اجتماعيات

تحليل نقدي: لرواية ثورة النساء، للكاتب الإسلامي عبد الودود يوسف

رواية ثورة النساء للكاتب السوري الإسلامي عبد الودود يوسف.

كثيرًا ما نجد في الأدب العربي والإسلامي القصص والروايات ”الهادفة“، وهي تلك القصص والروايات التي تحمل غرضًا ما ورسالة كامنة في سطورها، غالبًا ما تحمل هذه القصص في طيات صفحاتها إشارات وإلهامات دينية أو عرفية مباشرة أو غير مباشرة، وتنتهي بالتلميح للقارئ أن عنصرًا ما في الدين أو العرف هو في نهاية المطاف الحل الأمثل لمعضلة الرواية، فإما أن تتوصل شخصيات هذه الرواية لهذا الاستنتاج خلال الأحداث، أو أن يكون الكاتب قد حاك أحداث الرواية وظروفها بحيث تجعل القارئ يعتقد أنه لو وجد العنصر الديني أو العرفي هذا في حياة الشخصيات أو ظروف الرواية لما عانت تلك الشخصيات من المعضلة المقدمة في الرواية.

أتاني أحد قرّائي منذ فترة ليناقشني في بعض أمور الدين، وبعد القليل من الحوار قام بإعطائي رواية قصيرة، قال لي أنها  ستسمح لي برؤية ”شيء جديد بطلة من نافذة جديدة على الإسلام.“ تلك الرواية هي رواية ثورة النساء للكاتب السوري الإسلامي عبد الودود يوسف.

ملخص الرواية

رواية ثورة النساء للكاتب السوري الإسلامي عبد الودود يوسف.

تدور القصة حول شخصية طفلة فرنسية في الثالثة عشرة من عمرها تدعى (سامورا)، وقد ساء حظها بعد أن تعرضت لإصابة في رأسها واضطرت لدخول المستشفى لتجد بعد تعافيها أن تكاليف علاجها لم تدفع، فأمها (والتي قد انفصلت عن أبيها ويتردد عليها العشاق من اليمين والشمال بشكل يومي) تركت التكاليف على أبيها، وأبوها الذي ينتقل من امرأة لأخرى هو كذلك ترك التكاليف على الأم بدوره، فتركاها دون دفع التكاليف.

فعرضت سامورا المسكينة على مدير المشفى (المسيو أندريه) أن تسدد تكاليف علاجها من خلال العمل لديه، فأمضت سامورا الطفلة الشهور الثلاثة التالية في العمل الشاق للمشفى، وفيها تعرضت سامورا لمضايقات جنسية عديدة وطلبات ”للسهر“ من قبل ”الذئاب“ الذكور الذين يعملون هناك، من ضمنهم المدير أندريه ورئيس قسم التشغيل (المسيو جابون).

كادت سامورا المسكينة التي لم تعرف ما معنى ”السهر“ أن تسقط فيها لو لا مساعدة صديقتها ورفيقتها سوندا التي اشترت لها بنطالًا لترتديه سامورا أثناء السهرات حتى لا يتمكن الذئاب من النظر لساقيها والمس بها.

بعد أن تمكنت سامورا من تسديد تكاليف علاجها، عادت لمنزل أمها والتي لم تفتقدها من الأصل لشدة انشغالها بالعشاق المتدفقين لبيتها، ولم تطل عودة سامورا (ذات الأربعة عشر عامًا) لبيتها، فأمها لم ترحب بها طويلًا، وتركت سامورا البيت مع رفيقتها (سوندا) والتحقتا بمعهد للسكيرتاريا، والذي لا يقبل إلا طلبات الجميلات.

هناك وقعت سامورا في حب أحد المدرسين، الدكتور (سوفان)، والذي وقع في حبها كذلك، وهنا بدأت ”ثورة“ سامورا، والتي رفضت أية تقدمات من سوفان إلى أن يوافق على شروطها، وهي أن تكون ”زوجة لا عشيقة، ابنة لا لقيطة، أمًا لا ملهاة“، له وحده دون عشيقات، يقبل أن يعطيها الأولاد، وأن يسمح لها بالعمل بما لا يعيق خدمتها له وأولاده (لاحظ التأثير الإسلامي في شروط سامورا).

