرد من الكتّاب والمؤلفين والفنّانين والناشطين والحالمين الهيبيز وانتقلوا معاً إلى تقاطع ”هايت-أشبوري“ في سان فرانسيسكو بهدف إنتاج نموذج إجتماعي جديد يختلف عن المجتمع النمطي السائد في أمريكا، ورغم أن العديد من الأشخاص يذكرون صيف الحب مرتكزاً في سان فرانسيسكو فقط، إلّا أن الهيبيز تجمعوا في العديد من المدن الكبيرة في أمريكا، إضافة إلى كندا وأوروبا.

وتأتي أهمية هذا الحدث لكونه مركزاً ثقافياً لحركة الهيبيز حيث كانت ممارسة الحب والإستماع إلى الموسيقى وتعاطي المخدرات والمظاهرات المناهضة للحروب والحياة الشعبية المشتركة هي نمط الحياة الطبيعية.

صيف الحب يونيو 1967 سان فرانسيسكو – صورة: Bryan Costales/WikiCommons

كما أحدثت تلك الفترة نقلة نوعية على المستوى الثقافي لنوع الموسيقى ونمط الملابس وشكل الفن، وصارت الفرق الموسيقية المحلية من أمثال ”The Grateful Dead“ و”Jefferson Airplane“ معروفة باسم ”صوت سان فرانسيسكو“، ونفس الأمر بالنسبة لفناني الـ”الروك-بوستر“، حيث أنتج العديد منهم مثل ”ريك غريفين“، و”ألتون كيلي“، و”فيكتور موسكوزو“ مجموعة فريدة من الأعمال الفنية التي تميزت بخط اليد البسيط والألوان المذبذبة.

وعرفت مجموعات الفنانين مثل ”بيل هام“ و”بين فان ميتير“ على أنها ولادة جديدة لفن السايكدليك ”المخدر“ العصري، وبدأ مصممو الأزياء كـ”جين روز“ و”ميكي ميكغوان“ يخرجون عن نمطية الملابس المفروضة في المجتمع الأمريكي، ليصمموا أزياء تحوي مختلف أنواع التقنيات والأنسجة والألوان، كأعمال الجلد والتصاميم الملونة يدوياً، وملابس الحبك والنسيج.

ساعدت تلك الفترة أيضاً على إطلاق حركة ”أطفال الورود“ واسعة الانتشار، وفيها قام العديد من الأفراد بارتداء ملابس مزينة بالأزهار ومحتوية على تصاميم وردية، ووضعوا الورود على شعورهم ورؤوسهم، وقاموا بتوزيع الورود كرمز للإنتماء الكوني الذي يجمع كافة الفئات من مختلف المناطق، إضافة لنشر الحب والسلام.

وتزامن ذلك الصيف مع الثورة النسوية التي كانت على حافة الإنطلاق، فإلى جانب المظاهرات التي نددت بالحروب ودعت إلى إيقافها، قامت النساء بالتظاهر لأجل حقوق المرأة مطالبات بنمط حياة مختلف عمّا كان عليه في الخمسينيات، وتعمّدت العديد منهن على حرق صدرياتهن كرمز للإضطهاد الذي تعاني منه النساء في المجتمع.

وفي نهاية كل الحفل، نظم بعض الهيبيز ”جنازة ساخرة“ للتأكيد على انتهاء صيف الحب، وذلك لإقناع الوسائل الإعلامية بالكف عن تغطية مكان التجمع، عبر حرق الصحف وبعض الملابس الهيبية، حيث قام القادة بحمل كفن على أكتافهم مكان التجمع في شارع هايت، ووقفت جموع الهيبيز في زاوية ”هايت-أشبري“ انحناءً ”لوفاة“ الحفل، فمن خلال هذا الأداء الساخر، هدف الهيبيز إلى إيقاف إتجار الصحف والوسائل الإعلامية بنمط حياتهم، وتخصيص تجربتهم الإجتماعية بروح التيار السائد.

ثلاثة أيام من الموسيقى والسلام:

كان مهرجان وودستوك الأصلي في آب عام 1969، مهرجان موسيقى البوب في نيويورك، بالنسبة للعديد من الهيبيز وجيل الستينيات، ذروة سنين التجارب التي عملت على تغيير المجتمع وتقاليده.