وانتهى الأمر برفض ”الذئب“ سوفان لهذه الشروط، وثورة جميع النساء في باريس على الذئاب من أصحاب العمل الذين يستغلون عاملاتهم جنسيًا، والأزواج الذين يستمتعون بالعشيقات دون الزوجة ليل نهار.

رسالة الكاتب

من الواضح أن الكاتب أراد من قصته هذه أن يوضح كيف يكون وضع المجتمع دون الضوابط الدينية التي؛ برأيه والكثير ممن يؤمنون بمبادئه، من شأنها أن تكبح وتنظم شهوة الرجل الجنسية التي لا تشبع، من خلال سن القوانين الإلهية حول العلاقات الزوجية والعلاقات الجنسية خارج الزواج والعقوبات التي تلحق من يخالفها.

وأحداث القصة؛ برأي الكاتب، هي النتيجة الطبيعية لغياب هذه القوانين، فالعلاقات الجنسية السهلة والمتاحة هي السبب في التفكك الأسري الذي عانت منه عائلة سامورا، وبسببها اضطرت سامورا للعمل في المستشفى، وغياب الوازع الديني والقيود على الجنس هي ما جعلت من رجال باريس ذئابًا ينالون من كل امرأة وفتاة (وطفلة) تقع تحت أيديهم، وهذا بدوره أدى لتفشي ظاهرة اللقطاء في المدينة، ومنهم سوندا، وغياب التربية والرعاية والتعليم والحماية لهؤلاء اللقطاء.

فلو طبقت فرنسا قوانين مثل قوانين الإسلام، لما تفككت الأسر، ولما وجد اللقطاء، ولما تذأبن الرجال، ولما ظلمت النساء، ولما وجدت سامورا نفسها في المستشفى لا تدري من أين تسدد تكاليف علاجها.

المجتمع الفرنسي: بين الواقع الفعلي وخيال الكاتب

لا شك أن المجتمع الفرنسي، كباقي المجتمعات، يعاني من حصته من المشاكل الاجتماعية والأسرية، لكن الوضع المأساوي الذي يصفه الكاتب في روايته لا يمت للواقع الفرنسي بصلة.

ولد عبد الودود يوسف في حمص في سوريا عام ١٩٣٨، وهي البلد التي نشأ فيها وترعرع. درس في مدارس حمص الشرعية، وانتهى به المطاف بالانتساب لجامعة دمشق في كلية الآداب ثم كلية الشريعة، وانتقل بعدها للقاهرة حيث حصل على شهادة الماجستير وشرع في الدكتوراه قبل اعتقاله عام ١٩٨٠ في ظل تهم التآمر على النظام، عاد بعدها إلى سوريا حيث تم اعتقاله مرة أخرى، واختفى أثره منذ ذلك الحين.

باختصار، أمضى يوسف حياته كاملة في سوريا ومن بعدها في مصر، ولم يطأ تراب باريس يومًا في حياته، ولم يدرس تاريخ فرنسا ولا حاضرها، ولعل أبرز دليل على جهله الكامل بفرنسا والمجتمع الفرنسي هي استخدامه لأسماء ذات وقع فرنسي، لكنها في الواقع ليست أسماءً فرنسية حقيقية (باستثناء أندريه).

لكن جهله في عادات وأعراف وقوانين المجتمع الفرنسي لا تقف عند الأسماء، وما يلي أبرز النقاط التي تجاهلها، أو جهلها، الكاتب أثناء سرده لأحداث روايته والتي من شأنها أن تغير قواعد اللعبة بالكامل.

– أولا:

إن الرعاية الصحية الطارئة في فرنسا، كما في معظم الدول الأوروبية، مجانية، حيث تقوم فرنسا بتوفير الخدمات الصحية الطارئة بشكل مجاني لجميع مواطنيها وغير مواطنيها عبر خدمة المعونة الطبية العاجلة (SAMU).

أي حين تدخل سامورا المستشفى، يتم علاجها بشكل كامل ودون أية فواتير مالية أو تبعات مادية، سواء عليها أو على أبويها.

– ثانيا:

عمر سامورا في بداية القصة ثلاث عشرة سنة، أي هي قانونيًا طفلة، وهذا بذاته يترتب عليه ثلاثة أمور قانونية في فرنسا لم يكن الكاتب على دراية بها.

أ. إن نفقة ورعاية سامورا واجب قانوني على أبويها:

ينص القانون على أن ”الوالدان يتحملان واجب حماية الطفل من حيث الأمن والصحة والأخلاق وتوفير تعليمهم والسماح للطفل بالتطور مع إيلاء الاعتبار الواجب لشخصيتهم، كما يجب على كل من الوالدين المساهمة في صيانة الطفل وتعليمه.“ أي مخالفة لهذه الشروط تعرض أبويها للمساءلة القانونية والتجريم والسجن، وهذا بدوره يعني، لو افترضنا جدلًا لزوم دفع رسوم للعلاج، أن تكاليف هذا العلاج تقع على عاتق الأبوين.

ففي النظام الأمريكي مثلًا (لتعذر وجود مثال فرنسي)، في حال دخول القاصر المستشفى؛ يوقع أحد الأبوين عقدًا ملزمًا مع المستشفى على دفع التكاليف، وفي حال رفض الأبوين (أو عدم توفرهما)، يقوم المستشفى بعلاج الطفل طبقًا لقانون يلزم فيه الأبوين بالدفع دون التوقيع، وعليه تلاحق إدارة المستشفى الأبوين في حال التخلف عن الدفع، ولا يمكن لها أن تلاحق الطفل نفسه.

غياب الأبوين أو عدم إعطاء العنوان ليس بحجة، فالجميع مسجلون في سجلات البلدية ويمكن التواصل مع أي إنسان له عنوان أو مكان عمل أو حساب بنكي، إلا أن جميع هذه الإجراءات بلا لزوم بفضل العلاج المجاني في فرنسا.

وفي حال استمرار إهمال الأبوين لسامورا، يسمح القانون لمؤسسات حماية الطفل سحب حق الأهل في الوصاية على سامورا ويتم تحويلها للعيش مع أبوين بالتبني (وقبل أن يعترض أحدهم ليقول أن هذه مشكلة بذاتها، تقوم الدولة بفحص كامل وشامل عن أي أبوين يتقدمان للتبني، ويتم مراقبتهما للتأكد أنهما سيعطيان الطفل كامل المتطلبات والمستلزمات من العناية والرعاية والحنان، وفي معظم الأحيان يكون الأبوان بالتبني من أقارب الطفل).

ب. إن عمل سامورا في المستشفى عبارة عن جريمة جنائية يحاسب عليها القانون، حتى لو طلبت هي ذلك:

فحسب المادة L-٢١١-١ من قانون العمل الفرنسي، لا يحق لأي طفل دون سن السادسة عشرة أن يلتحق بأي عمل (بالطبع، هناك عدد من الاستثناءات لهذا القانون، كالعمل في الأعمال الترفيهية (كالتلفاز والأفلام)، وعندها على الجهة الموظِّفة الحصول على إذن كتابي من الممثل القانوني للطفل).

وتنفذ القوانين التي تحظر تشغيل الأطفال بصرامة من خلال عمليات تفتيش دورية يقوم بها مفتشو العمل، وهؤلاء لديهم الصلاحية لأخذ أصحاب العمل إلى المحكمة في حال عدم الامتثال لقوانين العمل.

وعليه في حالة سامورا، لا يمتلك أندريه أية صلاحية لإدراج سامورا في العمل، وحتى لو قام هو بمخالفة القانون، وحتى مع إهمال أهلها لها، ما كانت سامورا لتستمر بالعمل طويلًا، فالمستشفيات من أكثر المرافق العامة رقابةً عند الدولة، وعليه لكانت سامورا أخرجت من عملها وانتهت معاناتها بوقت أقرب بكثير من أحداث القصة.

ج. إن التعدي الجنسي على طفلة بعمر سامورا أمر يعاقب عليه القانون الفرنسي بالسجن والغرامات: 

فالمادة ٢٢٢-٣٣ من القانون الجنائي الفرنسي تنص على أن ”مضايقة أي شخص من أجل الحصول على خدمات ذات طابع جنسي“ تعد تحرشًا جنسيًا يعاقب عليه القانون.