عقد مهرجان وودستوك، أو كما يعرف باسم ”معرض الدلو: ثلاثة أيام من الحب والسلام – An Aquarian Exposition: 3 Days if Peace & Music“، لمدة أربعة أيام، وجمع حوالي نصف مليون فرد في مزرعة ”ماكس يازغر“ لإنتاج الحليب واللبن داخل منطقة ريفية في نيويورك.

جمع الحفل الذي خُطط ليكون على مدى ثلاثة أيام فقط العديد من الأشخاص من مختلف أنحاء العالم، حيث ذكرته صحيفة ”Rolling Stone“ على أنه من أهم 50 حدث في تاريخ الروك أند رول، وحصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي لعام 1970 بعنوان ”Woodstock“ وصار موضع جدل كبير وصل حد تهديده بالإغلاق.

تضمن المهرجان حوالي 32 عرضا موسيقيا أحياه عدد كبير من الفنانين والفرق الموسيقية مثل Santana وThe Grateful Dead وCreedence Clearwater Revival وJanis Joplin وSly and The Family Stone وThe Who وJefferson Airplane وJimi Hendrix.

ولعلّ أشهر حدث في تاريخ الإحتفال هو عرض جيمي هندريكس السايكاديلي أثناء تأديته لأغنية ”The Star-Spangled Banner“، حيث ساعد على تعزيز دور حركة الهيبي كمجموعة سياسية كافحت لدفع المجتمع للتفكير ملياً بالتقاليد العامّة والقيود المفروضة على المواطن العادي.

مهرجان وودستوك

مهرجان وودستوك – صورة: Mark Goff/WikiCommons

وخلال الحفل، كانت المخدرات والحشيش كالماريخوانا تباع بشكل علني للجميع، وكان الجميع حرّاً ليفعل ما يشاء طالما أن فعله لا يتضمن عنفاً تجاه الآخرين، بدءاً من تعاطي المخدرات أو تدخين الحشيش، وصولاً إلى عدم ارتداء الملابس أو ممارسة الجنس.

وأهم ما ميز الحفل هو غياب العنف بشكل كامل رغم وجود عدد هائل من الأشخاص من مختلف المناطق والخلفيات، إضافة للظروف المحيطة كالمطر والوحل وكميات المخدرات والكثافة السكانية وعدم وجود أماكن للاستراحة أو حمامات كافية، حتى أن المهرجان شهد حالتي ولادة لطفلين جديدين، ورغم أن المجتمع إعتبر الهيبيز فئة تكره النظافة، إلّا أن حوالي 8 آلاف فرد منهم بقي بعد نهاية المهرجان لمدة يوم لتنظيف المكان بشكل كامل.

وودستوك 1969

وودستوك 1969

تأتي أهمية مهرجان وودستوك بالنسبة للهيبيز كونه مثّل مجتمعاً مفتوحاً خالياً من الطبقية ومليئاً بالموسيقى والجنس والمخدرات والحب والسلام، فهدف الهيبيز بالتجمع وفعل ما يشاؤون كالسير دون ملابس أو تعاطي المخدرات دون تدخل حكومي أمني قد تحقق، أي أن الهيبيز نجحوا في إثبات أن أفراد المجتمع-المضاد يمكن أن يجتمعوا سوياً ويعيشوا بحرية مطلقة وبسلام كامل دون تدخل حكومي أو مسلح من قبل الشرطة وقوى الأمن والجيش، ولو تحول مهرجان وودستورك من مجرد مهرجان موسيقي إلى ثورة حقيقية، لكان العالم لا يشبه شكله الوحشي الحالي.

مسير الهيبيز:

مسير الهيبيز

مسير الهيبيز

”مسير الهيبيز – Hippies Trail“ هي اسم الرحلة التي خاضها أعضاء الهيبيز بين منتصف الخمسينات وحتى أواخر سبعينات القرن الماضي، بين أوروبا وشمال إفريقيا، لاسيما النيبال وباكستان والهند، وتعد الرحلة طريقة للسياحة البديلة، فواحدة من أهم البنود التي ميّزت هذه الرحلة هي محاولة الهيبيز جعلها أرخص ما يمكن، وذلك لقضاء أطول مدة ممكنة خارج حدود بلدهم، كما عمل الهيبيز على التفاعل مع السكان المحليين للدول التي قاموا بزيارتها أكثر من السيّاح العاديين.