والمصيبة مضاعفة حين تكون الضحية طفلًا، فتصرفات أندريه وجابون في الرواية تقع تحت المسمى القانوني ”إسقاط قاصر – مادة ٢٢٧-٢٢“، ويترتب التعدي على فتاة بعمر سامورا السجنَ لمدة عشر سنوات بالإضافة لغرامة مالية قد تصل لمليون يورو (أو ما يعادلها بالفرنك في ذلك الوقت)، وبعد انتهاء فترة السجن يتم تسجيل المعتدي على أنه مجرم جنسي ويجب أن يخبر جيرانه أينما ذهب، وأي مدير عمل أو صاحب مصلحة سيعمل عنده مستقبلًا أنه مجرم جنسي.

فالقانون الأوروبي والفرنسي لا يتراحم أبدًا مع حالات كما كان أندريه وجوبان يحاولان مع سامورا، وفي الحياة الواقعية (أي بمعنىً أخر لو كان للكاتب أي علم بقوانين فرنسا) فبدل أن تشتري سوندا لسامورا بنطالًا (لحماية ساقيها من التحرش)، كانت لتذهب للشرطة وتبلغ عن أندريه وجوبان ليتم اعتقالهما مباشرة.

– ثالثا:

يصف يوسف في روايته واقعًا فرنسيًا مأساويًا من ناحية تفشي ظاهرة اللقطاء في باريس، فسوندا لقيطة، وهامونيه كذلك، بل معظم عاملات المستشفى لقيطات بلا أب ولا أم. فما صحة هذا الوصف على الواقع؟

قد يكون وصف الكاتب أقرب قليلًا للحقيقة في أواخر القرن التاسع عشر، أما في فرنسا اليوم (وكذلك في فرنسا زمن الكاتب) فالقانون والدولة يحميان الغالبية العظمى من هذه الحالات بواحدة من عدة أشكال.

أ. حق المرأة في الإجهاض:

تعطي فرنسا والكثير من الدول الأوروبية (باستثناء الدول المتدينة كبولندا) الحق الكامل للمرأة في إجهاض جنين لا ترغب به (في حال فرنسا، هذا الحق يشمل أول اثني عشر أسبوعا من الحمل)، خصوصًا أولئك نتيجة الاغتصاب أو المعاشرات العرضية (كما كان متفشيًا في عالم يوسف الفرنسي).

وتوفر الدولة المراكز الطبية المجهزة بكامل المعدات والمستلزمات لإجراء عمليات إجهاض صحية وسليمة، وتمتد هذه الخدمات لتشمل القاصرات أيضًا، فلهن الحق الكامل في إجهاض أي جنين غير مرغوب به مع الإتيان بولي أمر أو؛ في حال تعذر وجوده أو رفضه للتواجد، الإتيان بأي راشد من اختيار الفتاة، وتوفر هذه المراكز أيضًا الأفراد بوسائل وقاية جنسية مجانية ولجميع الأعمار والفئات المجتمعية إن طلبوا ذلك.

ب. التربية الجنسية في فرنسا وباقي الدول الأوروبية إلزامية ومدرجة في المناهج الدراسية منذ عام ١٩٧٣:

وفيها يتعلم التلاميذ كل شيء عن الجنس وأساليب الجنس الآمن وكيفية الوقاية من الأمراض ومن الحمل غير المرغوب.

أي أن طفلة بعمر سامورا (ثلاثة عشر أو أربعة عشر عامًا) في فرنسا لن تردد ”لا أفهم ماذا تقولين“ حين تأتي سوندا لتحذرها من ”السهر“ مع مدراء المستشفى، بل ستكون على كامل الدراية والعلم وبالتالي سيصعب استغلالها جنسيًا ولن تكون بالسهولة المصورة في القصة.

ج. لا يمكن للأب أن يتهرب ويترك الفتاة مع طفلها بلا مساعدة:

حتى وإن فشلت العوامل أعلاه في منع الحمل والولادة غير المرغوبة فلا يمكن للأب أن يتهرب ويترك الفتاة مع طفلها بلا مساعدة، كما تصور القصة، بل تلزم الدولة الأب (والذي يمكن اكتشافه بسهولة بفحص حمض نووي بسيط) قانونيًا بدفع راتب شهري للطفل لدعم تربيته، وإلا يسجن.

وفي فرنسا، يلزم الأب بدفع مبلغ من المال للطفل حتى يصل الطفل لعمر الثامنة عشرة أو ينهي تعليمه الجامعي (في حال الدراسة بدوام كامل)، أيهما أطول. وهذا من شأنه ضمان مستقبل الطفل مهما حدث بين الأبوين، وبإمكان الأم ملاحقة الأب قانونيًا في حال تخلفه عن الدفع لمدة أكثر من شهرين.

د. وأخيرًا، حتى ولو افترضنا أن الأم ذاتها رفضت الإجهاض وبعدها رفضت رعاية الطفل حتى مع توفر الراتب من الأب، فعندها نعود للنقطة (ثانيا-أ)، ويتم التعامل مع الأم المهملة بكل قوى القانون من أجل ضمان الرعاية والتربية السليمة للطفل.

– رابعا:

سأترك قوانين حماية الطفل بعد أن قمت بتقديم ما يكفي عن الموضوع، مع العلم أنني لم أقم بإعطاء الموضوع حقه، وسأنتقل لمعهد السكرتاريا الذي تخيله يوسف في روايته.

يصف يوسف معهد السكرتاريا الذي التحقت به سامورا وصديقاتها بأنه معهد لا يقبل بين صفوفه إلا الطالبات الجميلات، بل وتتساءل سامورا بحسرة في الرواية عن مصير غير الحسناوات من النساء بعد أن يتم رفضهن من المعهد بسبب شكلهن.

يتجاهل يوسف هنا القوانين الفرنسية والأوروبية حول الفرص المتساوية كل التجاهل، ولا يسعني أن أعول هذا إلا لغياب هذه القوانين من البيئة التي نشأ فيها هذا الكاتب، وغيابها كذلك من مفاهيمه الدينية والعرفية.

فالمادة L-١٢٢-٤٥ من قانون العمل الفرنسي تنص على أنه ”لا يجوز لأحد أن يُستَبعد من إجراءات التعيين أو من الحصول على دورة تدريبية أو فترة تدريب في شركة بسبب أصله أو جنسه أو أخلاقه أو ميوله الجنسية أو سنه أو ظروفه الأسرية أو الحمل أو سماته الجينية أو انتمائه إلى جماعة إثنية أو قومية أو عرقية، أو انتمائه لنقابة، أو بسبب معتقداته الدينية، أو مظهره البدني، أو بسبب إعاقة أو مشكلة صحية.“

وعليه، فرفض امرأة من الالتحاق بسبب مظهرها يشكل جريمة يعاقب عليها القانون ويمكن أن تؤدي لاعتقال مدير المعهد وإغلاق المعهد نفسه.

وهناك العديد من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية التي تقوم دوريًا بعمليات الفحص للتأكد من عدم وجود أي نوع من التمييز في أماكن العمل، ومن أشهرها اللجنة الفرنسية لتكافؤ الفرص ومكافحة التمييز (HALDE).

أحداث القصة مع أخذ الواقع الفرنسي الحقيقي في الإعتبار

سأكتفي بهذا الحد من الكلام عن الظروف الفرنسية المتخيلة من قبل الكاتب مقابل الواقع الفرنسي الحقيقي، فما سبق كافٍ ووافٍ للإطاحة بفرضية الرواية الأساسية، فلو التزم يوسف بالحقيقة وراعى الواقع الفرنسي الحقيقي، لكانت قصة سامورا ستكون كالآتي:

”أصيبت سامورا برأسها ونقلها عشيق أمها للمستشفى، وهناك تلقت سامورا العلاج اللازم بالكامل ودون أية تكاليف بفضل خدمة المعونة الطبية العاجلة المجانية.

بعد شفائها، استدعى طاقم المستشفى أم سامورا لإخراجها، لكن الأخيرة لم تأت بطبيعة الحال لانشغالها عن ابنتها بعشاقها العديدين، وتكررت القصة مع أبيها، فاضطرت إدارة المستشفى على إبقاء سامورا في المستشفى لحين قيام لجنات حماية الطفل الفرنسية بالتحقيقات اللازمة لمعرفة سبب تخلف الأبوين عن لقاء ابنتهما.