كانت الرحلة تبدأ غالباً من دول في غرب أوروبا، كلندن أو كوبنهاغن أو برلين الغربية أو باريس أو أمستردام أو ميلان، وقد قام العديد من الهيبيز الأمريكيون بالسفر عبر الخطوط الجوية الأيسلاندية إلى لوكسمبرغ للتجمع كنقطة بداية.

مرّت معظم الرحلات من اسطنبول، حيث تفرقت الطرق، فالطريق الشمالي الإعتيادي كان يمر بطهران وقندهار وكابول وصولاً إلى الهند وآسيا الشرقية، أمّا الطريق البديل فكان يبدأ من تركيا ويمر من سوريا والأردن والعراق وصولاً إلى باكستان.

وكان على كل المسافرين اجتياز الحدود الباكستانية الهندية في ”غاندا سين والا“، أمّا عن الوجهة الأساسية في الشرق، فكانت ”ديلهي“ و”فرانساي“ و”غوا“ و”كاثماندو“ أو ”بانغوك“ أشهر الوجهات، حيث لا تزال كاثماندو تملك طريقاً اسمه ”طريق الاستثنائيين – Jhochhen Tole“، تيمناً بمسير الهيبيز الذي تضمن الآلاف منهم، وتمتد الرحلة إلى جنوبي الهند وبعض أجزاء سيريلانكا، ثم تتجه إلى أستراليا أخيراً.

إستقل الهيبيز باصات رخيصة أو قطارات أحياناً للانتقال من مناطق لأخرى

إستقل الهيبيز باصات رخيصة أو قطارات أحياناً للانتقال من مناطق لأخرى

ولإبقاء رحلتهم رخيصة قدر الإمكان، إستقل الهيبيز باصات رخيصة أو قطارات أحياناً للانتقال من مناطق لأخرى، لكن أشهر رحلاتهم كانت عبر المنازل المحمولة وراء باصاتهم المصنوعة والمزينة يدويناً أو داخلها، حيث احتوى بعضها على سرير وحمام، وعلى عكس رحلات السفر النمطية، لم يعطِ الهيبيز أي اهتمام لحجز الفنادق أو بطاقات الرحلات أو ما شابه، بل ”ساروا على هواهم“.

إنتهت رحلة مسير الهيبيز في أواخر السبعينات، تزامناً مع الثورة الإيرانية واجتياح الإتحاد السوفييتي لأفغانستان، كما فرضت دول مثل سوريا والعراق ولبنان فيزا صارمة على الوافدين من الغرب، وصار سكان كابول يفزعون من الهيبيز القادمين مع حشيشهم ونمطهم الغريب.

الهيبيز في عصرنا الحالي، تجمع قوس القزح Rainbow Gathering:

تجمع قوس القزح

تجمع قوس القزح

يتجمع سنوياً عدد من الأفراد المنتمين لمجتمعات مختلفة في غابات بعيدة من مختلف أنحاء العالم لمدة أسبوع أو أكثر، وذلك لعيش مفاهيمهم المشتركة عن السلام والتناغم والحرية والإحترام.

يسمح للجميع بالمشاركة في التجمع، ويطلق المجتمعون على أنفسهم اسم ”عائلة قوس القزح“، وتهدف هذه التجمعات إلى خلق مجتمع وثقافة أكثر إرضاءً من المجتمعات النمطية، مجتمع خالٍ من الإستهلاكية والرأسمالية ووسائل الإعلام الجماهيرية، مجتمع غير هرمي ولا يحوي طبقية اجتماعية، يعزز السلام العالمي، ويمثّل نموذجاً إصلاحياً لتيارات المجتمعات النمطية ذات التقاليد المتحفظة.

تأثر أفراد التجمع بالحركة الإجتماعية الثورية للهيبيز في الستينات، وبمهرجانات الروك غير التجارية في السبعينات، إضافة للبوهيميين، فعدّوا أنفسهم حركة ”تنشيط وإحياء“ تمتلك الكثير من الفلسفات والأنشطة المتجذرة بالعادات اليوتوبية التاريخية في منتصف القرن التاسع عشر.