أثناء وجودها في المستشفى، طلبت سامورا من مدير المستشفى (المسيو أندريه) أن يسمح لها بالعمل لديه لتكسب ”أجرة“ منامها ومأكلها، لكن جابون (ليس للطف في قلبه بل لخوفه من المساءلة القانونية) رفض طلبها برفق وأخبرها أنها كطفلة يجب أن تبقى في غرفتها وتتابع واجباتها الدراسية.

إلا أن خوفه هذا لم يتغلب على انحرافه الجنسي، وكان (هو ومدير التشغيل جابون) يكثرون الإيحاءات الجنسية لسامورا وضغطها ”للسهر“ معهما.

هنا تذكرت سامورا ما تعلمته في دروس التربية الجنسية في المدرسة وعن كيفية التعامل مع هذه الأمور، إلا أنها خافت ولم تقم بالتبليغ، وهنا عرفت صديقتها سوندا ما يجري، فقامت هي بالتبليغ عن الرجلين وتم اعتقالهما بتهمة التحرش بقاصر (لا حاجة لشراء بنطال تافه).

بذات الوقت، تمكنت السلطات من إحضار أم سامورا وإتمام الإجراءات لإخراج سامورا من المستشفى وإعادتها للمنزل.

قامت مؤسسة حماية الطفل الفرنسية بتعيين عاملة اجتماعية لتبيت في منزل سانيت (أم سامورا) للتأكد أن الأخيرة تلقى حقها من الرعاية والدعم المعنوي والمادي والتربوي، وهكذا، تمكنت سامورا من إتمام تعليمها في جو عائلي مقبول.

لم تتوقف أمها عن إحضار العشاق ليل نهار ولم تنل سامورا منها الكثير من الحنان، لكنها على الأقل ضمنت الرعاية الكاملة والدعم المالي والنفسي حتى انتهاء دراستها والتحاقها بمعهد السكرتاريا، والذي حصلت سامورا على تكاليفه عبر السنين من الراتب الذي يدفعها لها أبوها حسب القانون، والتقت هناك بصديقاتها القديمات من المستشفى وقد كان قبولهن في المعهد بناءً على مهاراتهن فقط، فوجدن هناك الجميلات والعاديات، والثريات والفقيرات، والبيضاوات والسوداوات، والكاثوليكيات والمسلمات، ومثلهن من الذكور.

هكذا ستكون قصة سامورا لو راعى يوسف الواقع الفرنسي الحقيقي، فبدل أن تكون قصة معاناة وظلم، كانت لتكون قصة نجاح على الصعيد الشخصي بالنسبة لسامورا التي تمكنت من الاعتماد على نفسها وصنع مستقبل خاص بها، وعلى الصعيد المجتمعي الذي وفر لسامورا الحماية والفرصة الحقيقية لتعيش طفولةً وتصنع مستقبلًا موفقًا.

ولم تضع فرنسا هذه القوانين مؤخرًا حتى نعطي الكاتب حجة ”فرنسا اليوم غير فرنسا زمان“، فقد أصدرت الحكومة الفرنسية أول قوانين لحماية الطفل في أماكن العمل سنة ١٨٤١، كما قننت الدولة حق التعليم لكل طفل فرنسي عام ١٨٨٠، قبل ولادة يوسف بأكثر من نصف قرن، بل وصادقت فرنسا على ميثاق حقوق الطفل العالمي حال إصداره من الأمم المتحدة في ١٩٥٩.

ماذا عن رسالة عبد الودود يوسف؟

بعد انتقاد سوء تصوير يوسف للواقع الفرنسي، سأوجه انتباهي الآن للرسالة الكامنة التي أراد يوسف إيصالها للقارئ، لأبين بعض المغالطات الفكرية والأفكار الناقصة الموجودة فيها.

– أولا:

من يقرأ الرواية الكاملة سيلاحظ النظرة الدونية التي يحملها يوسف للمرأة، صحيح أن الرواية (في ظاهرها) تسلط الضوء على حال (كاذب) ظالم للمرأة، إلى أن البديل المقترح لا يقل ظلمًا عنه.