عقد أول تجمع قوس قزح عام 1972 في كولورادو في أمريكا، حيث حضره أكثر من 20 ألف فرد، أمّا في الثمانينيات، فصارت التجمعات تعقد خارج أمريكا الشمالية تعبيراً عن إستقلاليتها، وارتبطت بأحداث كثيرة حول العالم، وحتى الآن تعقد الإجتماعات السنوية لتجمع قوس القزح في مكان مختلف من حول العالم، كأمريكا أو أوروبا أو أستراليا، إلّا أنّها أكثر تعقيداً من حركة الهيبيز الأصلية نتيجة تغير مفاهيم العالم الجديد واتساع الإعلام، حيث صاروا يجهزون أماكن تجمعاتهم مسبقاً مع الطعام والإقامات والكوادر الطبية، على عكس الهيبيز الأصليين الذين عاشوا حياتهم دون تنظيم وتخطيط كبير.

الهيبيز كافحوا (ولا زالو يكافحون) لأجل تقديم الحب للجميع دون انحياز، ورفضاً للحرب والكراهية. يؤمن الهيبيز بالمساواة للجميع، ويحاولون قدر الإمكان إبعاد أنفسهم عن الأنظمة المجتمعية كالإقتصاد والسياسة، ولا يتعاطى الهيبيز المخدرات والحشيش للانفصال عن الواقع، بل ليتمكنوا من توسيع وعيهم وابتكار طرق جديدة للتفكير وتكوين علاقات عميقة مع الآخرين.

وقد أسسوا حركتهم بشكل أساسي للكفاح والتظاهر ضد إساءة الإنسان للطبيعة والهواء والماء والتربة والغابات، وضد الطبقية والنمطية ومطاوعة العادات والتقاليد السائدة بشكل أعمى، وضد الحروب وكل أشكال العنف والكراهية الممارسة ضد الآخرين.

رغم أن النظرة النمطية التي كوّنها المجتمع عن أن الهيبيز هم مجموعة من الأشخاص الذين يحبون الجنس والمخدرات والفاحشة، أشخاص كسولون لا يريدون فعل أي شيء ولا حتى الإستحمام، إلّا أنّهم بحقيقتهم مجموعة من الأفراد الذين يحملون قضية كبيرة، وقد فعلوا الكثير وغيروا العالم حقاً.

كيف يمكن لحركة الهيبيز أن تنقذ المجتمع العربي:

ولدت حركة الهيبيز الستينية في أمريكا من خضم المجتمع الأمريكي الذي يتشابه بطبيعته آنذاك مع مجتمعنا العربي حالياً، فحرب الفيتنام والحكم العسكري المسلح كانت أولى الدوافع التي أطلقت ثورة الهيبيز التي تدعو إلى إيقاف الحرب ومناهضة العنف من قبل الجميع، ما يشابه تماماً حالة الحروب والنزاعات الكارثية التي تعاني منها غالبية الدول العربية اليوم، والتي تحتاج إلى ثورة سلمية سلامية لإيقاف شلال الدم.

أمّا السبب الأساسي الذي أطلق العنان لحرية الهيبيز، هي السطحية والنمطية المجتمعية ذات القطب الواحد التي حكمت المجتمع الأمريكي حتى أواخر سبعينات القرن الماضي، محاكياً مجتمعنا المحكوم حتى الآن بالعادات والتقاليد والمحرّمات التي تحارب التغيير وتهلل للنمطية، فحركة الهيبيز بكافة مجالاتها الإجتماعية والفنية، كسرت سيادة التيار الواحد المفروض على الجميع، وفتحت الأبواب أمام الإختلاف والحرية والتنوع الإجتماعي، وهو ما نحتاجه كثيرا في يومنا الحالي للتحرر من كل القيود التي تكبّل المواطن العربي، لاسيما المختلف.

أي أن الفترة الحالية هي فترة مثالية لقيام حركة هيبيز عربية، تنقذ ما تبقى من تميز المجتمع، خصوصاً في ظل الثورة الموسيقية البديلة التي يحييها عدد من الفرق والمغنيين العرب ضد الاضطهاد والمحرّمات لكسر الحدود والخطوط الحمراء المفروضة على الشباب العربي، لاسيما أن حركة الهيبيز الستينية قد نالت كل شحنتها من الفن والموسيقى التي تدعو للحرية واحترام الإختلاف والسلام.

نحن اليوم بأمسّ الحاجة لحركة هيبيز عربية نابعة من قلب الجيل الجديد، تناهض الحرب والحكم الديني العسكري، وتثور على العادات والتقاليد التي تحارب الحب والحرية، وتزيح الغشاء عن عيون المواطنين الخاضعين للمسلمات كالقطيع، وتكافح لأجل الحصول على السلام بطريقة تخلو من العنف، عبر ممارسة الحب، لا الحرب.