لا نجد في الرواية بأكملها أي موقع صرخت فيه سامورا، أو سوندا، أو أي الفتيات المظلومات ”أريد أن أكون إنسانة مستقلة، أريد أن أكون حرّة.“ جميع تمنيات وهتافات الفتيات جعلت منهن تابعات لفرد آخر (ذَكَرٍ بالتحديد): ”أريد أن أكون زوجة، أريد أن أكون أختًا، ابنةً …إلخ.“

فالكاتب يريد أن ينقل المرأة من عبودية إلى عبودية أخرى. فالمرأة بنظر يوسف هي ملحقة للرجل (سواء بصفة أب أو زوج أو أخ) وليست مستقلة تمتلك مصيرها بيدها، ولا تستحق هكذا استقلال.

– ثانيا:

إن التأثير الشرقي والإسلامي في تصرفات شخصيات القصة واضح ويبين عدم إلمام يوسف بالثقافة الفرنسية، وهذا واضح في عدة مواقف:

أ. احتشاد وتهافت الرجال على النساء (والأطفال) كما نرى في القصة هي ظاهرة شرقية إسلامية، ولا تمت للثقافة الفرنسية الأوروبية بصلة، فثقافة الذئاب التي يعاني منها رجال باريس في القصة هي نتيجة الكبت والحرمان، ومن يتابع الرواية سيلاحظ أن رجال باريس أبعد ما يكونون عن الكبت، بعكس الواقع الحقيقي في المجتمعات العربية والإسلامية.

حاول الكاتب إسقاط هذه الثقافة من مجتمعه على المجتمع الفرنسي دون أن يتطرق للسبب الحقيقي وراء ظاهرة ”الذأبنة“ – الكبت الجنسي، فلو زار يوسف فرنسا فعلًا لرأى أن الشعب الفرنسي نادرًا ما ينظر للمرأة بهذه الطريقة، بل هي فرد من أفراد المجتمع لها احترامها وحقوقها وواجباتها ولا ينظر لها أحد كأنها سلعة، على عكس الثقافة الشرقية العربية العامة التي تشبه المرأة بالحلوى (أي السلعة) لتعليل ضرورة تغطيتها (حتى لا تفقد هذه السلعة قيمتها).

ب. ردة فعل سامورا تجاه إعجاب سوفان (من المعهد) بشعرها تفوح برائحة التأثير الإسلامي، فتروي القصة كيف شعرت سامورا بالإحراج وأن أول ما خطر ببالها نتيجة الإعجاب هو ضرورة تغطية شعرها حتى لا ينظر إليه الرجال، الإخفاء هو ردة فعل تجاه ما تشعر بالعار تجاهه، وهذه نظرة رجعية بامتياز، يحاول الكاتب إسقاط نظرته المستعرة من جسد المرأة على سامورا، ويزرع بشكل خفيّ مفهوم ”العورة“ في ردة فعلها.

لكن في الحقيقة، ستكون ردة فعل سامورا الفرنسية الأوروبية، والتي تخلو من تأثير ثقافة العار والعورة، أن تشعر بالإطراء لأن شعرها يلفت النظر، ويعجبها بذلك شعرها أكثر، أو إذا شعرت بالإحراج أو المضايقة فإما أن تطلب من سوفان أن يكف النظر بهذه الطريقة أو أن تشتكيه لمن هو أعلى منه، وهذا هو موقف المجتمعات التي لا تنظر للمرأة نظرة عار بشكل عام.

هذا تبيان بسيط لأبرز النقاط التي فشل الكاتب في التعرف عليها قبل تأليف روايته، فقد قام يوسف، باختصار، بتخيل المجتمع الفرنسي على أنه مرآة لمجتمعه العربي المسلم لكن بغياب الدين، فأسقط الأعراض الحيوانية التي يعاني منها الكثير من رجال مجتمعه بسبب الكبت الجنسي على رجال فرنسا، وأسقط العادات والقوانين الذكورية المجحفة بحق المرأة التي تشبع الدساتير العربية والشريعة الإسلامية على الدستور الفرنسي، كما أسقط ثقافتي العار والتبعية المصحوبتان بالمرأة المسلمة على المرأة الفرنسية، ثم أزال الدين (الذي هو بنظره الدواء) ليسلط الضوء على واقع من صنع خياله لا يمت للحقيقة بصلة، ونسي أن هذا الدواء هو الداء الذي خلق في المجتمع هذه الصفات المقيتة وبعدها قدم ”الحلول“ السطحية للمشاكل التي سببها من الأساس في المجتمع.

عدد القراءات: 337